سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هل جميعنا نرى الألوان بنفس الطريقة؟

لعلك فكرت في هذا السؤال، وهل نشاهد كلنا ما يُسمّى باللون الأحمر بنفس الطريقة؟ وربما حاولت أن تشرح لشخص أعمى ما الذي يعنيه اللون؟
كلنا نستطيع تمييز الألوان, أخضر، أزرق، أصفر وغيرها, ولكن هذا لا يغيّر حقيقة أنّ اللون هو مجرّد وهم, فاللون كما نعلم ليس له وجود حقيقيّ في العالم الخارجيّ كالجاذبية أو البروتون أو غيرها، وإنّما هو موجود فقط داخل رؤوسنا, فأدمغتنا تقوم بتحويل مجالٍ محدّدٍ من الطيف الإلكترو مغناطيسيّ إلى لون, يمكننا قياس وتحديد طول موجة اللون, ولكن لا يمكننا قياس أو تحديد تجربة اللون الذي يفسره العقل, في هذه الحالة, كيف لنا أن نعلم إذا كان شخصان ينظران إلى قطعة فراولة وفي دماغ الأول مفهوم اللون الأحمر هو (1أحمر) أما في دماغ الثاني فالأحمر يعني (2أخضر مثلاً), وفي هذه الحالة بالطبع كلا الشخصين سيدعو اللون الذي يراه بالأحمر كما تعلّم منذ الصغر, ويتواصل مع الآخرين على هذا الأساس, ولن يدرك أيّ منا كم هو مختلف إدراكنا لما يسميه كلانا باللون الأحمر. كلنا نعلم مسبقاً أنّه الأشخاص لا يرون الألوان بالطريقة ذاتها تماماً, وعمى الألوان مثال على ذلك, ولكن هذه الحالة يمكن تشخيصها ومناقشتها لأن الشخص المُصاب بها يفشل بتمييز الأشياء التي يستطيع معظمنا تمييزها. على الرغم من ذلك, يمكن أن يكون هناك طرق نستخدمها للرؤية تسبّب ظهور الألوان بشكل مختلف في ادمغة الأشخاص, بدون أن تؤثر على أدائهم في الاختبارات اللونيّة التي يخضعون لها. إذا كانت القضية كذلك.. ألن يعتقد بعض الناس أنّ ألواناً معينة أجمل من أخرى, أو أن لونين معينين يبدوان أجمل مع بعضهما!؟ بالتأكيد نعم، ولكن هذا يحصل دائما أليس كذلك؟ وهذا مهمّ لأنّه يظهر اختلاف مصطلحات مفاهيمنا العقليّة, ويبيّن كم أنّنا وحيدون داخل أدمغتنا!
لنفترض أنّ أحدنا التقى مخلوقاً فضائيّاً من مجرة بعيدة, وكان لحسن الحظ يتحدث لغتنا, ولكنه لم ولن يتمكن في حياته من الإحساس بالألم! يمكننا أن نشرح للفضائيّ أنّ الألم هو تنبيه ينتقل عبر الألياف العصبيّة إلى الحبل الشوكيّ, يمكن للفضائي أن يتعلم كلّ طريق عصبيّ وكلّ خلية وكلّ عملية كيميائيّة متعلقة بالألم, يمكنه حتى أن ينجح باختبار بيولوجيا متعلق به, يمكنه أن يفهم أنّ الألم هو شيءٌ سيءٌ بالنسبة للبشر, ولكن مهما تعلّم الفضائيّ, لن يتمكن على الإطلاق من (الإحساس) بالألم.
يدعو الفلاسفة هذه الإحساسات الأساسية بـ qualia وعدم قدرتنا على ربط الظواهر الفيزيائيّة بهذه الإحساسات هي سبب عدم قدرتنا على شرح وتفسير إحساساتنا الأساسيّة لغيرنا, وهذا يدعى بالـ explanatory gap أو فجوة التفسير, تتجسّد هذه الفجوة عند محاولتنا شرح ماهيّة اللون لشخص أعمى طوال حياته. وكمثال يشرح لنا أحد الأشخاص الذي لم يتمكن من الرؤية في حياته عن الألوان, وكم يبدو مفهوم اللون غريباً بالنسبة له, يحاول الأشخاص المبصرون أن يشرحوا له مثلاً أنّ اللون الأحمر ساخن, واللون الأزرق بارد, و لكن بالنسبة لشخص لم يرَ في حياته أيّ لون يبدو هذا الشرح غريباً! و كما يقول هو, لم يتمكن في حياته من فهم أو استيعاب اللون.
بعض الفلاسفة مثل دانييل دينيه يفسّر أن الإحساسات الأساسيّة – qualia يمكن أن تكون خاصّة وغير قابلة للوصف فقط بسبب فشل لغتنا عن التعبير عنها, وليس لأنّها بالضرورة غير قابلة للوصف والتعبير و المشاركة مع الغير, يمكن أن يكون هناك مخلوقات فضائيّة معينة تتواصل بطريقة ما تسبب ظهور اللون في دماغ الشخص الآخر بدون الحاجة لتدخّل شبكية العين, أو بدون الحاجة لأن تكون قد رأيت اللون مسبقاً, وحتى بلغاتنا, يمكن يوماً ما أن نتوصل لشرح اللون عن طريق الملايين من الكلمات الدقيقة التي قد تساعد شخص أعمى على استيعاب لون ما للمرة الأولى! وفي وقتها يمكن حقاً معرفة إذا كان مفهوم الأشخاص عن لون معين هو نفسه, وإذا كنا أنا وصديقي نرى اللون الأحمر نفسه.
ولكن حتى الآن يبقى هذا لغزاً كبيراً, وليس لدينا أيّة طريقة لإدراك إذا ما كان اللون الأحمر هو نفسه عندي وعندك! وربما يوماً ما ستسمح لنا لغتنا بمشاركة واكتشاف هذا, وربما لا. في النهاية, نحن وحيدين بإدراكنا, وحيدين بعقولنا, يمكنني أن اتفق معك أن الشُوكُولاَتَة جداً لذيذة, ولكن لا يمكن أن أدخل لعقلك واعرف كيف هو طعمها بالنسبة لك, ولا يمكن أن أعرف هل ترى اللون الأحمر متل ما أنا