سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نيلسون مانديلا…مجرد التخلص من القيود؛ لا يعني أنك حُر

إعداد/ عبدالرحمن محمد –

قد لا يكمن الحظ في الثروة والمال؛ ولا في الجاه ولون البشرة ومكان الولادة، إنما في أمور أخرى قد تأتي حتى  بالصدفة، أو إن فكرة ما يتم اصطياده في خضم ما يراود المرء من سيل الأفكار، ويتم العمل عليه، والسعي إلى تحقيقه، ولا شك إن الأفكار العظيمة كثيراً ما تقترن بتضحيات عظيمة. ولعل نيلسون مانديلا يكون من بين الشخصيات العظيمة التي ظهرت في القرن العشرين، ومن أكثره الشخصيات التي أثارت النقاشات والجدل في العالم، حتى بات أشهر من نار على علم كما يُقال.
ولد مانديلا في 18 تموز 1918 في “مفيزو” بجنوب أفريقيا، في وقت كانت فيه الصراعات العرقية والفصل والتمييز العنصري طاغياً في جنوب أفريقيا وسواها.
 كان والده “جادلا هنري مفاكانيسو” رئيساً لقبيلة ماديبا وتوفي ومانديلا ابن تسع سنوات، دخل مانديلا المدرسة الابتدائية ثم انضم إلى مدارس الإرسالية، ولتفوقه التحق بكليّة فورت هاري لدراسة الحقوق، وطُرِد منها لنشاطاته الاحتجاجية، ليُكمل دراسة الحقوق بالمراسلة في جوهانسبورغ، وتزوج مرتين ورُزق من زوجتيه بأربعة أولاد وبنتين.
تأثر مانديلا كثيراً بفكر ومبادئ المهاتما غاندي، وفلسفته في نبذ العنف والدعوة للسلم، وساهمت مفاوضاته في أوائل التسعينيات مع رئيس جنوب أفريقيا فريديريك ويليم دي كليرك في إنهاء نظام التمييز العنصري في البلاد، وبدء الانتقال السلمي إلى حكم الأغلبية، ونتيجة لذلك، حصل مانديلا ودي كليرك على جائزة نوبل للسلام عام 1993، وكان أوّل رجل قومي ورئيس من العرق الأسود ترأس البلاد منذ عام 1994 إلى عام 1999.

نشط حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي انضم إليه مانديلا عام 1942 في حملةٍ عُرفت بـ “حملة التحدّي”، تنقّل مانديلا خلالها في البلاد محرّضاً على مقاومة التمييز العنصريّ، وتحولت الحملة إلى حركة شعبية واسعة، فأصدرت السلطات حكماً بسجنه مع وقف التنفيذ عام 1956 مع 150 شخصاً آخرين اُتهموا بالخيانة بسبب دعوتهم السياسية، كما مُنع مانديلا من مغادرة جوهانسبرغ لستة أشهر. وقد شارك مع حزبه عام 1950 في إضراب ضد قمع الشيوعيّة.
أصبحت لمانديلا وحزب المؤتمر قاعدة شعبية واسعة، وعندما أُعلنت جنوب افريقيا جمهورية للبيض عام1962، دعا مانديلا جميع المنظمات الدولية إلى مقاطعة الحكومة، فكانت ردة فعله عنيفة وعنصريّة، ما دفع مانديلا للاختفاء والعمل في السر حيث  سافر إلى بوتسوانا وتنزانيا ومصر والجزائر والمغرب، ثمّ اتجه إلى بريطانيا، وإثيوبيا، وعاد بالدعم إلى جنوب إفريقيا. وحين وصل إلى البلاد، ألقت الحكومة القبض عليه عام 1962، بتهمة التحريض ومغادرة البلاد بطريقة غير شرعيّة، وصدر عليه الحكم بالسجن خمس سنوات. وفي السنة نفسها حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في محكمة ريفونيا بتهمة الأعمال التخريبيّة، والسعيِ إلى قلب الحكومة بالعنف، وأجرى بعض الحوارات مع شخصيات سياسيّة، ورفض الخروج من السجن المشروط بتخلّيه عن الكفاح المسلّح مع حزبه. وفي عام 1990 أُطلق سراحه من دون أية شروط، بعد أكثر من 27 عاماً في السجن.
فور خروجه من السجن بدأ مانديلا المفاوضات مع رئيس الجنوب الأفريقي دي كليرك لإنهاء التمييز العنصري. وفي عام 1994، أجرت جنوب أفريقيا أول انتخابات ديمقراطية، وانتُخب حينها مانديلا رئيساً للبلاد، ليكون أوّل رئيس من العرق الأسود لجنوب أفريقيا، عن عمر يناهز 77 سنة، وكان دي كليرك نائبه الأول.
منذ عام 1994 حتى 1999، عمل الرئيس مانديلا على تحقيق الانتقال من حكم الأقلية والتمييز العنصري إلى حكم الأغلبية السوداء. وفي عام 1996 وقّع مانديلا على دستور جديد للأمة، مؤسّسًا حكومة مركزية قوية مبنية على حكم الأغلبية، وتضمن حقوق الأقليات وحرية التعبير.
أصيب مانديلا عام 2001 بسرطان البروستات، وأعلن اعتزاله العمل السياسي والخيري وهو يناهز الـ85 سنة، وظل ملتزماً بقضية محاربة مرض الإيدز وغيرها من القضايا كتعزيز السلام ومساواة المرأة بالرجل والقضايا المتعلقة بالأزمات الإنسانية، وحصل على العديد من الجوائز والأوسمة الدولية، وكان سفيراً للنوايا الحسنة عام 2005، وشُيّد له تمثال في ميدان البرلمان في لندن عام 2007.
توفّي مانديلا في الخامس من كانون الأول عام 2013 في منزله في جوهانسبرغ عاصمة جنوب أفريقيا، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عاماً، ليودع العالم شخصية نالت التقدير والكثير من الاحترام لما قدمه للإنسانية جمعاء.