سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

وليد جولي: “خيار المقاومة هو الخيار الطبيعي أمام التهديدات والمؤامرات التركية”

أكد الناشط السياسي ومسؤول العلاقات في مركز الفرات للدراسات وليد جولي أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا لا يمس الكرد بقدر ما يمس هيبة الولايات المتحدة، وبالتالي؛ فإن الأخيرة ستبحث داخل مؤسساتها عن صيغة مناسبة للخروج من أزمة تفرّد رئيسها بالقرارات المصيرية، وأنه من غير الوارد أن تترك الولايات المتحدة الساحة السورية التي ترتبط بشكل وثيق بمصير وجودها في الشرق الأوسط؛ ولا سيما أنها أعلنت على لسان مبعوثها إلى سوريا والعراق، جيمس جيفري، استمرار وجودها في سوريا لأهداف ثلاث؛ آخرها كان التسوية السياسية في سوريا. وأضاف: “إن موقف النظام السوري من مسألة التهديدات التركية باحتلال منبج سيكون موقفاً وطنياً، إن لم يكن الدافع هو استغلال الضغط التركي لفرض تنازلات على الإدارة الذاتية، وعن مكتسباتها ومشروعها الديمقراطي، في هذه الحالة سوف يكون خيار المقاومة هو الخيار الأخير أمام هذه التهديدات أو المؤامرات التي تحاك ضدها. وحسب قراءتنا للسياسة التركية؛ فإنها بحاجة إلى تغيير لعقليتها ونظامها الراديكالي لتستطيع التعامل مع أزمتها المزمنة مع الكرد، دون ذلك؛ فإن تركيا لن تقبل أي مشروع يحوي ضمنه حقوق الشعب الكردي، أو أي شعب آخر يشاركه في الجغرافيا”.
جاءَ ذلك في حوارٍ أجرته آدار برس مع الناشط السياسي ومسؤول العلاقات في مركز الفرات للدراسات، وليد جولي، حول قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا، وتأثير هذا القرار على الإدارة الذاتية في شمال وشرق البلاد، ومسألة الأسلحة التي قدمها التحالف الدولي لقوات سوريا الديمقراطيّة، إضافةً إلى ملف منبج والتهديدات التركية بالهجوم على شرق الفرات وموقف النظام السوري حيال ذلك.
وهذا هو نص الحوار:
ـ إلى أي مدى أثّر قرار الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب من سوريا على شعوب شمال وشرق سوريا ولا سيما أنهم يديرون أنفسهم في ظلّ الإدارة الذاتية الديمقراطية؟
من المعلوم أن الإدارة الذاتية الديمقراطية في روج آفا وشمال سوريا تأسست قبل مجيء القوات الأمريكية إلى سوريا، وبالتالي فإنها لم تتشكل بإيعاز أمريكي أو غيرها من الدول الفاعلة في الشأن السوري، وكما تعلمون أيضاً فقد تمدد الإرهاب نحو مدن شمال سوريا، وكانت الحاجة ماسة جداً إلى واجب الدفاع عن النفس وتشكيل قوة لحماية مناطقنا، وهذا السبب كان كافياً لتشكيل تلك القوة، وبخاصة أنه حدث فراغ أمني كبير بعد  انسحاب قوى الأمن والشرطة التابعة للنظام من هذه المناطق، وكان على الشعب وقوات الحماية أن تقوم بهذا الواجب.
