انتقل التلاعب بالوعي الجمعيّ في عصرنا من الحدس السيكولوجيّ التقليديّ إلى الهندسة الخوارزميّة الرقميّة، ليتحول توجيه الجماهير إلى صناعة مخبريّة دقيقة. فلم يعد رهان السلطة قائماً على الإقناع المنطقيّ، بل اختراق المنظومة الغريزيّة وتوجيه الرغبات الدفينة عبر التكرار الآلي واقتصاد الانتباه. إنها معركة السيطرة على “القطيع الحائر” التي بدأت بتفكيك سيكولوجية الحشود وتنتهي اليوم ببرمجة العقول عبر المنصات الرقميّة، ما يضع حرية الإرادة الإنسانيّة أمام معضلة الاندثار الكامل.
مناعة الوعي وثغرات اللاوعي
يبدي الفردُ ممانعةً قويةً إذا خُوطب عبر جبهةِ الوعي والمنطقِ والمحاكمة العقليّة المباشرة؛ وتدقق دفاعاته الفكريّة وتشكك وتحلل لمنع الاختراق فتفشل الخطابات الوعظيّة المباشرة في قيادته وتوجيهه. بالمقابل، فإنَّ الجبهة الخلفيّة المتمثلة باللاوعي والغرائز الدفينة مشرعة بالكامل وتحتوي ثغراتٍ مرعبةً للتسللِ منها دون إثارة الانتباه. وهنا يتحرك التوظيفُ السياسيّ ليعتمد آلية اختراق ما تحت الوعي، وتُسقط المحاكمة العقليّة للمعلومة وتُفكك الدلالات اللغويّة والمفاهيميّة من جوهرها، لتصبحَ الكلمات مجردَ عناوين تحريض واستفزاز، وشحنات عاطفيّة محقونة بالخوف أو الغضب. وتتحول المسألة في عمقها إلى هندسة للاعتياد اللاواعي والإدمان النفسيّ؛ وتُحقن الجماهير بجرعاتٍ متكررةٍ من المثيرات لبرمجةِ العقل الجمعيّ على الاستجابة التلقائيّة للعنوان المستفز دون أدنى تفكير في مآلاته وأهدافه الخفية.
وفيما اعتمد هذا التحوّل في القرن الماضي على صوتِ ونبرة الخطباء للسيطرة على “الحدس السيكولوجيّ التقليديّ” وتحريك الجموع، انزلق إلى خطورةٍ بالغةٍ في زمن العولمة باستلام “الخوارزميّات الرقميّة” دفة التوجيه. فالخوارزميّة اليوم لا تخمن ما يريده الحشدُ، بل تملك بياناته الدقيقة، وتعرف مخاوفه ونقاط ضعفه الفرديّة والجمعيّة، لتحوّل السيطرةَ من محاولاتِ إقناع سياسيّة تقليديّة إلى “هندسة آليّةٍ ومخبريّةٍ” تقود القطيع البشريّ بربط رغباته الدفينةِ بقراراتٍ سياسيّةٍ وميدانيّةٍ تُرسم في غرفٍ مغلقةٍ.
الروح الجمعيّة والروابط العاطفيّة اللاشعوريّة
بدأ الطبيب والمؤرخ الفرنسيّ غوستاف لوبون تأصيل الظاهرة علميّاً أواخر القرن التاسع عشر، عقب تأثره باضطرابات الثورةِ الفرنسيّة وحركاتِ الحشود الصاخبة في الشوارع. والتقط لوبون بحدسه السيكولوجيّ حقيقةً صدمتِ الفلسفة العقلانيّة: فالفرد بمجرد انصهاره في الحشدِ تذوب شخصيته الواعية، وتتلاشى قدرته على المحاكمةِ المنطقيّة، لتطفو على السطحِ “روحٌ جماعيّة” تقودها الغرائز البدائيّة المشتركة. ورأى لوبون أنّ الحشدَ لا يمتلك عقلاً، بل يتحرك بالعدوى النفسيّة والتنويم المغناطيسيّ الإيحائيّ، ما يجعله كائناً متطرفاً؛ إما بالتضحية أو التدمير، وعاجزاً تماماً عن التفكير النقديّ، ويصبح الرمز والشعار البسيط والكلمة الرنّانة أدوات يمكنها تحريكِ ملايين البشر نحو هدفٍ واحد رغماً عن إرادتهم الفرديّة.
