سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هل بإمكان أدمغتنا تذكّر أحداث لم تحصل في الماضي؟

رُبّما، على الأقلّ كما تخبرنا آخر الدّراسات في علم النّفس والإدراك.
منذ منتصف التّسعينات من القرن الماضي، تكدّسَ لدينا مجموعٌ هائل من الدّراسات والأبحاث التي فسّرَت الآليّات وراء اختلاق ذاكرتنا لأحداث لم تحصل أبداً.
في العام 1995، نشرَ الباحثين لوفتوس وجاكلين بيكريل (Pickrell 1995) نتائج دراستهما الشّهيرة والتي عُرفَت لاحقاً بإسم “تذكّر الضّياع في المجمّع التّجاري – Being Lost in the Mall”. وفي هذه الدّراسة، والتي اشتملت على 24 مشترك، تعاون الباحثون مع أفراد عائلة المشتركين لكتابة توصيف لـ 4 أحداث مرتبطة بطفولة المشترك. وكانت ثلاثة من هذه الأحداث حقيقيّة، ولكنّ الحدث الرّابع كان قصّة مختلقة عن ضياع المشترك في مجمّعٍ تجاريّ.
بالإمكان تلخيص القصّة المختلقة كالتّالي: في سنّ الخامسة أو السّادسة، ضاع الطّفل لمدّة طويلة في مجمّعٍ تجاريّ، ما أثار قلقه ودفعه للبكاء. ولكن في آخر المطاف تمّ إنقاذه من قبل شخص عجوز، وفي النّهاية اجتمع أخيراً بعائلته. (لا بُدّ أن نذكر أنّ أفراد العائلة أكّدوا أنّ تجربة كهذه – ضياع المشترك في مجمّعٍ تجاريّ – لم تحصل أبداً).
بعد قراءة توصيف الأحداث الأربعة، كتب المشتركون التّفاصيل التي باستطاعتهم تذكّرها عن كلّ واحدٍ من هذهِ الأحداث. بعد ذلك بأسبوعين، تمّ استدعاؤهم لمقابلة، وفيها طلبَ منهم أن يصرّحوا بكلّ ما بإمكانهم تذكّره عن الأحداث الأربعة. بعد ذلك بأسبوعٍ أو أسبوعين، تمّ استدعاء المشتركين للمرّة الثّانية، وطلبَ منهم التّصريح بكلّ ما باستطاعتهم تذكّرَهُ عن الأحداث. بعد المقابلة الأخيرة، تبيّن أنّ 6 من بين الـ 24 مشترك اختلقوا تصوّراً كاملاً أو جزئيّاً لضياعهم في المجمّع التّجاريّ.
وأمّا أثر الذّاكرة المختلقة، فلقد وصل إلى حدّ أنّ بعضهم عانى من ألمها في ذاكرتهم، لدرجة أنّ أحد المشتركين صرّح: “ما زلت أذكر بصورة تامّة المشي في حجرة تبديل الملابس واكتشافي أنّ أمّي ليست في القسم الذي قالت أنّها ستكون فيه. التقنيّة البحثيّة التي تعتمد على معلومات من قبل أفراد العائلة لاختلاق أو استثارة ذاكرة خاطئة عن تجارب أيّام الطّفولة تُسمّى الآن بتقنيّة “الضّياع في المجمّع التّجاريّ – Lost-in-the-mall technique”. عن طريق دفع المشتركين لتذكّر أحداث حقيقيّة مع أحداث مختلقة، استطاع الباحثون خلق ذاكرة خاطئة لعددٍ كبيرٍ من الأحداث المختلفة. فمثلاً، في دراسة مماثلة لناش وهيبس (Heaps & Nash 2001)، استطاع الباحثون أن يدفعوا بعض المشتركين للاعتقاد أنّه تمّ إنقاذهم من غرقٍ مُحتّم من قبل المنقذ في أيّام الطّفولة. ومن الواضح، إذا، أنّ الأبحاث أظهرت أنّ باستطاعة البشر تطوير معتقدات وذاكرة لأحداث لم تحصل أبداً في حياتهم. أحد العوامل التي تلعب دوراً هاماً في خلق الذّاكرة الخاطئة هو قوّة الخيال. وببساطة، تخيّل الماضي بشكلٍ مختلف عن ما كان سيغيّر كيفيّة تذكّرك إيّاه. عدّة دراسات أظهرت أنّ تخيّل حدث معيّن بزهاء يزيد بشكلٍ ملحوظ ثقتنا بأنّ هذا الحدث حصل في أيّام الطّفولة، وهو أثرٌ معروف باسم “انتفاخ الخيال – Imagination inflation” كيف بإمكان تخيّل حدث معيّن – حدث لم يحصل أبداً – أن يخلق ذاكرة قويّة ومقنعة شخصيّاً؟ هنالك عدّة عوامل والتي من الممكن أن تلعب دورها في هذا الباب. بداية، تخيّل حدث معيّن بتكرار يجعل من الحدث مألوفاً أكثر. والنّاس بعد ذلك يسيؤون تفسير هذا الإحساس بالألفة على أنّه دليل على أنّ الحدث حصلَ فعلاً. ثانياً، بالإضافة إلى إحساسنا المتزايد بالألفة، النّاس غالباً ما يمرّون بتجربة تُسمّى بارتباك أو التباس المصدر – Source Confusion. وهذا يعني أنّه من الممكن أن يحصل التباس في الدّماغ بخصوص إذا كانت الذّاكرة المستردّة تعود في مصدرها إلى حدثٍ حقيقيّ أو حدثٍ مُتخيّل. ومع الوقت، قد يعزو النّاس – بشكلٍ خاطئ – تذكّرهم لتخيّل الحدث المختلق على أنّه تذكّرٌ لحدثٍ حقيقيّ وواقعيّ.
ثالثاً، كلّما كانت تجربة التخيّل أكثر زهاء وأدقّ من حيث التّفاصيل، كلّما زادت احتماليّة أن يخلط النّاس الحدث المُتخيّل على أنّه حدثٌ حقيقيّ.
من الممكن للتّفاصيل الشّعوريّة والإدراكيّة الزّاهية المرتبطة بالأحداث المتخيّلة أن تعطينا شعوراً أقوى بأنّها قريبة من الأحداث الحقيقيّة.
من الواضح، إذاً، أنّ تلاعبات بسيطة مثل تمارين الاقتراح والتخيّل بإمكانها زيادة عرضتنا لتذكّر أحداث لم تحصل أبداً. ولكن في النّهاية، لا بدّ لنا أن نذكر أنّه في الواقع ذاكرة البشر غالباً ما تكونُ دقيقة، خصوصاً عندما يتعلّقُ الأمر بعصارة الأحداث التي حصلت في حياتنا.
عندما تتعرّض ذاكرتنا للتّحريف أو التّشويه غير المتعمّد في حياتنا اليوميّة، فهذه التّجربة غالباً ما تكون محدودة في عددٍ قليل من المعلومات. مع ذلك، السّهولة المُفاجئة التي تميّزُ تشويه بعض صور الذّاكرة قد تكون مقلقة في بعض الأحيان. فمن الممكن للذّاكرة الخاطئة والمشوّهة أن تشعرنا بأنّنا نتصوّرُ أحداثاً حقيقيّة وواقعيّة.