سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هل سيكون عام 2021 عام الحسم في سوريا؟

رفيق إبراهيم-

بعد شهر ونيف ستُتمّ الأزمة السورية من العمر عشر سنوات كاملة، والحرب في سوريا من أكثر الحروب الأهلية دموية وتدميراً في العصر الحديث، ففي عام 2011 خرج عشرات الآلاف من المواطنين السوريين بمظاهرات سلمية، هدفها المطالبة بالحرية والعيش الكريم وإجراء بعض التغييرات، والسوريون لم يكونوا يتصورون وصول العنف والخراب الرهيب إلى الحالة الكارثية التي وصلت إليها سوريا. لقد دُمرت البنية التحتية في الكثير من المدن والمناطق السورية، في ظل غياب أية احتمالات لإعادة عملية بناء ما تدمر، بخاصة أن المجتمع الدولي لم يتفق مبدئياً على كيفية إعادة الإعمار بوجود نظام الأسد الذي لا يزال منبوذاً على الصعيد الدولي، ووجهت إلية قائمة كبيرة من الاتهامات التي تدينه بارتكابه جرائم حرب لا بد من محاسبته عليها، حسب التقارير التي تصدر عن منظمة الأمم المتحدة، وهو متهم أيضاً باستخدام الأسلحة الكيميائية غير مرة.
 اقتصاد منهار وأزمات متفاقمة وإصرار على البقاء
هناك أزمات أخرى كثيرة تعاني منها سوريا لعل أبرزها الحالة الاقتصادية المزرية، وسببها الصراع الداخلي العائلي وسيطرته على الاقتصاد والتجارة، والفساد المستشري في جميع المؤسسات الحكومية، بالإضافة إلى الأزمات التي يعاني منها المواطن كالخبز والوقود وغلاء الأسعار، هذه الأزمات سببها برأيي رفض روسيا إنقاذ الدولة السورية الفاشلة والمفلسة تماماً فيما يبدو أنهم يوجهون بذلك رسائل واضحة للنظام وأركانه، وليست العقوبات الدولية المفروضة كما يبدو للعيان.
أسفرت الأزمات المالية العميقة في سوريا عن تراجع دور الطبقة الوسطى في البلاد، وانضموا إلى من هم تحت خط الفقر، لهذا ارتفعت نسبة هؤلاء ووصلت إلى أرقام مخيفة، وحسب آخر الإحصائيات الأممية، فإن نسبة من هم تحت خط الفقر في سوريا تجاوزت الثمانين بالمئة ما ينذر بخطورة الأوضاع في سوريا. وهذا يؤدي إلى حالة الإحباط العامة لدى السوريين حيال هذا النظام، كما أن حالة الدعم والمساندة لدى الموالين له انخفضت بشكل كبير جداً، ما قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة تجاه النظام، بخاصة في الآونة الأخيرة مع تهاوي الليرة السورية أمام العملات الأخرى، وارتفاع جنوني لأسعار المواد وخاصة الغذائية الهامة والضرورية لاستمرار الحياة.
في الحقيقة إن واقع الحال في سوريا مؤلم للغاية، مع عدم وجود بصيص أمل ينهي هذه المعاناة التي أكملت عامها العاشر، والنظام يصر على البقاء لأكبر مدة ممكنة ولو كان على حساب إراقة الدماء السورية، وهو يستعد منذ الآن لخوض الانتخابات الرئاسية في الشهور المقبلة على الرغم من فرصه الضئيلة بالفوز، لأن الروس قد يحددون الرئيس السوري المقبل في ضوء التصريحات الأخيرة للدبلوماسية الروسية، فهم غير مهتمين ببقاء الأسد أو رحيله بعدما حققوا الكثير من المكاسب في سوريا.