مع عشرينات القرن العشرين، أخذ سيغموند فرويد أطروحة لوبون إلى بُعدٍ أعمق عبر التحليل النفسيّ. فلم يكتفِ برصد ذوبان الأنا الفرديّة، بل بحث عن “اللاصق النفسيّ” الذي يربط أفراد القطيع ببعضهم ويوجههم نحو بوصلة واحدة، فوجد أن الروابط العاطفيّة اللاشعوريّة هي المحرك الأساسيّ. وطرح فرويد فكرة “المنقذ أو القائد البديل”؛ إذ تزيح الجماهير المستلبة “الأنا الأعلى” والضمير الفرديّ الخاص بها، وتضع مكانه شخصيّة القائد أو الزعيم الكاريزميّ. ويصبح القائد هو الأب البديل، وتتحول العلاقة بين القطيع وقائده إلى حالة تماهٍ عاطفيّ أعمى شبيهة بالوقوع في الحب أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي، وهي الركيزة النفسيّة التي تفسّر اندفاع الجماهير لتهتف بحياة مستبد يجوّعها، لأنّ وعيها مخدرٌ برابطٍ عاطفيّ لاشعوريّ يتجاوز المصلحة العقلانيّة المباشرة.
القطيع الحائر والتوظيف الاستراتيجيّ
في الحقبة الزمنيّة ذاتها تقريباً، وتحديداً في أمريكا عقب الحرب العالميّة الأولى، نقل الصحفي والمفكر والتر ليبمان الظاهرة من حيّز التشريح النفسيّ إلى الإدارة السياسيّة للدولة الديمقراطيّة. وصاغ ليبمان مصطلحه الشهير “تصنيع الإجماع”، واصفاً المواطن العادي في المجتمع الحديث بـ”القطيع الحائر”. ورأى أنّ العالم المعقّد أكبر بكثير من قدرة المواطن العادي على الاستيعاب والتفكيك؛ فالمواطن ليس لديه الوقت والمعرفة، والأدوات المعرفيّة التي تمكّنه من تحليل السياسات الخارجيّة والتعقيدات الاقتصاديّة. واعتبر ليبمان أنّ الديمقراطيّة لا تُترك لخياراتِ القطيعِ الحائر، بل تديرها “نخبة تكنوقراطيّة ذكية” تقوم بصناعة الرأي العام وهندسة الخياراتِ وتوجيه الجماهير نحو قراراتٍ محددةٍ سلفاً، مع إيهامهم بأنّهم من اختاروها طواعيّة عبر صناديق الاقتراع.
المؤرّخ والنفساني الروسيّ إيمانويل فليكوفسكي درس مفاهيم مثل “العقل الجمعيّ” واللاوعي الإنسانيّ، واعتبر أنّ البشريّة تعاني من “فقدان جماعيّ للذاكرة” بسبب الصدماتِ نتيجة الكوارث الكونيّة، وأطلق مصطلح “العقل الجماعيّ للحشد”، والذي يعمل لدى البشر بطريقة تدميريّة، وقال: هناك دافع لدى النوع الإنسانيّ نحو التدمير وإفناء الذات، ويُمكن التفكير بالعوامل السيكولوجيّة، وحتى البيولوجيّة، بدل العوامل السياسيّة والاقتصاديّة لهذه النزعة التدميريةّ لدى البشر”.
مع بدايات القرن العشرين انتقلتِ السيطرة على الجماهير من حيّز التفكيك النظريّ إلى التطبيق الاحترافيّ، وأدركتِ النخب السياسيّة والتجاريّة أن من يسيطر على رغبات القطيع يحكِم قبضته على الدولةِ والسوق. وكان إدوارد بيرنيز، ابن أخت سيغموند فرويد، الأب الروحيّ لهذا التحول بتأسيسه علم “العلاقات العامة”، وكان في حقيقته الاسم الرمزيّ للبروباغندا الموجّهة. ونجح بتحويل أبحاث خاله حول الغرائز المكبوتة إلى سلاحٍ تجاريّ وسياسيّ فتّاك؛ فلم يعد يخاطب عقلَ المستهلك أو المواطن ليقنعه بجودةِ سلعة أو نزاهة مرشح، بل بربط السلعة أو الموقف السياسيّ برغبةٍ دفينةٍ لا واعية تتعلق بالهوية، (الجنس، المكانة الاجتماعيّة، الخوف من النبذ). وتجلى ذلك في حملته الشهيرة لإقناع النساء بالتدخين بتسمية السجائر “مشاعل الحرية”، رابطاً الفعل برغبة التحرر من الهيمنة الذكوريّة، ليثبتَ أنّ توجيه سلوك الجماهير يتم باختراق الرموز والدلالات اللاشعوريّة.
