يصادف الثالث من آب ذكرى مأساة شنكال والإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون على يد مرتزقة داعش عام 2014، والتي خلفت آلاف الشهداء والمفقودين، وأدت إلى موجات نزوح واسعة وعمليات تهجير جماعي. فقد استهدف داعش الإيزيديين الأبرياء، رافضاً حق المختلف في الوجود، وارتكب بحقهم جرائم مروعة ستبقى وصمة عار في جبين الإنسانية خلال القرن الحادي والعشرين.
في قضاء شنكال، وعلى مرأى من قوى كانت تدّعي حمايته، بدأت فصول المأساة. قتل وعنف وسبي للنساء وخطف للأطفال وإعدامات بحق المسنين، وإهانات طالت الشيوخ والرموز الدينية والمقدسات. سالت دماء الأبرياء، وخيم الصمت على المكان، فيما بث الرعب والخوف أجواء المنطقة. وفي تلك اللحظات العصيبة، فتحت جبال شنكال الشامخة أحضانها لأبنائها الذين فرّوا تحت حرارة الصيف القاسية واحتموا بها، فكانت الملاذ الحقيقي والسند الذي أنقذ آلاف الأرواح التي كانت تبث عن الأمن والأمان.
لم تكن شنكال بالنسبة للإيزيديين مجرد مسقط رأس، بل كانت الجذر العميق الذي غذّى فيهم قيم الحرية والكرامة والإنسانية والصمود. غير أن مجازر داعش ومحاولته فرض واقع جديد بالقوة خلقت جراحاً عميقة وآثاراً ما زالت حاضرة حتى اليوم. لقد كان الهدف اقتلاع جذور هذا المكون الأصيل من أرضه وتاريخه، في تناقض مع طبيعة المنطقة القائمة على التعدد والتعايش واحترام الآخر. إلا أن الإيزيديين، وبمساندة إخوتهم الكرد، تمكنوا من الحفاظ على وجودهم وهويتهم رغم كل ما تعرضوا له من استهداف وإبادة.
وليس من المبالغة القول إن عراقة هذا الشعب وتمسكه بأرضه وثقافته وتراثه كانت عوامل أساسية في إفشال المخططات التي حيكت ضده، ونفذها مرتزقة داعش في محاولة لتدمير وجوده. واليوم نتحدث عن شعب استطاع النهوض من بين الركام، واستعادة إرادته رغم حجم الدمار والآلام التي خلفتها قوى الظلام والتطرف.
ويحاول الإيزيديون اليوم تجاوز آثار تلك المأساة الكبيرة من خلال تنظيم صفوفهم وتعزيز نضالهم في مواجهة السياسات والممارسات التي تستهدف وجودهم وحقوقهم. كما يواصلون جهودهم من أجل الاعتراف الدولي بالإبادة الجماعية التي تعرضوا لها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم تكرارها مستقبلاً. وقد أدرك الشعب الإيزيدي أن حماية وجوده وترسيخ حقوقه تتطلبان عملاً سياسياً وتنظيمياً متواصلاً، إلى جانب التمسك بهويته وثقافته وحقه المشروع في الحياة الكريمة على أرضه.
بعد 12 عاما من الإبادة الجماعية التي ارتكبها مرتزقة داعش بحق الإيزيدين، يؤكد ضحايا هذه الإبادة إن التقدم نحو تحقيق العدالة ما زال بطيئا جدا. على الرغم من الجهود الكثيرين الذين حاولوا استخدام أصواتهم للنضال من أجل تحقيق العدالة للمجتمع الإيزيدي، إلا أنه ما زال لدى كثر من بينهم أفراد من عائلاتهم في الأسر، كما لم يتم التعرف على هوية أقاربهم الذين استشهدوا أو استعيدت جثثهم. لذا؛ لا بد من المزيد من الدعم من جميع الأطراف لمحاسبة المسؤولين عن الفظائع التي عاشها هؤلاء الأبرياء.