إدارة بايدن.. التحالف مع (قسد) سيستمر ويتعاظم
وعلينا ألا نبعد الدور الأمريكي عن هذه التحديات، وقريباً سنرى بأن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ستدخل معترك الأحداث بقوة، وذلك يبدو جلياً من خلال التصريحات والبيانات قوية اللهجة والواضحة الصادرة من قبل الرئيس الأميركي المنتخب وكبار الشخصيات في إدارته الجديدة في الأيام والشهور الماضية، والدلائل تشير بأن القوات الأمريكية التي تتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية ستبقى لإكمال المهمة، وقد تزيد عديد القوات الأمريكية وعتادها في الفترة القادمة، والمسار العام للسياسة الأمريكية في شمال وشرق سوريا بخاصة وسوريا بشكل عام قد لا يتغير كثيراً بعمومياته، وستستمر السياسة الأمريكية الحازمة طويلة الأمد تجاه النظام وأركانه. والجميع ينتظر الحلول النهائية للأزمة السورية والضغط على النظام والمعارضة، وتهيئة الظروف الدولية الملائمة للخوض في المسار السياسي للحل في سوريا، وإن تركت دون حل ستؤدي حتماً لتفاقم الأوضاع ومزيد من المشاكل على الصعيدين الإقليمي والدولي، مع العلم بأن الوقت ليس لمصلحة أحد، باعتقادي أن في هذا العام ستكون هناك قرارات هامة بالشأن السوري من الممكن أن تحدد الكثير من الآفاق المستقبلية في سوريا.
الإدارة الأمريكية الجديدة ستحتاج لتنشيط الدبلوماسية بشأن حل المعضلة السورية، وهذا ما كان تفتقده سياسة الإدارة الأمريكية السابقة، وجو بايدن وإدارته قادرون على التحرك في مختلف المسارات ومع جميع الأطراف الخارجية والداخلية، وبخاصة مع حلفائها للمشاركة في وضع الحلول التي ترضي كافة الأطراف. لقد عمل المبعوث الأممي الخاص لسوريا غير بيدرسون ما بوسعه للمحافظة على استمرار العملية الدبلوماسية بين الأطراف السورية من خلال اللجنة الدستورية السورية مع أنها كانت ناقصة، حيث غُييبَ ملايين السوريين عن العملية السياسية واللجنة الدستورية (شعوب شمال وشرق سوريا مثلاً)، لكن تلك الجهود وقفت في وجهها الكثير من العراقيل نتيجة التدخلات الإقليمية والدولية من حيث مبدأ “الكل يفكر بمصالحه الخاصة وكيفية تحقيقها”، واستغل هذا الجانب الروس وحققوا ما يمكن تحقيقه في سوريا.
من المفيد أن يسعى المجتمع الدولي بالمساهمة في تنشيط الجهود الدبلوماسية، والعمل من أجل إنهاء معاناة الشعب السوري والتفكر بمصير السوريين ومصالحهم والمضي قدماً في سبيل تحقيق الأهداف المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن الدولي 2254، والجميع يدرك بأن الحلول العسكرية لا تأتي إلا بالخراب والدمار، لذا من الواجب تفعيل المسار السياسي ودعوة كافة القوى الوطنية السورية للجلوس ونقاش الأزمة السورية من كافة الجوانب للحيلولة دون إراقة المزيد من دماء السوريين والتخفيف من معاناتهم.

