سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كيف يواجه القائد عبد الله أوجلان الموت في إمرالي

وما هي الطاقة الكامنة في البراديغما الأوجلانية

أحمد بيرهات: (كاتب وباحث ورئيس مشترك لمنتدى حلب الثقافي)_

بين الفينة والأخرى نسمع أخباراً عن سوء صحة المُفكر والقائد عبد الله أوجلان كخبر اندلاع حريق بالأشجار الموجودة في جزيرة إمرالي في شباط 2020، وكذلك سمعنا مراراً عن حالات تسمّم متعددة له، أما الجديد في هذه الأخبار كان ما صرّح به أحد قادة منظومة المجتمع الكردستاني  KCK” صبري أوك” على إحدى القنوات التلفزيونية (Stêrk TV) بتسليم رسائل مجهولة المصدر وغير مُذيلة بتاريخ أو اسم إلى القائد أوجلان كتب في الرسائل بحسب أوك ما يلي: “سنعطيك كذا سمّ لكي تموت به، والحشرات التي ستأكل جسدك أيضاً ستموت بذاك السمّ، وستموت يوماً بعد آخر لكنك لن تحس بذلك ” وبكل تأكيد هذه الأخبار أثارت وما زالت تثير الريبة والخوف لدى أنصار ومحبي القائد أوجلان، من خلال الإجراءات والحرب النفسية الشديدة، والتهديدات التي تطال حياته؛ لما يتحلى به القائد أوجلان من مكانة وأهمية في قلوبهم وعقولهم، كان لابد للعالم الأخذ بعين الاعتبار حساسية الوضع الصحي لهذا المناضل والثوري الفذ وما تمثل شخصيته الكاريزمية بالنسبة للكُرد والمؤمنين بفكره، والذي مازال يُمنع عليه التواصل مع العالم الخارجي منذ أكثر من ثماني وعشرين شهراً، فقد كان آخر تواصل له مع عائلته في25 آذار عام 2021. وبالرغم من الصفة الحقوقية التي تحملها لجنة مناهضة التعذيب في السجون التابعة للمجلس الأوروبي CPT إلا أنها لم تُبدِ أي موقف أو حتى الإدلاء بمعلومات عنه. هذه السياسة المُتبعة بحق القائد عبد الله أوجلان ضمن تجربة آسره قد عرّت وكشفت كل المتشدقين بأنهم يمثلون العالم الحر فقد بات هؤلاء أمام مفترق طرق إمّا الدفاع عن قيمها ومبادئها المعلنة كالمنظمات الحقوقية وعلى رأسها منظمة CPT (التي لم تكشف لهذه الساعة عن محتوى لقائها مع القائد أوجلان، منذ أشهر وهذه المنظمة الحقوقية التي التقت بالقائد أوجلان حتى الآن تسع مرات، نأت بنفسها وتغاضت بكل أسف عن لعب دور إيجابي، لكي يستفيد القائد أوجلان من قانون حق الأمل الأوروبي الذي وقّعت عليه تركيا).
وإما أن نقول بكل وضوح أن هذه المنظمة الأوروبية مشاركة فيما آلت إليه ظروف القائد أوجلان أو بأنها “متواطئة” في الحملة الشرسة ضد هذه الشخصية النضالية التي لا تسير في فلكها.
لقد بات واضحاً أن هذه الإجراءات مستمرة وستستمر بهدف تقديم القائد أوجلان بعض التنازلات، وهنا يتبادر إلى ذهني سؤال وهو: ألا تعلم الدولة التركية أنها بهذه الإجراءات تؤكد وبشكلٍ قاطع مدى الدور والتأثير الكبير والمتعاظم يوماً بعد آخر للقائد أوجلان على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في تركيا وكردستان والمنطقة عامةً؟
لا يراودنا الشك أنه بات غالبية المتابعين للقضايا السياسية والفكرية المتعلقة بالكرد وحركتها التحررية يُدركون أن القائد أوجلان هو من فك شيفرة الحرب النفسية التي تمارسها قوى الحداثة الرأسمالية والذهنيات الفاشية التي تستهدف الشعوب ولم يكتفِ بذلك بل طرح البديل وهو العيش في يوتوبيا وبراديغما كونية تشبه الخلود في الثقافة الشرقية.