في ألمانيا تبنّى جوزيف غوبلز، وزير دعاية النظام النازيّ، هذه الآليات في غسيل شاملٍ للأدمغة وصناعة العقيدة السياسيّة العمياء. واستند إلى مبدأ التكرار الآليّ المكثّف والمستمر لإنتاج قناعاتٍ جماعيّة عصية على الكسر؛ فصاغ قاعدته الشهيرة بأنّ التكرار الكافي للكذبة يحوّلها إلى حقيقةٍ مطلقةٍ في وعي الجماهير. ولم يكن غوبلز يخاطب ذكاءَ الجماهير بل يبحث عن القاسم المشترك الأدنى بينها، مستخدماً الراديو والصحافة والسينما لحقن العقل الجمعيّ بجرعاتٍ متواصلة من العداء والخوف والفوقيّة العرقيّة، محوّلاً الحشودَ المنصهرة لأداةٍ طيّعةٍ ومتحمسةٍ لتنفيذ رغباتِ السلطة وخوض الحروب دون أدنى تساؤل أخلاقيّ أو محاكمة عقلانية.
تلاقت تطبيقات بيرنيز وغوبلز العمليّة مع الأطروحة السياسيّة لوالتر ليبمان حول “تصنيع الإجماع”، لتكتمل ملامح إدارة المجتمعات عبر استثمار العجز البشريّ. وطوّر المفكر الأمريكيّ نعومي تشومسكي طوّر مفهوم ليبمان نقديّاً في كتابه “تصنيع الإجماع: الاقتصاد السياسيّ لوسائل الإعلام”، فنزع الغلافَ التكنوقراطيّ البريء عن النظريّة ليعيدَ قراءتها كآليّة قمعٍ وتدجين ناعمة. ورأى أنّ وسائل الإعلام والمنصات الكبرى في العصر الحديث ليست أدوات لنقل الأخبار أو تنوير الرأي العام، بل أجهزة “برمجة العقول” وتطويع الإرادة الشعبيّة لحماية مصالح الشركات الكبرى وعمالقة المال والنخب السياسيّة المهيمنة. وتتحرك هذه المنظومة عبر فلاتر مرئيّة وخفية لغربلة المعلومات وتحديد هوامش النقاشِ المسموح به، ما يضمن تدجين الشعوب وإبعادها عن قضاياها الجوهريّة والسياديّة، وإشغالها ببدائل وصراعات هامشيّة تُبقي مراكز النفوذ التقليديّة آمنة ومحمية خلف ستار إجماعٍ صُنع بعنايةٍ فائقةٍ.
الهندسة الخوارزميّة واقتصاد الانتباه
تجاوزت العولمة الرقميّة أساليب غسيل الأدمغة التقليديّة المعتمدة على البثّ الجماعيّ الموحّد، إلى “الهندسة الجبريّة والاستهداف الدقيق” الذي يخاطب كلّ فرد بناءً على مقاساته النفسيّة الدقيقة. واليوم تحولتِ المنصات الرقميّة وشبكات التواصل من أدوات تواصلٍ إلى مختبرات سلوكيّة عملاقة تُدير ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه”، وغدا وعي الإنسان ووقت تركيزه السلعةَ الأثمن التي تتسابق الخوارزميّات لاختطافها.
لا تسعى الخوارزميّة لإقناع الحشد عبر شاشة التلفاز، بل تخترق ما تحت الوعي الفرديّ عبر تتبع البصمات الرقميّة، وقراءة الإعجابات، وتحليل زمن التمرير والتوقف أمام المنشورات، لتتحولَ البياناتُ الصامتة إلى ملفات سلوكيّة تكشف بدقّة مرعبة مخاوف الإنسان الدفينة، ورغباته السريّة، ونقاط ضعفه النفسيّة. ووفقاً لهذا الاختراق المخبريّ، يحلّ التكرار الآليّ الممنهج بدل تكرار غوبلز البدائيّ؛ وتُحاط الضحية بـ”فقاعة فكريّة” مغلقة ومصممة خصيصاً له، تغذّي عقله الباطن بجرعات معلومات ورموزٍ موجهة مكثّفة ومتواصلة تزرع الفكرة وتنمّيها ليتبناها الفرد كقناعةٍ ذاتيّةٍ نابعة من إرادته الحرة، والحقيقة أنّه يتحرك وفق مسارات رياضيّة رسمتها خوارزميّةٌ صامتة لخدمةِ أهداف سياسيّة أو تجاريّة موجّهة.