محاربة داعش والإرهاب أولوية في السياسة الأمريكية
ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها استثمار المزيد من الجهود في الحوار مع روسيا، والسعي للوصول إلى أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها في بناء مستوى مقبول من الثقة بين الجانبين، بخاصة أن مسألة مكافحة الإرهاب قاسم مشترك قد يتفق عليه الطرفان، ومرتزقة داعش في الآونة الأخيرة كان لها ظهور واضح في صحراء المنطقة الوسطى الخاضعة لسيطرة النظام السوري، حيث بات “التنظيم” يشكل خطراً على أمن واستقرار المنطقة وأيضاً تهديداً لبقية المناطق السورية الأخرى، وشمال وشرق سوريا من ضمنها، ومن الممكن عقد اللقاءات بخصوص كيفية التعاون في مجال محاربة داعش.

 

من الأمور التي يجب التوقف عندها أخذ الأوضاع الداخلية في مناطق شمال وشرق سوريا بعين الاعتبار لمواصلة الحملة ضد داعش ومشاركة الأمريكيين فيها، والعمل على إنهاء حالة العداء بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا، ومجلس سوريا الديمقراطية قام بمبادرات عدة تجاه قوى المعارضة السورية وحتى المدعومة من تركيا، لكنها لم تلقَ قبولاً والسبب بكل تأكيد تركيا التي تخلق الذرائع وتقف عقبة أمام أي توافقات بين المعارضة الموالية لها ومجلس سوريا الديمقراطية. وعلى الإدارة الأمريكية الجديدة إعادة بناء الثقة بين الإدارة الذاتية وتركيا، وهي قادرة على لعب هذا الدور وضمان حماية الحدود التي تدعي تركيا بأنها غير آمنة، والحد من التوترات والحروب التي قد لا تكون لصالح أحد، كما أن على الولايات المتحدة لعب دور الوسيط في المحادثات الكردية – الكردية من أجل تحقيق وحدة الصف، على اعتبار أن هناك طرفاً كردياً له علاقات جيدة مع تركيا، ومجلس سوريا الديمقراطية منفتح على جميع الأطراف السورية والخارجية، حتى مع النظام في دمشق فإن المجلس لم يغلق الباب الحوار والنقاش معه حول مستقبل سوريا، على الرغم من أن النظام السوري سد جميع الأبواب للتوصل إلى اتفاقية ترضي الطرفين، وأمريكا قادرة على لعب دور حقيقي في هذه المسألة أيضاً.

لا بد من سياسة دولية جدية للحل في سوريا
وهناك بعض التحديات الأخرى ومنها الأزمة في إدلب التي تخضع بمعظمها لجبهة النصرة وتختلف عن مناطق شمال وشرق سوريا، والقضية التي يجب حلها بشكل كامل المصير المعلق الذي ينتظر الآلاف من معتقلي داعش لدى قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى وجود عشرات الآلاف من عوائلهم وبخاصة في مخيم الهول الذي أصبح يشكل خطراً كبيراً على شعوب المنطقة، وهناك أكثر من خمسة ملايين لاجئ سوري في كل من الأردن وتركيا والعراق ولبنان، وهذه من كبريات المشكلات التي تعترض المجتمع الدولي وآفاق الحل في سوريا.
وفي نهاية المطاف لا بد من القول بأن سوريا التي قاربت أزمتها على دخول عامها الحادي عشر، لم يسعَ المجتمع الدولي حتى الآن بشكل جدي بالتفكير بإيجاد حل سلمي لها، لأنها يرى بأن مصالحه لم تتحقق بشكل كامل على الساحة السورية التي باتت ساحة صراع دولية، وإن لم تتحقق أهدافه ومصالحه فهو يغض الطرف عن كل ما يجري وما قد يحدث في قادمات الأيام. ولأن النظام السوري لم يستطع الفوز وتحقيق الانتصار خلال السنوات العشر الماضية، سعى إلى الاعتماد على مقولة “الأسد أو نحرق البلد” بهدف بقائه على كرسي الحكم حتى لو قتل السوريين جميعاً. لذا على المجتمع الدولي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التغيير من سياساتها المتبعة في سوريا، ولعب دورها بشكل جدي في الحل السلمي والحقيقي بفتح مسارات جديدة والضغط على النظام في دمشق، والعمل على إخراج تركيا ومرتزقتها في الجزء المحتل من سوريا، وإعادة النازحين والمهجرين لديارهم التي أخرجوا منها قسراً، ودعم قوات سوريا الديمقراطية في معركتها ضد الإرهاب، وإشراك المغيبين من السورين في العملية السياسية والدستورية، والاعتماد على القرارات الأممية الخاصة بحل الأزمة السورية، وباعتقادي فإننا لن نجد سورياً واحداً يرفض أن تكون سوريا دولة واحدة ديمقراطية لا مركزية تعددية، يشعر فيها المواطن السوري بالمواطنة الحقيقية.