رغم مرور اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية، فإن المجتمع الإيزيدي لا يزال يواجه تحديات معقدة تتجاوز آثار الحرب والدمار، لتطال مستقبله السياسي والاجتماعي والديموغرافي، فالكثير من المخاطر الراهنة لا تأتي عبر هجوم عسكري مباشر، وإنما عبر أزمات متراكمة قد تؤدي، إذا استمرت، إلى إضعاف قدرة المجتمع على البقاء والاستقرار، ولذلك يطرح كثير من أبناء شنكال تساؤلاً مشروعاً: “هل يواجه المجتمع الإيزيدي اليوم فرماناً جديداً، ولكن بأدوات مختلفة؟ قد لا تكون هناك حملات إبادة عسكرية كالتي ارتكبها داعش، إلا أن استمرار التهجير والنزوح، وتعثر إعادة الإعمار، والهجرة الواسعة، والتجاذبات السياسية، وغياب الاستقرار، كلها عوامل قد تقود تدريجياً إلى إفراغ شنكال من سكانها، وإضعاف حضور المجتمع الإيزيدي في موطنه التاريخي.
مستقبل منظومة الحماية المحلية
ويشكل الملف الأمني أحد أكثر الملفات حساسية في شنكال، إذ ترتبط قضية الأمن في الوعي الإيزيدي مباشرة بتجربة الثالث من آب 2014، عندما أدى الانهيار الأمني إلى وقوع الإبادة الجماعية، ومن هنا، تثير الدعوات المتعلقة بإعادة تنظيم الواقع الأمني، وحل التشكيلات الذاتية الدفاعية أو دمجها ضمن مؤسسات أمنية أخرى، نقاشاً واسعاً داخل المجتمع الإيزيدي. ويرى كثير من أبناء شنكال أن أي ترتيبات أمنية ينبغي أن تستند إلى الحوار والتوافق مع السكان، وأن تراعي خصوصية المنطقة وتجربة الإبادة التي ما تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، بما يحقق الأمن والاستقرار ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.
شنكال بين صراع الإرادات الإقليمية
لم تعد شنكال مجرد قضاء متنازع عليه بموجب المادة 140 من الدستور العراقي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وبين حكومة إقليم كردستان في هولير، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة، وهو ما جعلها إحدى أكثر المناطق تعقيداً من الناحية السياسية والأمنية، وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على حياة السكان، إذ أدى استمرار الخلافات السياسية إلى تعطيل العديد من مشاريع إعادة الإعمار، وتأخير عودة النازحين، وإبقاء المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، بينما يبقى المواطن الإيزيدي هو الطرف الأكثر تضرراً من استمرار هذه التجاذبات، فمستقبل شنكال ينبغي أن يُبنى على أساس مصلحة سكانها أولاً، بعيداً عن الصراعات والمحاور الإقليمية، وبما يحفظ سيادة العراق الفيدرالي، ويضمن حقوق جميع شعوب المنطقة.
النزوح والهجرة… الخطر الصامت
ربما لا يقل النزوح والهجرة خطورة عن الحرب نفسها، إذ غادر آلاف الشباب الإيزيديين العراق خلال السنوات الماضية، بينما لا يزال عشرات الآلاف يعيشون في مخيمات التهجير، ينتظرون ظروفاً تسمح لهم بالعودة إلى ديارهم. إن استمرار هذا الواقع يهدد بإحداث تغيرات ديموغرافية واجتماعية عميقة، ويؤثر في استمرارية المجتمع الإيزيدي داخل موطنه التاريخي، خصوصاً مع تراجع فرص العمل، وضعف الخدمات الأساسية، وغياب المشاريع التنموية التي تمنح الشباب أملاً بمستقبل أفضل، فالمجتمعات لا تُحافظ على وجودها بالذاكرة وحدها، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير الحياة الكريمة لأبنائها داخل أرضهم.
