سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

النباتات البرية.. رزقُ النساء الريفيات في ديرك

ديرك/ هيلين علي –

مع بزوغ الفجر، تستيقظ حزنة من ريف منطقة “ديرك”, ماضية إلى حقول قريتها والقرى المجاورة للبحث عن أوراق الخبيزة والجرجير والرشاد، تجمعها في باقات متساوية الحجم وتحملها إلى سوق المدينة، إذ تجلس على أحد الأرصفة، وتنادي على المارة لبيع ما تحمله من نباتات وأعشاب برية من رحلتها الصباحية الباكرة.
جمع الأعشاب البرية, حكاية نساء “يقطنّ منطقة الكوجرات بريف ديرك”, بحثن في ثنايا الواقع المعيشي الصعب, بعد أن ضاقت بهن سبل العيش، عن مصدر رزق, في الوقت الذي يحافظن فيه على عادات وطقوس شعبية اخترن البقاء عليها, لتعكس رائحة الحياة الطيبة العابقة بحكايات أهالي القرى وتعب الريفيات.
ينتشر في مناطق إقليم “الجزيرة” بشمال وشرق سوريا، عدد لا بأس به من النباتات البرية التي تنمو في الجبال والأودية والسهول وعلى جنبات السواقي والجداول, فهي تؤكل طازجة أو مطبوخة، لذا تزخر بها الأسواق لا سيما في  فصل الربيع، ونظراً للإقبال المتزايد على استهلاكها تندفع الكثير من النساء الريفيات لجمعها, بهدف استهلاكها أو بيعها في الأسواق كوسيلة للتوفير الاقتصادي.
حزنة رمضان (70عامًا) من قرية “بستا سوس” بريف ديرك, باتت تتقن عملها بجمع النباتات والأعشاب البرية في رحلات الشتاء والربيع بكل مهارة رغم الظروف الصعبة التي تواكب عملية انتقالها من الريف إلى المدينة, إذ تحمل يوميًا ما يقارب أكثر من الـ 100 باقة من النباتات المتنوعة من قريتها إلى سوق المدينة من أجل بيعها وتوفير مصدر دخل موسمي لعائلتها.
تقول حزنة لصحيفتنا إنها تعتمد على بيع الخبيزة والهندباء وغيرها من النباتات الموسمية منذ 30 عامًا، وتعتبر أن وفرة النباتات شكلت سبيلاً للرزق ومصدرًا للدخل على مدى أجيال.
وما تزال النساء الكوجرات بريف “ديرك” في شمال وشرق سوريا, يحتفظن ببعض السمات الريفية القروية من عاداتهن، فقد اخترن أن يمارسن نمط حياتهن التقليدية التي أخذنها عن أجدادهن بعيدًا عن مؤثرات المدينة. فعلى الرصيف ذاته, تجلس ستي إبراهيم (55 عامًا), من قرية “طبكي”, وبحوزتها النباتات الربيعية التي قطفتها من الحقول, تقول: “أخرج وبعض من أفراد عائلتي منذ الصباح الباكر, نسرح في السهول والجبال ونتمكّن خلالها من جمع مجموعة كبيرة من النباتات البرية التي تزخر بها منطقتنا”.
وتشير إلى أنها اعتادت منذ عدة أعوام على جمع ما لذّ وطاب من النباتات والأعشاب البرية وتعدّها وجبات غذائية، إلى جانب بيعها لأشخاص يقصدونها خصيصاً لهذا الغرض, وتضيف: “إن هذا الموسم جيد لكسب الرزق في ظل الواقع الاقتصادي المتردي وغلاء الأسعار”.
فإلى جانب توفير مصدر مال  لهن, ترى “ستي” في عملها متعة كبيرة, فإن هذا النشاط الصباحي في أحضان الطبيعة ينطوي على ميزات صحية على شاكلة تنشيط الدروة الدموية واللياقة البدنية إضافة إلى الترويح عن النفس, وتبين أن صحتها وغياب الأمراض عن جسدها مردّهما إلى خروجها في هذه الرحلات وتناول الأغذية التي تعدها من النباتات التي تستحضرها.
وتحضر نباتات الخبيزة والهندباء والرشاد والقنيبر وغيرها بكثرة على مائدة الاهالي خلال هذه الفترة من السنة, ويؤمن نمو هذه النباتات البرية في إقليم الجزيرة فرص عمل للنساء اللواتي يقمن بجمعها من مناطق الريف وحول الأنهار ومكان تجمع المياه, لا سيما في منطقة “ديرك”, حيث نهر دجلة وأطراف الأراضي الزراعية. أما خديجة أحمد فتأتي إلى مدينة ديرك حاملة النباتات البرية والألبان والأجبان، تجلس في إحدى زوايا سوق الخضار في المدينة، تعرف بخفة ظلها، له طريقته الخاصة في تسويق ما لديه من خلال إلقاء النكت على مسامع المارة. تنحدر من قرية “كلهي” التابعة لمدينة ديرك في شمال شرق بإقليم الجزيرة، تزرع الخضار في بستانها وتربي المواشي، وتتخذ من بيع النباتات البرية مصدر دخل إضافي، تقول: إن عملها هذا يؤمن لها دخلًا يوميًا يكفيها لشراء كل ما تحتاجه ويعود بالخير على عائلتها.
تتميز مناطق إقليم الجزيرة بوفرة النباتات والأعشاب البرية, بسبب مناخها المعتدل وهطول كميات كبيرة من الأمطار والتربة الخصبة وتنوع تضاريسها، متدرجة بين السهول والجبال والوديان, لذا تنمو فيها نباتات برية تقدر بالعشرات مثل الخبيزة, البقلة, القنيبرة, الخردل والكعوب, بالإضافة إلى الكمأة والفطر والنباتات العطرية والطبية كالبابونج والزعتر البري.
وتلقى هذه النباتات خلال فصلي الشتاء والربيع, رواجًا كبيرًا في الأسواق وإقبالًا من الأهالي, نظرًا لقيمتها الغذائية وفوائدها الصحية، إذ يرى الأطباء بأنها غنية بالعناصر الغذائية مثل الحديد والكالسيوم والمغنيزيوم والفيتامينات, وهي سهلة الهضم وتساعد على التغلب على الكثير من الأمراض, مثل فقر الدم وأمراض الكبد, فضلاً عن استخدام بعضها كمشروبات ساخنة وتعتبر علاجًا للرشح والزكام والتهاب الحلق وغيرها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.