سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

19 تموز ثورة المرأة ضد الاستعباد والسلطة

تقرير/ وفاء الشيخ –
بروح المقاومة تستقبل شعوب روج آفا والشمال السوري ذكرى ثورة 19 تموز التي حملت أسمى معاني الحرية والنضال والانتصارات، وحققت العديد من الإنجازات العظيمة، وكان لها طابعٌ خاصٌ ميَّزها عن غيرها من ثورات الربيع العربي، حيث استندت إلى نظام الأمة الديمقراطية واتخذت من أخوة الشعوب والتعايش المشترك شعاراً.
بعد ثورة روج آفا دخلت المنطقة في مرحلةٍ جديدةٍ ساهمت في ولادة إرادة جديدة واستطاعت خلال فترةٍ قصيرة خلق إدارة ذاتية ديمقراطية ضمَّت الشعب الكردي ومكونات المنطقة من عرب وسريان وآشور وتركمان وغيرهم من المكونات وحفظت لهم حريتهم وكرامتهم وحافظت على ثقافتهم وتاريخهم العريق.
الروابط الاجتماعية أساساً
في ثورة روج آفا تم إنشاء وخلق مجتمع ديمقراطي حر؛ لأنه نظامٌ يستطيع المجتمع من خلاله بناء الروابط الاجتماعية بين القوميات والإثنيات والأديان الموجودة كافة، ويفتح المجال أمام الشعوب لتُعبِّر عن نفسها وعن وجودها وحماية حقوقها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أي أن إرادة المجتمع هي الأساس في اتخاذ القرارات وكيفية إدارة نفسها بنفسها. وأهم ما تحقق خلال الثورة أن للكل الحق بأن يتعلم بلغته الأم ويمارس طقوسه الدينية كيفما يشاء، ويشارك في إدارة مناطقه، كما أن للكل حق الوجود بالاستناد إلى ثقافته، لذلك نجد كلَّ أبناء المنطقة موجودين جنباً إلى جنبٍ في ساحات المعارك لحماية هذه المكتسبات، متمثلين بقوات سوريا الديمقراطية، وتم تحقيق انتصاراتٍ عديدة بمشاركة المرأة، حيث كان لها بصمة
مميزة وعالمية في جميع ميادين الحياة، وبخاصةٍ في ساحات المعارك حيث قاتلت المرأة المرتزقة وكل من يحاول النيل من عزيمة وإرادة الشعب والمرأة، ويؤكد القائد عبد الله أوجلان ذلك بقوله: «إن ثورة 19 تموز في روج آفا هي ثورة المرأة».
تحرر المرأة يعني تحرر المجتمع
أثبتت المرأة أنَّ ثورة روج آفا هي ثورة المرأة ضد العقلية الذكورية المتسلطة التي حاولت مراراً وتكراراً كسر إرادة الشعوب عن طريق كسر إرادة المرأة، واستطاعت ثورة 19 تموز أن تؤثر على العالم بشكل عام وعلى سورية بشكلٍ خاص، وذلك لأنها دعت إلى العدالة المجتمعية بين الشعوب، ومبدؤها: «ينبغي على الجميع المشاركة والانضمام إلى النظام الديمقراطي وفق إيمانه ومعتقداته على أساس العيش المشترك وأخوة الشعوب»، واتخذت من حرية المرأة شعاراً لأن المجتمع لا يتحرر إلا بتحرر المرأة، وعلى هذا الأساس استطاعت ثورة روج آفا أن تثبت بأن الأيديولوجية والسياسات الرجعية الأخرى لا تجلب أي شيء للمجتمعات والشعوب سوى الحروب والدمار والنهب والمجازر.
تمكنت ثورة روج آفا وشمال سوريا من إعادة ثقة المجتمع بنفسه وبقدراته، أيضاً لم يكن مضمون الثورة يقتصر على تحرير مؤسسات معينة تابعة للنظام في روج آفا فقط، بل كانت الغاية الأساسية هي رفع الاستبداد والاضطهاد وإعادة حقوق الشعب المسلوبة، لذلك سارع الحراك الجماهيري الذي قادته حركة المجتمع الديمقراطي في عقد اجتماعات مُوسَّعة ومصيرية مع المكونات المختلفة في كلِّ قريةٍ وبلدة ومدينة بغاية تشكيل مجالس شعبية يُمثَّل فيها كلُّ مكون نفسه بإرادته ويتحرك للبدء ببناء مؤسساته ذاتياً على الأصعدة كافة.