إعادة الإعمار… الطريق إلى الاستقرار
ورغم مرور سنوات على تحرير شنكال من مرتزقة داعش، ما تزال مساحات واسعة من القضاء تعاني آثار الدمار، فيما لا تزال عشرات القرى بحاجة إلى إعادة إعمار شاملة، وتأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والطرق، إن إعادة الإعمار ليست مجرد مشروع خدمي، بل تمثل المدخل الحقيقي لعودة المهجرين والنازحين، وإحياء الاقتصاد المحلي، واستعادة الحياة الطبيعية، فكل تأخير في هذه العملية يعني استمرار معاناة السكان، ويدفع مزيداً من العائلات إلى التفكير بالهجرة بدلاً من العودة، ولهذا، فإن شنكال تحتاج إلى خطة وطنية ودولية متكاملة لإعادة الإعمار، توازي في أهميتها الجهود التي بُذلت لتحريرها من “داعش” الارهابي.
المختطفون والمفقودون… الجرح المفتوح
ويبقى ملف المختطفين والمفقودين من أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة الإيزيدية، فعلى الرغم من مرور سنوات على الإبادة، ما تزال عائلات كثيرة تنتظر خبراً عن أبنائها أو بناتها الذين اختطفهم داعش، فيما تستمر عمليات البحث عن المفقودين واستخراج المقابر الجماعية والتعرف على رفات الشهداء، ولا تقتصر أهمية هذا الملف على الجانب الإنساني، بل ترتبط أيضاً بتحقيق العدالة وإنصاف الشهداء، إذ لا يمكن أن يكتمل التعافي المجتمعي ما دام آلاف الأشخاص مجهولي المصير، وما دامت عائلاتهم تعيش بين الأمل والانتظار.
العدالة… الضمانة الحقيقية لعدم تكرار الإبادة
لقد حظيت قضية الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين باعتراف دولي واسع، إلا أن هذا الاعتراف ينبغي أن يترجم إلى خطوات عملية تشمل محاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم، والكشف عن مصير المختطفين، وتعويض الشهداء وإعادة إعمار شنكال، وضمان الحقوق القانونية والاجتماعية للناجين والناجيات، فالعدالة لا تعني الاقتصاص من المجرمين فحسب، وإنما تعني أيضاً إزالة الأسباب التي مهدت لوقوع الإبادة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ ثقافة احترام التعددية الدينية والقومية، وبناء منظومة أمنية وسياسية تحول دون تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً. المجتمع الذي لا ينصف شهداءه يبقى معرضاً لتكرار المأساة، مهما تغيرت الظروف والأسماء.
في الذكرى الثانية عشرة… ما المطلوب؟
إن استذكار الثالث من آب لا ينبغي أن يقتصر على إقامة المراسم وإحياء ذكرى الشهداء بل يجب أن يكون مناسبة وطنية وإنسانية لتقييم ما تحقق منذ الإبادة، وما يزال يتطلب عملاً جاداً، فتكريم الشهداء؛ لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما باتخاذ خطوات عملية تحول دون تكرار المأساة، وتوفر مقومات الحياة الكريمة للناجين وأبناء شنكال.
وتتمثل أبرز الأولويات في المرحلة المقبلة في:
ـ ضمان أمن شنكال ضمن رؤية وطنية تراعي خصوصية المنطقة، وتحقق الطمأنينة لسكانها، مع إشراك أبناء شنكال في رسم مستقبلهم الأمني والإداري.
ـ الإسراع في إعادة إعمار المدن والقرى المدمرة، وتأهيل البنية التحتية، بما يسمح بعودة الحياة الطبيعية.
ـ توفير الظروف المناسبة لعودة جميع النازحين بصورة طوعية وآمنة وكريمة، وتأمين فرص العمل والخدمات الأساسية.
ـ مواصلة الجهود للكشف عن مصير المختطفين والمفقودين، واستكمال عمليات استخراج المقابر الجماعية والتعرف على هوية الشهداء.