وعندما وصلت خطورة الإرهاب إلى مدينة كوباني، ظهرت الحاجة إلى دعم دولي لصد هذا الخطر الذي بدا بأنه سيكون خطراً على المجتمع الدولي بأكمله؛ ولا سيما أن هذه المجاميع الإرهابية كانت تتلقى دعماً مكشوفاً وفي وضح النهار من الدولة التركية، ونتيجة الخطر المُحدق بالأمن الدولي؛ ما دفع بتدخل المجتمع الدولي وتشكيل قوات التحالف الدولي داعش التي تشكلت على خلفية المجازر التي حلت بأهلنا في شنكال، إلى التدخل المباشر وتوسيع رقعة عملياتها باتجاه شمال سوريا، وتحديداً كوباني، ودعا ذلك الانتصار إلى استمرار التحالف الدولي بالتنسيق مع وحدات حماية الشعب، ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية التي استطاعت أن تهزم داعش في كامل الجغرافيا التي كانت تسيطر عليها في شمال وشرق سوريا. الهزيمة التي حلت بمرتزقة داعش دفعت المنطقة برمتها؛ وكذلك المجتمع الدولي إلى التساؤل: ماذا بعد داعش؟ وكأن الأزمة السورية اندلعت أصلاً بسبب وجود الإرهاب الداعشي، متناسيين مسببات الأزمة الداخلية والجهات الدولية والإقليمية الفاعلة والمؤثرة في تأجيج الأوضاع في سوريا؛ فضلاً عن الدور التركي الرئيس في تفاقم هذه الأزمة، والذي تجلّى في العداء الشرس ضد مشروع شعوب شمال سوريا؛ وهذا ما دفع بالدول الفاعلة في سوريا إلى إظهار بعض التغيرات في سياساتها تجاه الأزمة السورية ومستقبل سوريا، لا سيما أن القرار الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا أثار الجدل الكثير في الأوساط السياسية الدولية، لتتجه الأنظار إلى مصير الكرد والإدارات الذاتية في شمال وشرق سوريا. ولذلك؛ أعتقد أن هذا القرار لا يمس الكرد بقدر ما يمس هيبة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وبالتالي فإن الأخيرة ستبحث داخل مؤسساتها عن صيغة مناسبة للخروج من أزمة تفرّد رئيسها بالقرارات المصيرية. ومن مؤشراتها اعتراض أبرز رجالات الدولة على هذا القرار، وأيضاً عدم تنفيذه حتى الآن على أرض الواقع، وهذا ما يثير التساؤل: هل ستخرج أم لا هذا هو السؤال الذي يجب إيجاد الجواب له؟
ـ صرّح مسؤولون أمريكيون أنه من المتوقع أن يستغرق الانسحاب من سوريا وقتاً أطول، برأيكم هل هو تأنّي نتيجة قرار ترامب السريع، أم بقاء أمريكي لحين إيجاد تسوية سياسية في سوريا؟
من خلال متابعتنا للسياسة الأمريكية في حالات كهذه، فإنه ليس بالضرورة أن يتم تنفيذ القرار الأمريكي كما هو معلن، وخير مثال على ذلك تجربتها في أفغانستان والعراق، نعتقد أنه من غير الوارد أن تترك الولايات المتحدة الساحة السورية التي ترتبط بشكل وثيق بمصير وجودها في الشرق الأوسط؛ لا سيما أنها أعلنت على لسان مبعوثها إلى سوريا والعراق، جيمس جيفري، استمرار وجودها في سوريا لأهداف ثلاث؛ آخرها كان التسوية السياسية في سوريا، وهذا يعني أن مسألة التسوية هي جزء هام من السياسة الأمريكية في سوريا والشرق الأوسط، ومن إحدى مؤشرات ما نذهب إليه هو عدم حدوث أي تغيير في تحركاتها العسكرية شرقي الفرات، وباعتقادي أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا يحددها الرئيس لوحده، ولديها مؤسسات لها تأثيرها على تلك السياسة، وهناك الكثير من الشخصيات التي لها دور كبير في السياسة الأمريكية تحفظت بشكل كبير على القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا.
ـ هناك خطة أمريكية توصي باحتفاظ قوات سوريا الديمقراطية بالأسلحة التي حاربت بها داعش، برأيكم هل هو تلميح بإبقاء الدعم لقسد، أم ستسحب تلك الأسلحة بعد الانتهاء من داعش؟
بطبيعة الحال إن الأسلحة التي قُدمت لقوات سوريا الديمقراطية طيلة الفترة الماضية والتي يعتقد أنه أمر مستمر لحد الآن، يتم استهلاكها في الحرب ضد داعش، وهذا ما أعلنته وحدات حماية الشعب، أما بشأن استمرار تدفق الدعم العسكري، فهو مرهون- على المدى المنظور- بخطط قوات التحالف الدولي، وهذا لا يعني بالضرورة استمرار هذا الدعم بعد الانتهاء من داعش، وقد يتطور هذا الأمر وفق المستجدات السياسية فيما بعد، بالنتيجة وحتى الآن دعم التحالف الدولي مستمر لقوات سوريا الديمقراطية ولا زالت الحرب على مرتزقة داعش مستمرة ولم تنتهِ بعد.