الأوجلانية والديالكتيك
بالرغم من ظروف الأَسر والسجن لم يستسلم القائد أوجلان، فقد نذر نفسه إلى إعادة قراءة التاريخ بعمق والانغماس في شكل وعلاقة الكون والطبيعة ببعضهما البعض والبحث في مفاهيم وجودية كثيرة وإعادة تعريف وصياغة المصطلحات والأُطر النظرية لها والتركيز على الفاعل الأساسي وهو الإنسان وإعادة صياغتها وتفاعلها من جديد، من خلال دور “الإنسان المركز” هذه المفاهيم التي  كانت قد شكّلت الدول والإمبراطوريات والأنظمة عبر التاريخ فقد أجرى أبحاثاً مُعمّقة في سوسيولوجيا المجتمعات وبرؤية ونظرة نقدية ليؤسس بذلك  نظرية وبراديغما مستقبلية تخدم الشعوب عامة وتحافظ على الطبيعة  وتوازنها الكوني عبر طروحاته القيّمة والقابلة للنقاش، والتطور بعد الخوض فيها واستشراف المستقبل من خلالها،  ليحصل باعتقادي وبجدارة على صفة عالم علم الاجتماع الحديث.
وهذا ما يدعونا بكل تأكيد بأن نقرأ الأوجلانية ونطبّقها مجتمعياً وبواقعية ثورية، وعند ذلك لن يستفيد أعداء الإنسانية من سياسة العزلة والتجريد المُطبّقة بحقه شيئاً، ونكون بذلك أوفياء لهذا المفكر والقائد المقدام ومن يفعل ذلك سوف يتوصل أنه متواجد معه كشخص بفكره وعلمه.
عند القراءة المعمّقة لفترة أسر القائد أوجلان المستمرة منذ خمسة وعشرين عاماً يستنتج المرء أن القوة الفلسفية للقائد أوجلان، كانت وراء تحويله المؤامرة التي استهدفته والمستمرة بأشكالها المتعددة، إلى انطلاقة جديدة من تصحيح المسار الثوري ضمن تجربة حركة التحرر الكردستانية المعاصرة والخروج من القوقعة الحزبية وإجراء مراجعة تاريخية نقدية لها، وطرح البديل والمُطًّلع على تاريخ مسيرة حركة حرية كردستان وفلسفة القائد أوجلان لها سيلاحظ بكل سهولة أن أسره ومحاولة إبعاده عن المشهد من قبل قوى الهيمنة العالمية ووضعه في السجن كان سببه أنه  من الناحية الأخلاقية والفكرية أقوى منهم ويُفشِل كل مخططاتهم ومؤامرتهم ضد الشعوب فالقائد أوجلان يُشكل نفسه من المجموع الخيّر من القيم الدينية والفلسفية والاشتراكية ويناضل لتأسيس جمعية (تركيبة) هيلينية جديدة والانتقال بها إلى عصر الحضارة الديمقراطية” كحل لقضايا ومعضلات الشرق الأوسط وميزوبوتاميا التي كانت مهد البشرية.
السؤال الذي يطرح نفسه بشكلٍ مكثف هو من أين يستمد القائد أوجلان قوته وتحمُّل ظروف الأسر والعزلة والتجريد الممارس ضده كل هذه المدة؟
يجيب القائد أوجلان بنفسه عن هذا التساؤل في مجلده الخامس فيقول:
“العلاج الوحيد لإبداء قوة التحمّل داخل السجن هو تنمية وعي الحقيقة، فعيش وعي الحقيقة بشأن عموم الحياة، إنما يعني بلوغ أمتع لحظات الحياة والوصول إلى معنى الحياة، فإذا استوعب الناس دوافع حياتهم بصورةٍ صحيحة، فأينما كان مكان عيشهم، فلن يُشكل ذلك مشكلة جديّة بالنسبة لهم وكلما كشف هذا اللغز الخطير، لن تعود هناك مشكلة اسمها التحمّل، حتى لو كان المرء في زنزانة والحياة المتعاظمة محبوكة بوعي الحقيقة، قادرة حتى على تحويل أشد الآلام إلى منبع السعادة لقد تحول إمرالي إلى حرب الحقيقة سواءً على صعيد فهم الظاهرة الكردية، أم من ناحية تصوّر فرص وإمكانيات الحل”.
