No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
في الجزء الأول من هذا المقال؛ أوضحنا أن التحول في المقاربة الأميركية تجاه دمشق يعكس انتقال واشنطن من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة توظيف السلطة المحلية لخدمة أولوياتها الإقليمية، فالرهان الأمريكي على سلطة دمشق لا يقتصر على إخراج إيران من سوريا أو ضبط العلاقة الأمنية مع إسرائيل، بل يمتد إلى تصور أوسع لموقع سوريا الجديدة داخل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، فواشنطن تبدو معنية ببناء نموذج يسمح لها بالحفاظ على مصالحها وتقليص التهديدات التي تواجهها، ولكن بأقل قدر ممكن من التدخل العسكري المباشر والكلفة السياسية والمالية، بهذا المعنى، لا يتعلق التحول الأمريكي تجاه أحمد الشرع بالثقة الشخصية بقدر ما يتعلق باكتشاف وظيفة استراتيجية يمكن أن تؤديها السلطة الجديدة في خدمة مصالح واشنطن.
في هذا السياق، يمثل ملف مكافحة الإرهاب نموذجاً واضحاً لهذه المقاربة، فإدارة دونالد ترامب لا تريد العودة إلى تجربة الحروب الأميركية الطويلة التي استنزفت الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ولا إلى نشر عشرات الآلاف من الجنود لإدارة أزمات داخلية في دولٍ أخرى. الأكثر ملاءمة لرؤية ترامب هو أن تتحمل الحكومات المحلية العبء الأمني الأساسي، بينما تحتفظ واشنطن بالتفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والقدرة على تنفيذ عمليات محدودة عند الضرورة، حيث تعوّل واشنطن على أن يتوفر لحكومة الشرع القدرة على أداء جانب من هذه الوظيفة.
فمنذ هجمات 11 أيلول 2001 على مبنى التجارة العالمي؛ احتلت مكافحة الإرهاب موقعًا ثابتًا في صدارة أولويات الأمن القومي الأميركي، وفي سوريا تحديدًا، فرض “داعش” على واشنطن الانخراط العسكري المباشر، وإنشاء قواعد وقوات وشبكات واسعة من الشركاء المحليين، بهدف منع داعش من إعادة إنتاج نفسه. غير إن المقاربة الأميركية الجديدة تبدو مختلفة؛ فهي تسعى إلى نقل عبء هذه المهمة تدريجيًا إلى السلطة في دمشق لكي تكون مسؤولة عن إنتاج البيئة الأمنية التي تحول دون عودة التنظيمات المتطرفة، بينما تتراجع الحاجة إلى الانخراط العسكري الأميركي المباشر.
من هذا المنظور، لا تنظر واشنطن إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها مجرد تعاون أمني مع السلطة الجديدة، وإنما باعتبارها الوظيفة الأولى التي تمنح هذه السلطة قيمتها الاستراتيجية، فكلما أثبتت دمشق قدرتها على منع عودة التنظيمات المتشددة، وملاحقة خلاياها، وضبط الحدود، واحتكار استخدام القوة، ازدادت قناعة الولايات المتحدة بأنها تستطيع تحقيق أحد أهم أهدافها في سوريا بأدواتٍ سوريّة، لا بقواتٍ أميركية.
هذا الأمر لا يقتصر على “داعش”، فواشنطن تنظر إلى مفهوم الإرهاب في سياقٍ أوسع يشمل منع تحول الأراضي السورية مجددًا إلى منصة للمجموعات المرتزقة العابرة للحدود أو إلى مساحة رخوة تستغلها المجموعات المسلحة لإعادة تنظيم صفوفها أو حتى ما ينطوي منها على أي تهديد لأمن إسرائيل، الأمر الذي تظن واشنطن من خلال إمكانية نجاح دمشق في احتكار السلاح من خلال جيش يفترض أنه وطني وأجهزة أمنية تراها واشنطن شرطًا لضمان الاستقرار الذي يخدم الأجندة الإقليمية لواشنطن بالمنطقة.
