برزت أسماء شعرية كثيرة في العصر العباسي، وتركت إرثاً شعرياً غنياً أصبح منارة ومرجعاً تاريخياً لجميع الشعراء والمهتمين بالأدب في العصور اللاحقة، ولعل أبا الطيب المتنبي وأبا فراس الحمداني كانا من الشعراء الذين ذاع صيتهما في تلك الحقبة، وإن بدا أنهما جاءا من خلفيات اجتماعية مختلفة تماماً، إلا أن احتدام التنافس وكثافة الأحداث آنذاك فرضت نمطاً خاصاً في شعر كل واحد منهما على حدة، فكانت هناك أوجه للتشابه وأوجه للاختلاف بما لا يفسد للود قضية، فبنهاية المطاف ترك كل منهما مخزوناً كبيراً، وإن سبقت المنية لأبي فراس بعمر مبكر حرم جمهور الشعر ربما الكثير من الإبداع.
النشأة
يعود أصل “أبو الطيب المتنبي” إلى قبيلة جُعفي المذحجية القحطانية، وولد في محلة كندة بالكوفة في العراق لأب كان يعمل سقاءً، وهو أحمد بن الحسين المتنبي ولد سنة 303 – 915م، أما أبو فراس الحمداني فهو أمير تنتهي جذوره إلى قبيلة تغلب العدنانية، وولد في الموصل لأب عربي من الأمراء الحمدانيين وأم رومية، وهو الحارث بن سعيد من بني حمدان، ولد في الموصل سنة 320 هـ – 932 م، وهو ابن عم الأمير سيف الدولة الحمداني الذي تكفله وتربى في كنفه بعد وفاة أبيه صغيراً.
القيمة الأدبية
كان المتنبي معجزةَ عصرهِ وشاعر سيف الدولة الذي خلَّد اسمه في شِعره حيث مدح الأمير بالعديدِ من القصائدِ التي ذاعت شهرتها بين العرب والتي رفعت من شأنه ومكانته بينهم، وكان المتنبي في شِعره يعبِّر عمّا يجول في خواطر الناس، أما أبو فراس فكان شاعراً فذّاً اشتهر ببلاغته، وملأ الأنين شعره الذي غلب عليه طابع الحزن والمعاناة، وقد حظي الشاعران الحمداني والمتنبي بمكانةٍ مرموقةٍ في بلاط سيف الدولة.
طبيعة العلاقة بين المتنبي وأبي فراس
كان المتنبي يعيش مكرَّماً مميزاً عن غيرهِ من الشعراءِ في بلاطِ سيف الدولة الحمداني، فحين وفدَ على الأمير طلب منه ألّا يُنشد شعره واقفاً كغيره من الشعراء، بل جالساً فوافقَ سيف الدولة وسمح له بذلك، وقرَّبه إليه، ونشأت بينهما علاقة ودٍّ ومحبّة، وأغدقَ عليه الأمير بالعطايا والهِبات مكافأةً له على قصائدهِ في مدحه، وصار يصطحبه معه في حروبهِ وغزواتهِ ويشهد معه المعارك فيصفها، ومما هو معروفٌ عن المتنبي أنّه لا يمدح أحداً قط غيرَ الأميرِ، فبغضهُ الشعراء والأدباء الذين في القصر لاسيما الشاعر أبو فراس الحمدانيّ ابن عمِّ سيف الدولة، فبرغم شهرة كلٍّ منهما ومكانته المرموقة، إلا أنَّ العلاقة كانت بينهما متوترةً يشوبُها الجفاء وكان من أشدِ خصومه ومنافسيه، وعليه نشبت الغيرة بين الشاعرين، وأصبح لكلٍّ منهما مناصرون، وانقسم من بالقصرِ إلى فريقين، فكان ابن خالوّيه من أنصار أبي فراس، وابن جني من أنصار المتنبي، وكان كلُّ من الشاعرين يحاول التقليل من قدر الآخر، فكان أبو فراس يرى “أن المتنبي رجلٌ من السوقة