وهذا يعني أنَّ الحرية والبحث عن الحقيقة تخلق قوة تحمل أكثر من الفعل ذاته عند وعي هذه الحقيقة فالوعي هنا بمثابة الروح.
إن فلسفة البحث عن الحقيقة وقوة التحمّل هذه مستمدة من ثقة القائد أوجلان بنفسه وحزبه وشعبه وعدم اتخاذ ما هو ضروري مُقدساً بل اتخذ التغيير والديالكتيك أساساً في مسيرته الطويلة ورؤية الأولويات وما هو تكتيكي وما هو استراتيجي في نضاله الذي يناهز نصف قرن.
وأعتقد أن هذه الفلسفة كانت خلف مقولته هذه: “أنا في موضع مُشرف، فليأتي الموت من حيث ما شاء، فلا قلق لنا، فعندما نقوم بعمل صحيح حينها يكون للموت معنى”.
وفي النهاية أحب أن أذكر لكم كلمات كتبها المفكر وعالم علم الاجتماع الحديث عبد الله أوجلان في كتابه المعنون “من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية”، واعتبرها شخصياً كوصية قائد وفيلسوف وحكيم، يتبين من خلالها حجم الثقة بينه وبين حركته وبين شعوب العالم، وضرورة أن لا نقع في الغفلة والاعتماد على الفكر والنضال وليس الأشخاص فيقول في هذا الصدد: أحب أن أقول بأنكم أحرار في اتخاذ القرار الذي تُمليه عليكم حريتكم، وضمائركم، فقد يكون قراراً بحرب لا ترحم، كما يمكن أن يكون قرارا للسلام، وأحب أن أعبّر عن إيماني بأنكم ستفعلون ما هو صحيح، وستحققون ما فيه المصلحة المطلقة لشعوبنا وللبشرية جمعاء، وأنكم على أهبة الاستعداد، ضد كافة قوى الدمار مهما كان مصدرها، بالإضافة إلى تصميمكم على السلام المشرّف الحر، فأنتم تملكون الإرادة والتصميم على شن حرب تجعل هذه القوى في ندمٍ دائم، إن موقفكم في عبارة عهدنا هو ممارستنا العملية، هو الذي يحدد كل شيء من الآن فصاعداً، ولأن هذا القول يُجبركم على إيجاد معنى له، ويجبركم على ممارسته كما يجب أن أؤكد على ضرورة عدم ارتكاب الأخطاء، وأن لا تقعوا في الغفلة وأن لا تعتبروا الموت الذي ليس في مكانه قدراً مكتوباً. أتمنى عدم تنظيم جميع أنشطتكم التنظيمية والتطبيقية بشكلٍ يرتبط بشخصي، لا سيما فيما يتعلق مع ظروفي في الأسر، والشيء الوحيد الذي يجب أن يحظى باهتمامكم هو وضعكم السليم والمشرف والناجح، واتخاذكم ذلك أساساً لحياتكم، فلستم أطفالاً لا تستخدموا قوتكم التي يمكن أن تحقق النجاح والأمور الصحيحة إلا في خدمة أنفسكم وشعبكم، وافعلوا شيئاً ما من أجل الإنسانية إن كان ذلك ممكناً، ولكن صحتكم وشرفكم وانتصاركم ضروري جداً بالنسبة لكم لقد ضحيتم أنتم والشعب بالكثير من أجلي، وإنني مؤمن بأن ذلك يكفي، وأنا أيضاً أريد أن أتخلّص من همومي وأرتاح قليلاً.
سؤال يراودني دائماً حينما أكتب عن القائد أوجلان، هل قمنا بما يقع على عاتقنا؟
أعتقد أنه قد حان الوقت بأن تكون الأوجلانية إحدى الحلول المتقدمة لمعضلات المنطقة بكل جوانبها، ويمكننا القيام بحملة مكثفة وتسيير النضال الحقوقي والدبلوماسي، إلى جانب تخريج كوادر على كل المستويات، والكُرد هم من سيقودون عملية التحوّل الديمقراطي والسير نحو تأسيس الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط.