سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هدوء ما قبل العاصفة

بدران الحسيني –
يتوسَّع هامش التخمينات والافتراضات والاسترسال في التحليل السياسيّ بعد الهدوءِ الذي شهدته ساحةُ المعركة وانجلاء الغبار عن المتناطحين على الساحة السوريّة لتتضح أبعاد الأزمات الدوليّة المتشابكة التي يُراد أن تُحلّ وتُعالج على الأرض السوريّة وعلى حساب السوريين بغض النظرعن أوجاعهم ومآسيهم وآلامهم؛ حيث أنّ المآخذ التي يدّعيها كلّ طرف على الطرف الآخر يُرادُ لها أن تُحلُّ بالعمل العسكريّ ــ رغم أهميته في بعض الأحيان ــ إذ لم يأتِ بأدوية ناجعة، فما بلغت درجة المسكّنات، حتى تصل إلى حدود ومستوى القضاء على (الفيروسات) المصطنعة في مستنبتات خاصة في ترابورا والعراق برعاية دوليّة وإقليميّة واحتضنتها تركيا، وتمّ ضخّها في البيئة السوريّة، فسَرَت وتغلغلت في أنحاء الجغرافيا السوريّة حيث توفرت لها مغريات كثيرة جداً.
كلّ الأطراف تجنح إلى اللعب والتعامل بالدهاء السياسيّ والتخطيط على المدى البعيد، وتقيم التحالفات السياسيّة والاصطفافات تبعاً لمتغيرات المشاهد المصلحيّة الآنيةً والفوريّةً، وتتخذ مواقفها حسب الرغبة والحاجة لممارسة أقصى درجات الضغوط السياسيّة والابتزازات الرخيصة على فريقٍ معيّنٍ على الأرض السوريّة والتي أصبحت ساحة للتنافس وميدان لإيجاد المحاصصة وحلولٍ أقرب للتسوية تُرضي الأطراف المتحاربة.
مشهدُ السياساتِ الدوليّة التي ترتسم على خارطة العالم والجغرافيا السوريّة مروراً بكلِّ قضايا العالم، يمثل إسقاطَات إحداثيّة على الجغرافيا الوطنيّة لتتسبب بآلام الشعوب السوريّة، فيما الحديث عن أمل بحلٍّ بعيدٌ عن المعطياتِ والدلائل الحسيَّة ومبالغٌ فيه، وهي مناورات بذريعة إيجادِ حلٍّ سياسيّ يناسب المعادلة المستحيلة الحلِّ في سوريا وفي مسعىً لإرضاء كلِّ الأطياف والمكوّنات، ولكنها واقعاً رهاناتٌ ومشاريع وهميّة لا تمتُّ إلى الشعوب السوريّة، وليس لها حواضن ولا منصّات بين شعوب المنطقة.
كما حصل في الإعلان الشكليّ عن مناطق خفض التصعيد، واليوم الحديث عن كتابة دستورٍ جديدٍ لسوريا والدعوة إلى اجتماعات آستانه وسوتشي وغيرهما من الأسماء والفبركات والتوليفات التي لا تنمُّ بعد التدقيق فيها والتمحيصِ إلّا على مصالحَ دوليةٍ تحافظ على تدفُّق الثروات من سوريا، رغم أنّ الحل بيِّنٌ وواضح للدول والقوى الكبرى لكنَّهم يستخدمون في ذلك سياسة (الغميضة) تجاه هذا الحلّ والذي يكمنُ في المشروع الديمقراطيّ باعتباره الطرح الوحيد الذي يصلح ليكون حلاً جذريّاً للمعضلةِ السوريّة المستحيلة الحلّ منذ أكثر من سبع سنوات؛ المشروع الذي طرحته الإدارة الذاتيّة والذي أعلنه مجلس سوريا الديمقراطيّة في بيانه الختاميّ بعد مؤتمره الاعتياديّ الثالث، وهو مشروع الديمقراطيّة التعدديّة اللامركزيّ الذي يحتضن الكلَّ بلا استثناء، واليوم يُوضع على الطاولة أمام المتبارزين على دماءِ الشعب السوريّ.
من المسلمات المؤكّدة أنّ هذا المشروع يصلحُ لإنقاذ سوريا من الغرق أكثر فأكثر في بحور الدماء إلا أنّ المشكلة ربما تكمن في ربيبة الدولة التركية ممن لاذوا بقاربها وهم الإرهابيون الذين تمّ تجميعهم في إدلب والباب وبُدّلت عماماتهم بالطرابيش العثمانيّة، وكيفيّة البحث عن حلٍّ يُرضي مركزَ الإرهابِ تركيا، ولا ننسى الصمتَ الإيرانيَّ الذي إن دلَّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على غليانٍ هائلٍ سيُحدِثُ انفجاراً كبيراً في المنطقة رغم ما يُقال في الإعلام عن فرضِ العقوباتِ عليها والتهديداتِ المتبادلةِ بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكيّة التي كادت أن تخرجَ من حدود اللباقة السياسيّة، فإيرانُ الضاربةُ جذورَها في المنطقة والتي دفعت ضريبة الدم وفتحت الطريقَ من طهرانَ إلى البصرة إلى جنوب لبنان لا يمكن لها أن تبقى مكتوفةَ الأيدي تجاه محاولاتِ كفِّ يدها عن المنطقة ولديها ما يكفيها من الأوراق لتلعبها ــ في هذه اللعبة الدوليّة التي يبحث الكلُّ فيها عن مصالحه ــ لتُحدِثَ تغييراتٍ هائلةً في المعادلاتِ الحاصلة على أرض الواقع بخاصةٍ وأنَّ إسرائيل دخلت على الخط في الجنوب السوريّ وأولى هذه الأوراق هي استخدامُ حزبِ الله في ضربِ العمقِ الإسرائيليّ وآخرها تهديدُها بإغلاقِ مضيقِ هرمز أمام تدفقِ النفطِ وهي الورقةُ التي إذا ما تجرَّأت إيرانُ واستخدمتها ستكونُ بمثابةِ إعلان حرب أو لعبة الدومينو الشرق أوسطيّة ما ينبئ يسقوط دولة أو دولٍ عديدة.