رفعه شِعره”، بينما كان المتنبي يرى “أنَّ أبا فراس أميرٌ رفعته الإمارة من شِعره درجات”. كان أبو فراس دائمَ اللّوم لابنِ عمهِ على تقديمهِ للمتنبي، وكان يحرّضه عليه ويقول له أنه يُعطيهِ أكثر مما يستحق، واصفاً إياه بالمتشدِّق، وقد استطاع التأثيرَ على سيفِ الدولةِ في ذلك، مما أحدثَ فجوةً في علاقةِ سيف الدولة بالمتنبي، فصار يُغاضبه مرةً ويرضى عنه مرةً، فعَظُم الأمر في نفس الشاعر، ونظم ميميّته الشهيرة التي عاتب بها الأمير، وحين كان يُلقيها بين يديّ سيفِ الدولة كان أبو فراس يُقلل من شأنِ القصيدة ويصفّها بأنها مسروقةً، إلا أن المتنبي لم يكن يأبه بانتقادهِ، واستمر بقراءةِ القصيدةِ والمفاخرةِ بنفسه على جميع من حضر مجلسَ الأميرِ، حتى ضَجِر سيفُ الدولةِ منه، مما دفع أبا الطيب لارتجالِ بيت الشعر الذي كان سبباً في رضى الأمير فقال:
“إن كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدنا
فما لجُرحٍ إذا أرضاكمُ أَلَمُ”.
أوجه التشابه والاختلاف
كان هناك اختلافٌ كبيرٌ بين الحمدانيّ والمتنبي من حيث النشأةِ والنسبِ، فنسب أبي فراس يعودُ إلى قبيلةِ تغلب التي كانت من أقوى وأشهر قبائلِ العربِ والتي توارث أفرادُها السيادةَ، وقد كان أبوه والياً للموصل، وفارساً خاض كثيراً من المعاركِ ضدَّ الروم، أما المتنبي فكان على عكسه، فقد نشأ في أسرةٍ فقيرةٍ تعود أصولها إلى آل كهلان القحطانيين، وهي قبيلةٌ عربيةٌ من قبائل اليمن، هاجروا إلى الكوفة واستقروا فيها، وكان أبوه يعمل سقّاءً، وجمع بين الشاعرين أنه قورن بينهما وبين الشاعر امرؤ القيس الذي عُدّ في الطبقة الأولى من فحولِ الشعر، وهو من أصحاب المعلقات، فقيل: “بُدئ الشعر بملك وخُتم بملك” أي امرؤ القيس وأبو فراس، كما قيل: “بُدئ الشعر بِكندة وخُتم بِكندة” أي امرؤ القيس والمتنبي.
عاش كِلا الشاعرينِ في ظروفٍ متشابهةٍ حيث نشأ كلاهما يتيماً، فكان أبو فراس الحمدانيّ يتيم الأب، وعاش مع أمهِ حين مات أبوهُ وهو في الثالثةِ من عمره، وسَعت أمه جاهدةً لتعليمهَ وتثقيفه، أما المتنبي فقد عاشَ يتيم الأمِ ربته جدّته الصالحة، وحرِصَ أبوه على تثقيفه وتعليمه، فتنقل به بين البوادي والمدن، واكتسب من الباديةِ الخشونةَ والصلابة، وتعلم من المدينة العلوم والأدب، تشابهت أمورٌ أخرى في حياةِ أبي فراس وأبي الطيب، فكلاهما ذاقَ مرارةَ السجنِ، مع اختلافِ الأسبابِ التي أدت إلى ذلك، حيث سِيق أبو فراس أسيراً إلى سجون الروم وقضى فيها أربعَ سنوات، أما أبو الطيب فقد سُجن مرتين، كانت الأولى بسبب قيامه بثورةٍ طمعاً في السلطة، فسجنه الوالي لبضعةِ أيامٍ ثم أطلق سراحه بعد أن استعطفه، ثم سُجن مرةً أخرى لمدة أربع سنواتٍ في مصر، إذ سجنه كافور الإخشيدي بعد أن وعده بولايةٍ وأخلفَ وعدهُ، فسجنهُ لكي لا يخرج من مصر خوفاً من هجائهِ اللاذع.
