سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هل الروس صادقون في أقوالهم؟!

نوري سعيد –

في الوقت الذي كانت الأطراف كافة تطالب بضرورة انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا، كانت روسيا تصر على البقاء بحجة إنها موجودة بطلب رسمي من النظام، فما الذي تغير وماذا جرى، حتى يصرح الرئيس بوتين قبل أيام بضرورة انسحاب القوات الأجنبية كافة من سوريا بما فيها القوات الروسية, هل روسيا جادة بالفعل على الخروج من سوريا، وهل شعر بوتين بعد فوات الأوان إن روسيا أصبحت تغوص أكثر في المستنقع السوري؟ وإنه إذا استمر؛ فإن الخروج سيغدو أكثر صعوبة مما كان، أم إن التصريح جاء بعد إسقاط الطائرة الروسية من قبل سلاح الجو الإسرائيلي، وبدت روسيا عاجزة حتى على الرد. إن المرات العديدة التي استخدم فيها الروس حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن كان عاملاً أساسياً لاستمرار الأزمة السورية، وسبباً في كل ما حصل فيها من دمار وتهجير وكوارث وأهوال. إن روسيا وأمريكا وتركيا وإيران تتصرف في سوريا وكأن الأمر يعنيهم فقط، دون أي اعتبار للشعب السوري، أو حتى للنظام السوري أو للائتلاف أو غيرها من المعارضات التي صدقت نفسها بأنها هي من تمثل السوريين. وطبعاً هذا أمر غير مقبول ولم يحصل في أي دولة من دول الربيع العربي. إن الحراك الشعبي الذي انطلق عام 2011 جاء رداً على الأوضاع المعيشية السيئة التي كان يعاني منها الشعب ورفضاً لتسلط الأجهزة الأمنية على رقاب المواطنين، وكبت الحريات العامة ؛لهذا كان الشعار الذي رُفِع في بداية الحراك “الموت ولا المذلة” في ظل التسلط والديكتاتورية التي كانت تمارس بحق المواطن السوري. ولهذا؛ لا يمكن للشعب أن ينتقل من مذلة النظام إلى مذلة الدول الكبرى بأي شكل من الأشكال؛ لأن الشعب السوري هو أيقونة شعوب المنطقة من دون منازع ومن الإجحاف أن يحصل له كل الذي حصل على يد الدول الكبرى، وبخاصة روسيا التي ساندت النظام وهي تتحمل الجزء الكبير عن كل ما جرى على الأرض السورية، وبعد كل هذا تريد الآن أن تجمل صورتها.
إن الشعب السوري لم يعد يثق بالأقوال، بل يريد أفعالاً بعد مضي أكثر من سبع سنوات على أزمته وإذا كان الرئيس بوتين صادقاً فلماذا لا يبدأ بالانسحاب، وهو الذي وقع اتفاقاً مع النظام يمتد لخمسين سنة قادمة، وحتى يثبت للشعب السوري والأطراف الأخرى مصداقية أقواله لا بد أن يقدم أيضاً على إغلاق قاعدة حميميم وإفراغها ومغادرتها، حتى لا تتحول إلى مسمار جحا بالنسبة للروس، عندها فقط سوف يثبت الروس أن لا نوايا لهم في البقاء في سوريا وسوف تلقي الكرة في ملعب الأطراف الدولية الإقليمية الأخرى، المهم أن تبرئ روسيا نفسها.
إن بقاء الأوضاع في سوريا على ماهي عليه قد تجعل من سوريا خطراً على السلم والأمن الدوليين نظراً لكثرة الفصائل المقاتلة على الساحة السورية وإمكانية انتقالها إلى الدول الأخرى، وتحول الساحة السورية إلى ساحة صراع دولي وإقليمي بحت. ومن هنا لا بد أن تقوم الأمم المتحدة بدور أكثر فاعلية من خلال مبعوثها الأممي دي مستورا، والضغط على الدول المعنية بالأزمة للوصول إلى حل يرضي الأطراف كافة ضمن إطار وحدة الأراضي السورية وسيادتها الوطنية؛ لأن سوريا كانت ولا تزال عضوة في المنظمة الدولية ودولة ذات سيادة ووزن في المنطقة. ولهذا؛ يجب بناء سوريا جديدة ديمقراطية لا مركزية وتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية فيها، وتشكيل حكومة تشاركية وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تحت إشراف دولي، وكتابة دستور جديد جامع لجميع السوريين، وإعادة هيكلة الجيش والأمن والمؤسسات وهو الطريق السليم لحل الأزمة، وما عدا ذلك هو دوران في حلقة مفرغة واستمرار للأزمة سواءً خرجت روسيا أم لم تخرج.