بالمنطق نفسه، تتقاطع المصالح الأميركية مع هدف تقليص النفوذ الإيراني، فإذا نجحت دمشق في منع عودة البنية العسكرية الإيرانية، وقطعت خطوط الإمداد التي كانت تصل إلى حزب الله، فإنها تحقق في الوقت نفسه هدفًا أميركيًا وإسرائيليًا، كما تحقق هدفًا داخليًا يتمثل في استعادة القرار الأمني للسلطة، وهنا يكمن جوهر المقاربة الأميركية التي ترتكز على الدور الوظيفي لسلطة دمشق المصالح المحلية للسلطة لتحقيق لدعم مصالحها الإقليمية. لكن؛ هذه الوظائف جميعها لا يمكن أن تؤديها سلطة تعاني دولةً منهكةً، فنجاح أي نموذج أمني أو سياسي يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الإقليم. لذلك، فإن إعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح المؤسسات، وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية، واستعادة الخدمات، ومعالجة الانقسامات الاجتماعية، ليست ملفات منفصلة عن الأمن، بل هي القاعدة التي يقوم عليها الأمن نفسه. فالدولة التي تعجز عن توفير الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والخدمات العامة تظل بيئة خصبة لعودة التطرف، مهما حققت من نجاحات أمنية مؤقتة.
من هنا، فإن نجاح المقاربة الأميركية لا يتوقف فقط على استعداد دمشق لأداء الوظائف التي تريدها واشنطن، بل على قدرتها على إعادة بناء سوريا الجديدة. فلا يمكن لسلطة تعاني ضعف الاقتصاد، وتآكل المؤسسات، وهشاشة الشرعية الداخلية، أن تتحمل أعباء الأمن الإقليمي بصورةٍ مستدامة، وإذا لم يتحقق التعافي الداخلي، فإن الوظائف التي تؤديها السلطة ستتحول مع الوقت إلى عبءٍ يفوق قدرتها على الاحتمال.
لهذا تبدو العلاقة بين واشنطن ودمشق أقرب إلى مقايضة استراتيجية منها إلى تحالفٍ سياسي، فالولايات المتحدة تعرض تخفيف العقوبات والانفتاح السياسي وتشجيع الاستثمار وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، مقابل أن تنتج دمشق بيئة أمنية مستقرة تحقق جملة من المصالح الأميركية من مكافحة الإرهاب إلى احتواء إيران وتأمين الحدود واستقرار الممرات الحيوية في المشرق.
غير أن نجاح هذه المقايضة يتوقف على حجم المكاسب التي تستطيع سوريا تحويلها إلى مشروع وطني. فإذا أفضى الانفتاح الخارجي إلى إعادة بناء الاقتصاد وتعزيز المؤسسات فإن الدور الإقليمي الذي تؤديه دمشق سيكون امتدادًا لقوة سوريا، أما إذا اقتصر الأمر على تنفيذ الوظائف الأمنية المطلوبة مع بقاء الداخل السوري مثقلًا بالأزمات؛ فإن سوريا ستكون قد تحولت إلى دولة وظيفية تُقاس أهميتها بما تقدمه للآخرين أكثر مما تحققه لشعبها.
في المحصلة، تكشف المقاربة الأميركية الجديدة عن تحول في وسائل إدارة النفوذ لا في أهدافه. فواشنطن لا تزال تسعى إلى مكافحة الإرهاب وتقليص النفوذ الإيراني وحماية أمن إسرائيل وتأمين الاستقرار الإقليمي لكنها أصبحت ترى أن الطريق الأقل كلفة لتحقيق هذه الأهداف يمر عبر سلطة سوريّة قادرة على الاضطلاع بهذه المهام بنفسها. غير أن نجاح هذا النموذج لن يتحدد بما تنجزه دمشق في الملفات الأمنية وحدها، بل بما تحققه في الداخل أيضًا، فبناء سوريا ليس نتيجة للدور الوظيفي، بل هو شرط سابق عليه ومن دون اقتصاد متماسك ومؤسسات قوية وسيادة مكتملة سيبقى أي دور إقليمي تؤديه سوريا معرضًا لأن يخدم مصالح الآخرين أكثر مما يخدم مشروعها الوطني.
No Result
View All Result