روناهي/ دمشق – بعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام السوري السابق؛ لم يلمس سكان مدينة دمشق التحول الاقتصادي الذي انتظروه طويلاً، فبينما تبدلت السلطة السياسية، بقيت معاناة المواطنين على حالها، بل ازدادت قسوة بالنسبة لشريحة واسعة من العمال والعاملين وذوي الدخل المحدود، الذين وجدوا أنفسهم أمام سوق مفتوحة على ارتفاع الأسعار، دون أن يرافق ذلك تحسّن حقيقي في الأجور أو مستوى الخدمات.
اليوم، لا يقاس الواقع المعيشي في دمشق بما هو متوافر في الأسواق، وإنما بما يستطيع المواطن شراءه، فالرفوف ممتلئة بالسلع، لكن جيوب معظم السوريين فارغة، الأمر الذي جعل الأسواق تبدو مزدحمة بالناظرين أكثر من المشترين.
راتب شهر… لا يكفي لأسبوع
يتراوح متوسط رواتب العاملين في القطاع العام بين 1.5 و2.5 مليون ليرة سوريّة، بينما يحصل كثير من العمال في القطاع الخاص على أجور لا تتجاوز ثلاثة ملايين ليرة شهرياً، وهي مبالغ لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة صغيرة.
في المقابل، تتسارع أسعار السلع الأساسية بوتيرة تفوق قدرة المواطنين على الاحتمال: كيلو لحم الغنم يتراوح بين 250 و350 ألف ليرة، كيلو لحم الفروج يقارب 70 إلى 100 ألف ليرة، كيلو الأرز الجيد يتجاوز 35 ألف ليرة، ولتر الزيت النباتي يتراوح بين 45 و60 ألف ليرة، وكيلو السكر يقارب 20 ألف ليرة، وربطة الخبز المدعوم لم تعد تكفي احتياجات الأسرة، فيما يضطر كثيرون لشراء الخبز السياحي بأسعارٍ أعلى، أما أسطوانة الغاز المنزلي فتتجاوز 250 ألف ليرة في كثيرٍ من الأحيان. أما إيجارات المنازل في الأحياء الشعبية فتبدأ من 2.5 إلى أربع ملايين ليرة شهرياً، وترتفع إلى أضعاف ذلك في الأحياء المتوسطة والمركزية.
وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة الهائلة بين الدخل والإنفاق، إذ قد يستهلك إيجار منزل متواضع كامل راتب موظف حكومي، فيما تحتاج الأسرة إلى عدة رواتب فقط لتأمين الغذاء الأساسي.
الأسواق تتحول إلى صالات عرض
في سوق الحميدية والشارع المستقيم وسوق الشيخ سعد وغيرها من الأسواق الشعبية، تتكرر المشاهد ذاتها؛ مواطنون يتجولون بين المحال، يسألون عن الأسعار، ثم يغادرون دون شراء، ويؤكد تجار أن حركة البيع انخفضت بشكلٍ واضح، رغم توفر البضائع، بسبب انهيار القوة الشرائية.
ولم تعد الملابس أو الأدوات المنزلية ضمن أولويات معظم العائلات، بل أصبحت تقتصر النفقات على الغذاء والدواء والمواصلات، بينما يتم تأجيل كل ما يمكن تأجيله إلى أجلٍ غير معلوم.
البطالة… أزمة بلا حلول
ورغم الوعود بإطلاق مرحلة اقتصادية جديدة، لا تزال البطالة تضرب آلاف الشباب، خاصةً خريجي الجامعات، فالقطاع الصناعي لم يستعد عافيته، والاستثمارات الجديدة ما تزال محدودة، فيما أُغلقت منشآت عديدة أبوابها أو تعمل بطاقات إنتاجية منخفضة بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التمويل.
ويؤكد اقتصاديون أن استمرار الاعتماد على الاستيراد، مقابل ضعف الإنتاج المحلي، يساهم في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، ويحد من قدرة السوق على خلق فرص عمل جديدة.
الفقر يتوسع… والطبقة الوسطى تتآكل
الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل العمود الفقري للمجتمع الدمشقي، تتراجع بصورة متسارعة، فالمعلم والموظف والطبيب والمهندس باتوا يواجهون صعوبةً في تأمين متطلبات الحياة اليومية، بينما اتسعت رقعة الفقر لتشمل شرائح كانت حتى سنوات قليلة مضت تعيش باستقرارٍ نسبي.
وأصبحت التحويلات المالية من السوريين المقيمين في الخارج مصدراً رئيسياً لإعالة آلاف الأسر، في مؤشرٍ واضح على عجز الاقتصاد المحلي عن توفير مصادر دخل تكفل حياة كريمة.
تغيير سياسي دون تغيير اقتصادي
رغم أن سقوط النظام السابق فتح الباب أمام آمال واسعة بإعادة بناء الاقتصاد، فإن النتائج على الأرض ما تزال محدودة، فغياب رؤية اقتصادية شاملة، واستمرار العقوبات، وضعف الإنتاج، وتراجع الاستثمار، كلها عوامل أبقت المواطن السوري أسيراً لأزمة معيشية خانقة.
ويرى مراقبون أن أي استقرار سياسي لن يترسخ ما لم ينعكس على حياة الأهالي اليومية، من خلال رفع الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، ودعم القطاعات الإنتاجية، وضبط الأسواق، وإطلاق مشاريع تنموية حقيقية تخلق فرص عمل وتحرك عجلة الاقتصاد.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، يبقى السؤال الذي يطرحه معظم سكان دمشق.. ما قيمة التغيير السياسي إذا كان المواطن ما يزال عاجزاً عن شراء حاجاته الأساسية، أو دفع إيجار منزله، أو تأمين مستقبل أطفاله؟ فالمعركة الحقيقية بالنسبة للسوريين اليوم لم تعد معركة تغيير السلطة، بل معركة استعادة لقمة العيش والكرامة، وذلك من خلال تغيير جذري عميق لبنية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.