الخداع البصريّ وهندسة حراك الميدان
يمتد الاختراق الرقميّ ليتجسد قوة حركيّة مدمّرة في الواقع، عابرة لأبعاد المكان والزمان والهدف عبر هندسة الحراك الميدانيّ وتوجيه الشارع وفق استراتيجيّة الفعل والرد المتوقع. وقدّمت الثورات العربيّة، في محطاتها الميدانيّة، تطبيقاً حياً لكيفية تحريك الشارع وإدارته عن بُعد عبر توظيف “الأقليّة الصاخبة”، وعملت المنصات الرقميّة كأداة “خداع بصريّ للحشود”؛ وقامت الخوارزميّات بتضخيم أصوات ودعوات مجموعة محدودة جداً من الناشطين الموجهين، ومنحت منشوراتهم انتشاراً هائلاً ومصطنعاً يُوهم الأغلبية الصامتة بأنّ الحراك يمثل إجماعاً شعبيّاً جارفاً، ما قاد الجماهير للاندفاع نحو الشوارع مدفوعة بسيكولوجية غريزة القطيع والعدوى النفسيّة. وخضعتِ الساحات لـ “معضلة ساعة الصفر” وهندسة الزمكان؛ واختير توقيت النزول، وتحديد المربعات الجغرافيّة، وصياغة الشعارات المستفزّة بدقة رياضيّة مسبقة، تتوقع سلفاً طبيعة رد فعل الأجهزة الأمنيّة والسلطة الحاكمة.
النتيجة الحتميّة لهذه الهندسة استدراج الجماهير العاطفيّة، غير الواعية بخلفيات الكواليس، لتتحرك كقطع شطرنج وتنفذ خطوات مرسومة لها بدقة في غرف الاستخبارات الدوليّة أو إدارة البيانات، ليتحول الفعل الثوريّ الصادق والاندفاع العفويّ للناس إلى مجرد أداة بيد قوى خفيّة تحرك خيوط الساحة، وتقتنص النتائج عند ساعة الصفر لفرض واقعٍ سياسيّ جديد يحمي مصالح النخب على حساب دماء الحشود المخدوعة ببريق الإجماع الافتراضيّ.
صناعة الكراهية والحقن بدوامات العنف
تنتقل أدوات التحكم بالحشود من مرحلة التوجيه السياسيّ والاقتصاديّ العابر، لتصلَ ذروة توظيفها التدميريّ عبر هندسة الكراهية وحقن الوعي الجمعيّ بدوامات العنف المنظم. لا تتطلب صناعة الأعداء ذكاءً معرفيّاً، بل تعتمد بالدرجة الأولى على آليات “الحفظ الببغائيّ للعداء”، بتجريد الفكر الإنسانيّ من مرونته وقدرته على الفحص النقديّ، ويُحقن بدل ذلك بصيغ لغويّة وقوالب جاهزة تُكرر آليّاً في المناهج، والمنابر، ومنصات التواصل. ويتحول الآخر، المختلف بالدين والمذهب والقومية، إلى مادة تنميط كليّ ويُلغى وجوده الإنسانيّ الفرديّ ليصبح مجرد عنوان ثابت للشر والمؤامرة المتربصة بالذات. ويمنع الحفظ الببغائيّ العقلَ الجمعيّ من طرح الأسئلة أو مراجعة خلفيات الصراع، لتصبح كراهية الآخر واجباً مقدّساً وجزءاً أصيلاً من تركيبة الهوية الضيّقة التي يتربى عليها القطيع البشريّ منذ الصغر.
