سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“حينما تصبح الأم وطناً”.. امرأة جزائرية تروي قصتها

جل آغا/ غزال العمر – منذ ٢٣ عاماً لم تزر موطنها “الجزائر” إلا مرةً واحدة؛ امرأة جزائرية عصامية اعتمدت على نفسها رغم الخذلان التي تعرضت له حيث شاءت الأيام أن تقطن في بلدٍ آخر بعيدةً عن الأهل والخلان.
زواج عبر مكاتيب بريدية
“عائشة بن تركيا” امرأة جزائرية أربعينية تقطن بلدة تل كوجر مع أولادها الثلاثة؛ لتجسد معنى الكفاح وماذا يعني أن تكون الأم عصامية تشق درب حياتها بعيداً عن زوجٍ ضاقت سبل التفاهم والعيش معه؛ فكان الطلاق نهاية لطريقٍ “ربما كان مبنياً على الخطأ منذ البداية” حسب تعبيرها.
تقول عائشة لصحيفتنا روناهي: “عشت في العاصمة الجزائر وهي مدينةٌ كبيرة لا تقارن أبداً ببلدةٍ صغيرة مثل تل كوجر”.
لا تنتقص عائشة من قيمة البلدة ولكنها تأسف على حياتها التي كان الخداع أساسها، فتشير إلى كيفية تعرفها على زوجها السابق وقصة زواجهما قائلةً: “كان أخي يعمل في دمشق كتاجرٍ وتعرف على شابٍ سوري قصده ليسأله عن مكانٍ معينٍ قد تاه عنه في شوارع المدينة ليبدأ مشوار تعارفهما الذي استمر إلى ما بعد عودة أخي للجزائر لمدة ستة أعوام عن طريق المراسلة البريدية “المكاتيب””.
كانت عائشة قد فجعت بموت خطيبها إثر حادث، ما حفز أهلها على الموافقة دون تردد بالموافقة على زواجها من الشاب السوري الذي كان قد رأى صورتها مع عائلتها عندما بعث أخوها لصديقه صورة قد جمعت العائلة الجزائرية لتلفت نظره الفتاة الشابة.
ما أن حطت الطائرة رحالها في مطار دمشق حتى فرحت عائشة ظناً منها بأن الرحلة الطويلة قد انتهت، لكن المسافة كانت أبعد مما توقعت، فالوصول لبلدة حدودية مع العراق ليس بالأمر السهل، لكن طول المسافة والصدمة ببعد الطريق يهون أمام صدمتها بوجود زوجة وأولاد في حياة زوجها.
لم تتحمل عائشة مرارة العيش في بلدة صغيرة وعائلة وشريكة لها بزوجها وشعرت بالخذلان وبأنها وقعت بمصيدة الخداع والغش، لذا قررت العودة لبلدها، حيث طالت زيارتها لبلدها لتصل لعام كامل بعد عام قضته في تل كوجر إلا أن الزوج لحق بها وطلبها عن طريق السفارة السورية في الجزائر لتعود معه.
عادت الفتاة الجزائرية ولا تعلم أي مصير وحياة سيوجهانها، وتتذكر وضعها آنذاك فتقول: “حاولت وضع سيناريو لحياتي القادمة طوال الرحلة وراودتني عشرات الأفكار لكنني قررت الصمود والتحمل وتعايشت مع أهل البلدة، كما أنني أحببتهم وأحبوني، وتطبعت بطباعهم وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، كل ذلك مع المحافظة على عاداتي وتقاليدي الجزائرية الطعام، اللباس، اللهجة التي أكلم بها أولادي وأهلي بالجزائر إلى هذا اليوم”.
وتؤكد بالقول: “الشعب في سوريا شعب مضياف ويتقبل الآخر وأشعر بأنهم أهلي لأني أعيش معهم وأهلي بعيدون عني”.
عشرة أعوام من الفراق
رزقت عائشة بطفلها الأول حيث وصفت ولادته بأنها شعرت وهو بأحضانها كأنها تحضن وطنها، ونوهت: “أصبح لدي شيء يربطني بالبلد، ورزقت بالولد الثاني والثالث، أفرح لوحدي بقدومهم وأحزن لوحدي عند مرضهم، كل هذا وأهلي لا يعلمون عني شيئاً”.
تحملت عائشة أصعب الظروف وانقطعت عن أهلها مدة عشرة أعوام مكرهة بسبب تحكم زوجها بحياتها ومنعها من زيارتهم، بحسب قولها، وأضافت: “عشرة أعوام حياة كاملة مات من مات وولد من ولد ولم أعرف شيئاً عن أهلي”.
