No Result
View All Result
عدنان الدوسري
كنت في بغداد أطلق رسائلي فوق دجلة على قطعة فلين تحمل شمعة صغيرة، وأراقبها تمضي مع الماء كأنها تحمل ما تبقى من قلبي. كان النهر يصغي إلى دعائي، وكانت سماء بغداد تمنحني يقينا بأن الإنسان ما دام في وطنه، فلن يكون وحيدا مهما اشتدت عليه الحياة.
لم أغادر بغداد طمعا في دنيا، بل خرجت هاربا من مطاردات الميليشيات، بعدما صار البقاء وجها آخر للموت. تركت خلفي البيت، وكتبي، وأمي واقفة عند الباب تخفي دموعها بابتسامة مرتجفة. كنا ندرك، دون أن نتكلم، أن بعض الوداع لا يترك وراءه موعدا للقاء.
ومنذ تلك اللحظة، لم أفقد مدينتي فقط، بل فقدت نفسي أيضا. في الغربة، صار المرض أشد قسوة من الغياب. حين ينهش جسدي الوجع، لا أجد يدا تتحسس جبيني، ولا صوتا يطمئنني. أفتش في جيبي عن ثمن الدواء، فأجده أفقر من ألمي، فألوذ بمسكن رخيص، وكوب ماء ساخن، وصبر طويل لا يملكه إلا الفقراء.
كم من ليلة تمنيت فيها أن يغلبني النوم، لكن الوجع كان يسهر قبلي، والغرفة تضيق حتى أشعر أنها قبر يؤجل إغلاق بابه. هناك أدركت أن الفقر ليس خلو الجيب، بل أن يعصف بك الألم ولا تستطيع شراء ما يخففه، وأن أقسى الغربة ليست البعد عن الوطن، بل أن تمرض ولا تجد من يناولك كأس ماء، أو يربت على كتفك قائلا: لا بأس… أنا هنا… كلما حاولت أن أبعث صوتي إلى بغداد عاد إلي مثقلا بالحنين. أرى أمي في مخيلتي ما تزال واقفة عند الباب، تحدق في الطريق، وكأنها تؤمن أن الغائب سيعود مهما طال الغياب.
أما أنا، فما زلت أسأل الله كل ليلة: هل أعود يوما لأقبل يديها، أم يسبقني الموت إليها وأنا غريب؟ أنا هنا… جسد يعيش لأن القدر لم يأذن برحيله بعد، أما روحي فما زالت منذ أعوام على ضفة دجلة، تحمل شمعة صغيرة، تنتظر رجلا فر من رصاص الموت، فلم يجد في المنافي إلا موتا آخر… موتا بطيئا يذبح القلب كل يوم، ولا يمنحه حتى رحمة النهاية.
No Result
View All Result