ـ أعلنت وحدات حماية الشعب أنها لن تسلم السلاح حتى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، برأيكم هل هي خطوة في الاتجاه الصحيح فيما لو طلب التحالف تسليم تلك الأسلحة؟
من إستراتيجيات وحدات حماية الشعب منذ تأسيسها عام 2012، هي الدفاع عن شعوب ومكونات المنطقة عسكرياً، لهذا فمن غير الممكن أن تحقق هذا المطلب بدون سلاح. لذلك؛ نعتقد بأنه طالما هناك أزمة في سوريا فستكون هنا أيضاً الحاجة إلى قوة رادعة للمخاطر والتهديدات التي تحيط بجغرافيّة شمال سوريا، وهذا أمر يخص الإدارة الذاتية أكثر ما يخص جهة أخرى، وإن كانت هذه الجهة هي التحالف الدولي، وبالطبع عندما تُحلُّ الأزمة السوريّة سياسياً ستكون هناك تفاهمات على كيفية إدارة سوريا المستقبل، والكرد من أكثر الفاعلين في إيجاد مثل تلك الحلول.
ـ انتشرت قوات النظام على حدود منبج، لمنع التدخل التركي والفصائل الإسلامية المرتزقة التابعة لها، برأيكم هل يمكن أن نعتبر ذلك انفراجاً للعلاقة بين مجلس سوريا الديمقراطية والنظام السوري؟
إن مسألة حل الأزمة السورية تخص السوريين وحدهم وهم المعنيين بها، رغم تدخل بعض الدول الإقليمية والدولية في شأنها، وبالتالي فإن موقف النظام في سوريا من مسألة التهديدات التركية باحتلال منبج يجب أن يكون موقفاً وطنياً وبدافع الدفاع عن الأرض السورية، ويجب ألا يكون الدافع هو استغلال الضغط التركي لفرض تنازلات على الإدارة الذاتية وعن مكتسباتها ومشروعها الديمقراطي، وفي هذه الحالة سيكون خيار المقاومة هو الخيار الأخير والطبيعي أمام هذه التهديدات أو المؤامرات التي تحاك ضد الإدارة الذاتية.
ـ هناك من يتساءل؛ هل يمكن أن يُمارس أردوغان ضغوطاً أخرى على شرق الفرات على غرار منبج لتسليم تلك المناطق للنظام السوري؟
السياسة التركية واضحة تجاه الكرد ومشاريعهم، وهي تعمل على وأد أي مشروع كردي في المنطقة حتى ولو كان صغيراً، وستعمل على حياكة المؤامرات ضدهم بكافة السبل المتاحة لديها، ولكن السؤال هو: هل سترضى تركيا باتفاق حقيقي بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية في منبج؟ إن رضيت بذلك فإنها سترضى بتطبيق النموذج نفسه في شرق الفرات أيضاً، وتركيا تحاول خلق المشاكل لزعزعة أمن المنطقة ليكون لها المبرر في التدخل واحتلال مناطق أخرى منها، ولكن حسب قراءتنا للسياسة التركية فإنها بحاجة إلى تغيير لعقليتها ونظامها الراديكالي التي لا تقبل بالآخرين، ولا بحقوقهم الطبيعية في العدالة والمساواة، ولتستطيع تركيا التعامل مع أزمتها المزمنة مع الكرد، عليها أن تعيد النظر في الكثير من سياساتها تجاههم، أما دون ذلك فإن تركيا لن تقبل أي مشروع يحوي على ضمانة حقوق الشعب الكردي في سوريا وحتى في أجزاء كردستان الأخرى، ستعارض أي مشروع ديمقراطي حقيقي للكرد في سوريا؛ لأن الفوبيا الكردية تلازمها في كل مكان وزمان، وما لم تتخلص منها لا يمكن التعامل معها والوصول لفهم المطالب الكردية المحقة.