لكنها بهذه الفترة كانت قد وصلت لذروة تعبها ووحدتها لتأخذ القرار الذي تعتبره “قراراً صائباً” فطلبت الطلاق وحصلت عليه.
ومن هنا وبمحض الصدفة تكلم شقيقتها الكبرى من الجزائر صديقاً سورياً عن طريق الفيسبوك لتصل بهما أطراف الحديث المتبادل لسيرة أختها المتزوجة بسوريا منذ عشرة أعوام دون ذكر ولا خبر ولا صلة وصل لتكون المفاجئة الكبرى “كان الرجل من تل كوجر فحملته أختي أمانة التواصل معي”.
وبالفعل استطاعت عائشة وعبر هذا الصديق رؤية أهلها بعد عشرة أعوام من البعد والفراق، فتذكر حيال لقائها بهم: “كان مشهداً لا يحدث حتى في الأفلام فابنتهم أمّ لثلاثة أولاد والأولاد قد كبروا”.
قررت العودة للجزائر.. ولكن؟
أردفت عائشة: “فكرت بالسفر مع أولادي لبلدي الجزائر”، ولكن بعد قرارها بمغادرة سوريا والعودة بصغارها لبلادها تفاجأت في دمشق بأن أولادها ممنوعون من المغادرة وبأن أوراقها وإقامتها مزورة، الأمر الذي أدخلها بمشاكل أمنية وقانونية لولا تدخل السفارة الجزائرية، وزادت: “آنذاك طغت عاطفة الأمومة ورجحت كفتها، فأين الراحة وأولادي ليسوا معي؟”.
وبعد أن قطعت عائشة الأمل من العودة لبلادها برفقة أبنائها قررت مواصلة طريق الكفاح بقوة وإصرار أكبر وتذكرت كلام والدها الذي حدثها يوماً بأن: “الشهادة سلاح” فهموم الحياة جعلتها تنسى بأنها تحمل إجازة في اللغة الفرنسية التي بدأت تعمل من خلالها كمدرسة في المدارس وتفتح دورات خاصة للطلاب بكل مراحلهم لتستطيع بذلك الاعتماد على نفسها والتحرر مادياً، بحسب تعبيرها.
رحلة تهجير ومواجهة
وأشارت عائشة إلى أنه ما إن بدأت الحياة تفتح لها أبوابها وتبتسم لها حتى بدأ مرتزقة داعش بتعكير صفو حياتها وعائلتها وسكان بلدتها وذلك بين عامي 2014 و2015 لتبدأ رحلة النزوح وزادت: “نزحت وأولادي إلى العراق ثم عدنا لبلدة كركي لكي”. عملت عائشة في التدريس لدى مدارس الإدارة الذاتية في الصباح وبعد الظهر بمحل لبيع “البوظة” وتؤكد: “مصاريف وأعباء الحياة ثقيلة على عائلة نازحة”.
لا تتمنى هذه المرأة الجزائرية من الحياة إلا رؤية أولادها شباباً وبأن تعود لبلادها برفقتهم لترى أهلها وأصدقاءها وتقول بلهجتها الجزائرية مخاطبةً أهلها ووطنها وذكرياتها: “اشتقتلهم بالزاف خالد فاطمة علي قبر الوالدة قبر الوالد والأخوة كلكم اشتقنا ليكم بالزاف بالزاف وياربي نشوفكم”.
“الجزائر وطني”
منوهةً بأنها تحدث أولادها عن أهلها ووطنها وذكرياتها كلما هاجت بها رياح الماضي وعصفت بها الذكريات وتقلبت مواجع الحنين بداخلها لتخاطب أولادها وتوصيهم قائلةً: “تراب الجزائر حنين، وصيتي لكم تدفنوني ببلادي لو لم أمت هناك”، مرددة قول الشاعر: كم منزل في الأرض يألفه الفتى – وحنينه أبداً لأول منزل”.
رحلة تنوعت بين الأمل والتحدي الشقاء والبؤس والدمعة والابتسامة تعلمنا بها من امرأة جزائرية تدعى عائشة بن تركيا تغربت عن وطنها 23 عاماً ما معنى أن تكون الأم وطناً لأبنائها وتتحدى ظروفها رغم عدم حصولها على الجنسية السورية فهي لا زالت تقاوم بثقة وإيمان ويقين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.