ـ حماية الهوية الدينية والثقافية للمجتمع الإيزيدي، وصون تراثه باعتباره جزءاً أصيلاً من التنوع الحضاري في العراق الفيدرالي وبلاد ما بين النهرين.
ـ تحييد شنكال عن الصراعات السياسية والإقليمية، وجعل مصلحة سكانه وأمنهم واستقرارهم الأساس في أي تسوية مستقبلية.
إن هذه الخطوات لا تمثل مطالب تخص الإيزيديين وحدهم، بل تشكل جزءاً من مسؤولية دولة العراق وحكومة إقليم كردستان والمجتمع الدولي في معالجة آثار واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث.
ماذا بعد مرور 12 عاماً؟
وبعد اثني عشر عاماً على الإبادة الجماعية، يقف المجتمع الإيزيدي عند مفترق طرق بين ذاكرة مثقلة بالجراح، وحاضر لا يزال يواجه تحديات أمنية وسياسية وإنسانية معقدة، ورغم حجم الكارثة، أثبت أبناء شنكال قدرة استثنائية على الصمود، وإعادة تنظيم مجتمعهم، والحفاظ على هويتهم، واستعادة جزء من حياتهم في مواجهة ظروف كانت كفيلة بإنهاء وجود كثير من المجتمعات، غير أن التجربة المريرة التي عاشها الإيزيديون علمتهم أن الأمن لا يُقاس بغياب الحرب فقط، بل بوجود ضمانات حقيقية تمنع تكرارها، وعدالة تُنصف الشهداء والجرحى والمفقودين، وتنمية تعيد الحياة إلى المدن والقرى، ومشاركة فعلية لأبناء شنكال في رسم مستقبل منطقتهم. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يواجه المجتمع الإيزيدي فرماناً جديداً بأدوات مختلفة؟
قد لا يكون التهديد اليوم على صورة هجوم عسكري مباشر كالذي وقع في الثالث من آب 2014، إلا أن استمرار النزوح، واتساع الهجرة، وتعثر إعادة الإعمار، وغياب الاستقرار، واستمرار التجاذبات السياسية، كلها عوامل قد تؤدي، إذا لم تُعالج، إلى استنزاف المجتمع الإيزيدي وإضعاف وجوده التاريخي في شنكال، ولذلك فإن مواجهة هذه التحديات لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب نفسه، لأنها تمس مستقبل المجتمع وحقه في البقاء على أرضه.
وختاماً، نستطيع القول بكل تأكيد، شنكال أصبح رمزاً عالمياً لمأساة الإبادة الجماعية، لكنه في الوقت ذاته أصبح رمزاً للصمود والإرادة والقدرة على النهوض من بين الركام، وحماية هذا الرمز لا تعني حماية منطقة جغرافية فحسب، بل تعني الدفاع عن قيم العدالة، والتعددية، وحرية المعتقد، وحق الشعوب في الحياة الكريمة والأمن.
فمستقبل شنكال ينبغي أن يُبنى بإرادة أبنائها، وفي إطار الدولة العراقية الاتحادية، وبما يضمن احترام خصوصيتها وحقوق شعوبها، بعيداً عن الصراعات والتجاذبات التي دفعت المنطقة أثماناً باهظة بسببها، فالمسؤولية اليوم ليست فقط منع تكرار الإبادة، بل أيضاً إزالة كل الظروف التي قد تفتح الباب أمام تكرارها، مهما اختلفت الوسائل أو تبدلت الأدوات، التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها دائماً، لكنه قد يعيد إنتاج مآسيه عندما تُترك أسبابها دون معالجة، ومن هنا، فإن حماية شنكال والمجتمع الإيزيدي ليست قضية تخص أبناءها وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية وإنسانية وأخلاقية، حتى يبقى الثالث من آب ذكرى تؤلم الضمير، لا مأساة تتكرر في المستقبل.