ويكتملُ الحقنُ السيكولوجيّ بالاستثمار الممنهج في “الإرث المقدّس” وتوظيف الرموز التاريخيّة والدينيّة لإضفاء شرعيّة مطلقة على المعارك المصطنعة. ويدرك صناع القرار وأمراء الحروب أنّ اختراق الوعي الجمعيّ يكون أسرع وأعمق بدمج المصلحة السياسيّة الضيّقة بنصوص أو حوادث تراثيّة مشحونة عاطفيّاً. ويُعاد إحياء صراعات وفتن تاريخيّة، وتُسقط تفاصيلها الدامية على الواقع المعاصر عبر تكتيك “التعميم الأخلاقيّ”، ويُصوّر الصراعُ الحالي كامتدادٍ حتميّ لمعركة أزليّة بين الحق المطلق الذي يمثله القطيع، والباطل المحض الذي يمثله الخصم. ويسلب هذا التوظيف السيكولوجيّ الفردَ حسّه الإنسانيّ الفطريّ؛ فالعنف والتنكيل والإقصاء بحق المخالف لا يعود سلوكاً جرميّاً مداناً بنظره، بل يتحول في وعيه المستلب إلى “جهادٍ مقدّسٍ” أو “انتصارٍ للدين والتاريخ والأسلاف”، ما يمنح القتلة والمخربين راحة ضمير وصكوك غفران جماعيّة تدمّر أيّ إمكانية للتعايش أو الحوار الندّي.
تتمخض هذه الهندسة العاطفيّة المغلقة عن ولادة دوامة وفق مبدأ “الدم التي تستسقي الدم”، وتخرج الكراهية عن السيطرة لتصبحَ محرّكاً ذاتيّاً يغذّي نفسه بنفسه في غيابٍ كامل للوعي النقديّ. وعندما يُسفك الدم الأول بسبب تحريض خوارزميّ أو فتوى مسيّسة، يتحول الفعلُ إلى مادةٍ لاستسقاءِ ثأرٍ دائمٍ لا ينتهي؛ وكلّ قطرة دمٍ تُراق تصبحُ وقوداً مباشراً للحقنِ بجرعةِ حقدٍ مضاعفةٍ ورغبة بالانتقام المضاد. ويتلاشى صوتُ العقل في هذه الدوامة العبثيّة، ويُتهم دعاة التهدئة والنقد الذاتيّ بالخيانة والعمالة والتثبيط، وتتسلم الأقليّة الصاخبة والمشحونة بالغرائز البدائيّة زمامَ قيادة المجتمع وتوجيهه نحو محرقةٍ جماعيّة. وفي غياب الوعي النقديّ تعجز الجماهيرَ عن إدراكِ الحقيقة المرّة: وهي أنّ الدماء المسفوحة في الشوارع والساحات لا تخدمُ قضاياهم الفطريّة أو المعيشيّة، بل تروي عطش مشاريع نفوذ واستثماراتٍ سياسيّة واقتصاديّة تُدار في الخفاء وفي الغرف المغلقة والثمن تصفية الحشودِ معنويّاً وجسديّاً لتأمينِ العروشِ والمصالح المستدامة.
استعادة الإرادة الحرة
استعادة الإرادة الحرّة في مواجهة التوجيه الخوارزميّ والمخبريّ للوعي لا تتطلبُ فقط حلولاً تقنيّة أو انسحاباً عابراً من المنصات الرقميّة، بل ثورة معرفيّة وأخلاقيّة شاملة تعيد للإنسان سيادته الفكريّة المستلبة. ويبدأ أفق الخلاص بامتلاك جرأة تفعيل الوعي النقديّ والشك المنهجيّ، سلاحاً وحيداً قادراً على تفكيكِ الحفظ الببغائيّ للعِداء، وكسر طوق التكرار الآليّ الذي تفرضه هندسة اقتصاد الانتباه وفقاعات المنصات المغلقة. ويفرض التحرر المعرفيّ فكّ الارتباط الوجدانيّ مع الكهانة السياسيّة والتراثيّة التي تستثمر الإرث المقدّس لشرعنة الاستبداد وصناعة دوامات العنف، والالتفات بدل ذلك نحو صياغة مفاهيم حديثة للمواطنة الإنسانيّة تقومُ على الكفاءة والإنتاج والوعي الفطريّ بالحقوق.
المعركة الحقيقيّة للجيل المعاصر هي لاسترداد “الأنا الفرديّة” من ذوبانها المشوّه في روح القطيع الحائر؛ فحينما يتعلم الفرد كيف يسأل وينتقد ويرفض التنميط والتحريض الجاهز، تسقط هيبة الغرف المغلقة وتتحطم آلات التدجين المخبريّ، ليُعاد بناء الإنسان كقائدٍ حر ومسؤول عن توجيه مصيره، بدل بقائه مجرد رقم وفردٍ مسيّر في مسارات رياضيّة تحركها قوى النفوذ والتجهيل.