سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كركوك ودير الزور… ومحاولات تقويض مكاسب الكُرد وشعوب المنطقة

رفيق إبراهيم_

ما جرى في كركوك في بداية الشهر الجاري، لم يأتِ صدفةً بل جاء نتيجة التراكمات التي أفرزتها سيطرة ميليشيات عراقية على المدينة بتوجيه من رئاسة الوزراء العراقية في عام 2017، حيث كانت كركوك تُدار من قبل الكرد المتمثلين بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قبل ذاك التاريخ بالاعتماد على الدستور العراقي وتطبيق المادة 40 منه، حيث أن كركوك تعتبر مدينة كردستانية بامتياز، قبل مجيء حزب البعث إلى سدّة الحكم في العراق.
حزب البعث والتغيير الديمغرافي لكركوك
وإذا ما عُدنا بالتاريخ إلى الوراء سنرى أنه حتى ستينيات القرن الماضي، كان الكرد في كركوك يُشكلون نسبة الثمانين بالمائة من سكانها، ولكن عندما انتهى العهد الملكي في العراق تغيّرت الأمور قليلاً وتم تسكين عشرات العوائل العربية والتركمانية فيها، ومع استلام حزب البعث الحكم وبخاصةٍ في عهد صدام حسين، تم تهجير الكرد قسراً ليتم توطين العرب فيها وبأعداد كبيرة، وخلال مدة عشرين عاماً تغيّرت ديمغرافية كركوك بشكلٍ كبير، وارتفعت نسبة العرب فيها حيث وصلت إلى النصف تقريباً.
 وخلال الانتفاضة الكردية في عام 1991 وسيطرة القوات الكرديّة على أغلب المناطق الكردية كان من ضمنها كركوك، لتسلّم قيادتها إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وعند ذلك فرّت بعض من العوائل العربية التي كانت قد اغتصبت منازل وأراضي الكرد من قبل، وبخاصةٍ ممن كانوا يعملون مع الجيش وأجهزة الأمن العراقية، وبعد أن هدأت الأوضاع عاد الكركوكيون المُرحلون قسراً إلى بيوتهم، لتزداد نسبة الكرد فيها إلى حوالي 65 بالمئة، وحتى ما قبل أحداث 2017، المدينة كان يحكمها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بنتيجة الانتخابات التي كانت تُجرى هناك وكان يحصل على أغلبية الأصوات فيها.
من وقّعوا على المادة 140 يرفضونها
وعلى ما يبدو أن هذا الأمر لم يَرُق للكثيرين، لذلك خرقوا الدستور العراقي ووجّه القائد العام للقوات المسلحة العراقية ورئيس الوزراء العراقي آنذاك، حيدر العبادي، في تشرين الثاني من عام 2017 قوة كبيرة من ضمنها الحشد الشعبي، للسيطرة على كركوك بالقوة، وبالنتيجة تم السيطرة على كركوك، وتم تغيير محافظ كركوك وقائد الشرطة وقادة الأجهزة الأمينة، لتُسلّم للتركمان والعرب هناك، ومنذ ذلك الحين وأعمال النهب والسرقة والقتل والسلب لم تتوقف، وأصبح الأهالي الأصليين من الكرد في كركوك تحت رحمة تلك الأجهزة القمعية، حيث مارست بحقهم جميع أنواع الانتهاكات واستولت على أراضيهم وأجبرتهم على ترك بيوتهم ومدينتهم.
وما حدث في مدينة كركوك في الآونة الأخيرة، ما هو إلا نتيجة لتلك الممارسات بحق الكرد هناك، الذين لم يعودوا يتحمّلون الانتهاكات التي تُرتكب بحقهم هناك، حتى وصلت الأمور إلى إغلاق طريق كركوك هولير، من قبل بعض المجموعات الموالية لإيران، ولأن هذه الأمور لم تعد مقبولة تظاهر الكرد ضد تلك الأساليب، فكان رد القوات الأمنية الحكومية إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين ما أسفر عن استشهاد أربعة أشخاص، وساهم في تلك الأوضاع الخلافات السياسية بين الحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
دير الزور وكركوك حدثان لا ينفصِلان
هذه الحادثة أظهرت مدى الحقد الدفين من قِبل الأنظمة القوموية للكرد، ومن هنا يمكننا ربط ما حدث في دير الزور بما حدث في كركوك، وخصوصاً أن القاسم المشترك بين الحدثين هم الإيرانيون والأتراك، الذين يحاولون دعم بغداد ودمشق لإعادة سيطرتهما على كامل الجغرافيا في العراق وسوريا، ولا نستبعد تركيا عن كل ما حدث، ففي كركوك تدعم التركمان وهدد الرئيس التركي بأنه في حال عودة الكرد إلى حكم كركوك، فإنها ستتدخّل بشكلٍ مباشر، وأيضاً تعمل على الضرب على وتر الطائفية في شمال وشرق سوريا لإحداث صراع كردي عربي هناك.
ومما لا جدال فيه أن حكومات دمشق وأنقرة وبغداد وطهران، يسعون للقضاء على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وإقليم كردستان، والدول الأربعة يختلفون في كل شيء، ولكنهم متفقون على محاربة المكتسبات الكردية في باشور كردستان وروج آفا، لذا فهم يتحيّنون أي فرصة للانقضاض على أي مشروع كردي أو ديمقراطي في المنطقة، وعلى الرغم من أن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، مشروع ديمقراطي يشارك فيه جميع شعوبها، يتهمونها دائماً بالانفصالية، على الرغم من التأكيدات الدائمة على اللامركزية الإدارية ووحدة الأراضي السوريّة.
الحكومات الفاشيّة هدف واحد مُشترك
وفي أحداث دير الزور الأخيرة تبيّن بشكلٍ واضح دعم حكومة دمشق وطهران للخارجين على القانون وهناك وثائق تُثبت ذلك، ولكنهم فشلوا في تحقيق طموحاتهم في إحداث الفتنة للتدخّل والسيطرة على مناطق دير الزور، وما ساهم في فشل المخطط هو عدم رغبة الكثير من العشائر العربية هناك بالعودة إلى سيطرة النظام السوري، ووقوفهم مع قوات سوريا الديمقراطية التي حمتهم من داعش والنظام والإيرانيين.
إيران لن تتخلى عن النظام السوري، وستدعم ميليشياتها للضغط على القوات الأمريكية ومغادرة الأراضي السوريّة، وبخاصةٍ أن سوريا ممر استراتيجي بين طهران وحزب الله اللبناني، وإتمام حلم الهلال الشيعي عبر سوريا وصولاً إلى لبنان، ولكن العملية ليست بالسهولة التي قد تتخيلها، وبخاصةٍ أن الأمريكان يعادون المخطط الإيراني في السيطرة على سوريا، ويجري الحديث الآن عن ضرب المشروع الإيراني وإغلاق الحدود السوريّة العراقية، وكلنا يعلم ما هو الدور الإيراني في سوريا، ومدى سيطرتها على القرار السوري.