بتضحياتها ونضالها دحرت الإرهاب
وفي هذا السياق قامت صحيفتنا باستطلاع آراء بعض النساء حول رأيهم في هذه الثورة، فحدثتنا فلك محمد قائلةً: «بكل تأكيد ثورة 19 تموز هي ثورة المرأة، وكما شهدنا على مدى خمس سنوات أخذت المرأة ضمن ثورة روج آفا ترصُّ صفوفها وتُنظِّم نفسها، فأثبتت للعيان مدى قدرتها على القيادة وإدارة شؤونها على الكثير من الأصعدة والمجالات ولا يخفى على أحد أن أهمها كان الصعيد العسكري، فبات للمرأة الكردية ظهور واضح في هذا المجال من خلال حملها السلاح ومشاركتها الرجل ومقارعتها المرتزقة وفي مقدمتهم مرتزقة داعش ونسجها لملاحم الفداء والبطولة بأرقى صورها واستشهادها في سبيل تحقيق الحرية والنصر، كما قامت المرأة بتحقيق إنجازات عظيمة في هذه الثورة زادتها رونقاً وجمالاً».
أما سوزدار علي فعبَّرت عن رأيها قائلةً: «ثورتنا كانت انبعاثة جديدة للكرد وقدمت لنا العديد من الحقوق وحققت الحرية والديمقراطية للمجتمع، وأعطتنا القوة وروح المقاومة، كما خطت المرأة خطوات جديَّة وواضحة في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها، وصارت المرأة ترى نفسها مسؤولة أمام التاريخ وأمام أبناء شعبها عن عملها مضافة للتضحيات والجهود المبذولة من قبل مناضلي الثورة». كما أكدت لنا حنان المصطفى قائلةً: «هذه الثورة تتناغم مع متطلبات الشعب وحقوقه وحريته في البناء والتعبير، واستطاعت كل القوميات والمكونات في روج آفا وشمال سورية وبشكل ديمقراطي وبثقةٍ عاليةٍ أن تجد مكانها في نظام الإدارة، وباتت صاحبة القرار، وخلال سنوات الثورة هذه استطاع الشعب أن يكتسب حق الحرية والتعبير والفكر والتنظيم وعلى مستويات عالية، فثورة تموز لم تحرر الشعب من حقبة سلطة البعث فحسب، بل حررتهم من الكثير من القوالب الجامدة التي فرضت عليهم، وهذا ما تبين في الثورة الاجتماعية التي تحققت، وفي المقام الأول ثورة المرأة التي كانت هي طليعة الثورة، فأخذت مكاناً بارزاً ودوراً هاماً في كل مناحي وساحات النضال».
مجتمعٌ منظم وحر هو نتاج ثورة الحرية
إن من أهم ما حققته الثورة هو تشكيل لجان العدل لحل القضايا الاجتماعية بعيداً عن مؤسسة الدولة الاحتكارية، واتحدت النساء من المكونات كافة في كل حي وقرية وبلدة ليشكلن مجالسهن الخاصة ومشاريعهن الاجتماعية والاقتصادية بعيداً عن استغلال مؤسسات السلطة، كما اجتمع المثقفون والمعلمون والفنانون والأطباء والحقوقيون والرياضيون والشبيبة وغيرهم من فئات وشرائح المجتمع المهمشة في المنطقة ليشكلوا البنى الأولية والأساسية لاتحاداتهم ونقاباتهم بعيداً عن سلطة الدولة وساهمت فيها المرأة بدءاً من الساحة العسكرية وصولاً إلى الساحة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، حيث كانت المرأة رائدة فيها وأخذت مكانها في الرئاسة المشتركة مناصفة مع الرجل ليكون لها بصمتها في مراكز القرار، ونتيجة لهذه الخطوات التاريخية تتالت الانتصارات الاجتماعية والسياسية للإدارة الذاتية في المنطقة والعالم، فمن الداخل كان تشكيل الهيئة الكردية العليا بمثابة النجاح في تحقيق الوحدة السياسية للشعب الكردي في الداخل، وكذلك بناء الإدارة الذاتية بشكل تدريجي وإعلانها بشكل رسمي وبقرار تاريخي في المقاطعات الثلاث كوباني وعفرين والجزيرة، فكانت المنقذ للشعوب كافة في روج آفا والممثلة لإرادتهم والمدافعة عنهم، لتتوالى من خلال هذه الخطوات الانتصارات الدبلوماسية والتعريف بالحقوق والمكتسبات في الشمال السوري للعالم أجمع وهكذا فقد ثار الكرد في 19 تموز 2012م بشكل سلمي ولم ينجرُّوا إلى الصراع لأجل السلطة ولم يقتلوا بدوافع طائفية، وحصلوا على حريتهم بثورتهم واستطاعوا أن يجعلوا من أنفسهم قوة عبر التنظيم، وصار لهم مكانة عظيمة وانتزعوا احترام الأعداء بهذه القوة, وهذه حقيقة معروفة في تاريخ الثورات التي تقوم بها الشعوب، فالشعوب لا تترك حريتها ومكاسبها بعد وصولها إليها, فهي تدافع عنها بأغلى الأثمان والكثير من النفوس أملاً في بقائها، فهي مثالٌ يحتذى به من قبل الشعوب الأخرى التواقة إلى التحرر.