تعدُّ علاقة الشاعرين بسيف الدولة الحمدانيّ أكثر ما جمعَ بينهما، إذ كان لكليهما منزلةً رفيعةً في مجلسه ثم انقلب عليهما، كما وجمع بينهما حبهما للسلطةِ مع اختلاف الدوافع عند كلٍّ منهما، فكان أبو فراس يتوقُ إلى السلطة لاستردادِ عرشِ أبيه، أما المتنبي فقد طَمِع في السلطة لكي يُعوض مُعاناته مع الفقر، إلا أن كليهما لم يتمكن من تحقيق مراده، وقُتلا غدراً على أيدي الحاقدين والحاسدين وهما في ريّعان الشباب.
جمعت أمورٌ عديدة بين شعر أبي فراس والمتنبي أهمها عواملِ الانفعالِ، وجزالةِ الألفاظ، ورصانةِ المعنى، غير أنه يوجد بعض الاختلاف في الأغراضِ الشعريةِ عندهما، إذ إنّه لم يُعرف عن المتنبي أنّه شاعرَ غزلٍ، إنما صاغ غزلهُ كمقدماتٍ لقصائدِ المديح، وقد اتّسم هذا الغزل بالتكلّفِ وضعفِ العاطفةِ، بينما نظم أبو فراس الغزل وتجلّى الغزل في شعرهِ في قصيدته الشهيرة “أراك عصيّ الدمعِ” والتي تفيض عاطفة وعذوبة وصدقاً، أما الفخر فقد أبدع فيه الشاعران، غيرَ أن فخرَ أبي فراس جاء متأثراً بمكانته الاجتماعية، حيث افتخر بالأجدادِ والآباءِ والأعمامِ والأنسباءِ، أما فخرَ أبي الطيب فهو فخرٌ بالنفسِ واعتدادٌ بها.
تميز كلا الشاعرين بشيءٍ عن الآخر وتفرَّد به، حيث تميز أبو فراس بالرومياتِ التي اتسمت بالجودةِ والبساطةِ وصدقِ العاطفةِ، والإخوانيات التي خاطب بها أهله وأقاربه والتي اتّسمت بصدقِ المشاعرِ، أما المتنبي فقد كان تميُزه بالوصف وأبدع في وصف الخيل والحروب، وكان حين يصف المعركة يخال السامع نفسه في ساحة المعركة، كما وتميز المتنبي عن أبي فراس بل وعن سائر الشعراء بالشعر الفلسفي، وتميز المتنبي بالسيفيات التي حازت على جزءٍ كبيرٍ من ديوانه، وهي قصائدهُ في مدحِ سيفِ الدولةِ، والتي اتّسمت بالجودة، ونالت إعجاب القرّاءِ على مر العصور.
رغم أوجه التشابه والاختلاف بين الشاعرين، ورغم التوتر والتنافس بينهما إلا أن أحداً منهما لم يستطع أن يأخذ مكانة الآخر في عصره، ويحجبه عن جمهوره حتى يومنا هذا، ويأخذنا ذلك إلى غزارة القرائح في ذلك العصر، وكثرة أصحابها من أهل الأدب والعلم والإبداع، وضرورة الوقوف عند سيرة الشعراء بقدر الوقوف عند قصائدهم، والأخذ بأن نتاجهم الأدبي إنما هو صورة حية لحياتهم وتجاربهم، وفهم هذا النتاج يتوقف على فهم سيرهم وأخبارهم وعصورهم.