المخططات تستهدف البقاء والوجود الكُردي
الحكومة العراقية الشيعية تسيطر على مراكز القرار فيها، وبخاصةٍ أنهم موالون لإيران، وهؤلاء يضغطون على الكرد لتقديم التنازلات بشأن كركوك، لذلك تمتنع بغداد عن تقديم حصة باشور كردستان من الميزانية واتفقت مع المحتل التركي حيال صادرات النفط، والإيرانيون يحاولون السيطرة على كركوك بشكلٍ كامل عبر ميليشياتها، كما أن تركيا تدعم التركمان على الرغم من نسبتهم القليلة، وتسعى للسيطرة عليها وتهديد أردوغان في الآونة الأخيرة بأنه إذا تغيّر الوضع في كركوك، فإنه سيتدخّل، وهذا دليل معاداته لكل كردي على وجه البسيطة.
الأتراك والإيرانيون والنظام السوري متفقون على محاربة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وأيضاً تركيا تتفق مع إيران وحكومة بغداد في إفشال تجربة باشور كردستان، لذلك فإن المطلوب من الكرد إيجاد صيغة مشتركة للحلول دون تنفيذ تلك المخططات التي تستهدف البقاء والوجود الكردي، وتحقيق أيّة مكاسب تؤدي لحصولهم على حقوقهم المشروعة والتي تُكفلها القوانين الدولية، وبخاصةٍ أن تركيا وإيران تفكران بالعقلية الفارسية والعثمانية التي حكمت فترات طويلة المنطقة، ويريدان إعادة المنطقة إلى الوراء لمئات السنين، والسيطرة على خيراتها وهم لا يستهدفون الكرد فقط، بل يحاولون السيطرة على مُقدّرات الشعب العربي والشعوب الأخرى في المنطقة بشكلٍ عام، لذلك على شعوب المنطقة من عرب وكرد وسريان وغيرهم أن يُدرِكوا بأنهم يركبون سفينة واحدة ومتى ما غرقت سيكون مصيرهم جميعاً الغرق.