سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نهاية التاريخ

محمد داوود داوود –
فرانسيس فوكوياما كاتب ومفكر أمريكيّ من أصل ياباني كان يعمل عام 1989م خبيراً في مركز الأبحاث التابع لوزارة الخارجية الأمريكية. يعد من أهم مفكري المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكيّة اشتهر بكتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» الذي قام بتأليفه بعد سقوط وانقسام الاتحاد السوفياتيّ، ويبدو أنّه عدّل فيما بعد بعض أفكاره وآرائه ومواقفه السياسيّة.
في عام 1989م نشر في دوريّة «ناشيونال إنترست» مقالةً دوّت عالياً في تاريخ التنظير السياسيّ المعاصر، وكتب تحت عنوان «نهاية التاريخ» يقول: «إنّ تاريخ الاضطهاد والنظم الشموليّة قد ولّى وانتهى بغير رجعة مع انتهاء الحرب الباردة وهدم سور برلين، لتحلّ محلّه الليبرالية وقيم الديمقراطيّة الغربيّة».
وفيما يتصل بالمصلحة القوميّة اليمينيّة المعروفة ذهب فيها مستنداً إلى فلسفة هيغل في سيرورة التاريخ وصيرورته ونيتشه والإنسان الأخير إلى أنّ الرأسماليّة انتصرت في صراع الأفكار والنظم ووصل القطار إلى هدفه فانتهى التاريخ بالمعنى الهيغليّ.
وخلال عدة أشهر تحوّل فوكوياما لـ39سنة آنذاك إلى مفكّر اليمين الجديد بالولايات المتحدة وكثرت كتابات التأييد له كما سارع مفكرون أوروبيون معتبرون إلى مهاجمته باعتباره رجعياً أو خيالياً أو سطحياً في فهم هيغل ونيتشه على حد سوء وتجدد النقاش حول أطروحته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوحد ألمانيا واستعلاء دعوات الديمقراطية واقتصاديات السوق عبر العالم استجاب هو من جانبه لهذه الشهرة المفاجئة فقام بالتأسيس لأطروحة في كتاب ضخم مطلع العام 1992م.
وربما كان الربط بين نهاية التاريخ والنظام العالمي الجديد قد تم بالمصادفة في البداية لكن ممارسات رواد النظام العالمي الجديد من جهة والآثار التي لحقت الاتحاد السوفيتي من جهة ثانية جعلا الربط محكماً ولا شأن لهيغل ونيتشه به إلا بقدر علاقة حقوق الإنسان والديمقراطية بالشركات الاحتكارية الضخمة في النظام الرأسماليّ.
يقول ألن ريان: «إنّ قرَّاءً آخرين على معرفة بأعمال هيغل وماركس ونيتشه وغيرهم يدركون أن ما قصده فوكوياما لم يكن التاريخ بمعنى القصة المملوءة بالأشواق والأشواك والتي لا معنى لها كما يرويها راوغبي ولكن ما قصده هو التاريخ ككل لقد كان استغرابهم من ردود الفعل التي أثارها وتذكروا إعلان هربرت ماركوس حول نهاية العقيدة لسنوات عدة خلت».
إن فوكوياما يعترف بأن القصة التي يرويها هي قصة عتيقة فمؤلفها هو ألكسندر كوجفينوف وهو فيلسوف مهاجر يعرف باسم الكسندر كوجيف والذي بدأ في منتصف 1930م يحاضر في طلاب معهد الدارسات العليا حول حول نهاية التاريخ وهي الأطروحة التي نسبها إلى نفسه والتي يأتي اليوم فوكوياما ليُعمِّمها مع بعض تعديلات من عنده.
كان كوجيف ماركسيّاً ولكنه أمضى سنوات ما قبل الحرب يعمل من أجل مجد الرأسماليّة ومن أجل ازدهار الدولة الرأسماليّة في وزارة الشؤون الاقتصاديّة الفرنسيّة ثم كموظف أسهم في المجموعة الأوروبيّة تُوفي كوجيف في بروكسل عام 1968م.
ليست «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» مجرّد إعادة تسخين لدراسات كوجيف وليست مجرّد قصة منتفخة زهواً إنه كتاب يعالج عدداً كبيراً من الأسئلة: من الاختلافات بين عادات العمل بين الأمريكيين واليابانيين إلى التطلعات الوطنية في أوروبا الشرقية حتى نماذج المجتمعات المتخلفة مثل مظاهر التداخل الاقتصادي للتاريخ ومن السهل تلخيص كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير وهذا ما يفعله فوكوياما بشكل جيد في مقدمته لقد انتهى التاريخ من حيث أنَّه لم يعد يوجد هناك مجال لمعارك أيديولوجية كبيرةـ إن الليبرالية الديمقراطية لم تنتصر فقط ولكنها ببساطة هي الموجودة وهي كل ما يمكن أن يكون موجوداً وواقعياً لم يعد هناك مجال للنقاش حول الأصوليات.
لقد تحقَّق ما دعاه كوجيف «الدولة العالميّة المنسجمة» وهي الليبراليّة الديمقراطيّة. وهناك سببان لانتصارها الأول: أنّ تطور العلوم وقدرتنا المتزايدة للسيطرة على الطبيعة يعنيان أن المجتمعات المؤثرة تقنيّاً تسيطر على المجتمعات غير المؤثرة. إنَّ جانباً من تقنية السيطرة على الطبيعة تكمن في التنظيم الجيد فالسوق والمؤسسة الرأسمالية والوسيط الرأسمالي أثبتت كلها أنّها عوامل فاعلة في التنظيم وهذا معروف اجتماعيّاً وبشكل وجهي العملة لماكس فيبر. مع هذا فإنّ ذلك لا يكفي لتفسير كيف تحقّق التنظيم العصريّ للاقتصاد أو كيف انتهى إلى الديمقراطيّة.
العامل الثاني: هو المضمون غير المعقول للتصرف الاقتصاديّ الذي لا تشرحه سوسيولوجية ماكس فيبر وهو البحث عن الاعتراف فنحن لا نريد أن نشبع حاجاتنا في الغذاء والسكن والرفاهية فحسب، إننا نريد بعزم أشدّ أن نجعل من أنفسنا شعباً يُعتدُّ به، جلس آخيل مقطب الوجه داخل خيمته عندما فشل الجيش الأثينيّ في اقتحام صفوف الطرواديين ليس لأّنَّ الأسيرة بريس كانت مهمة كمادة للاستهلاك ولكن لأنّه فقد ماء الوجه بتسليمها إلى آكاممنون.
إنّ البشرية مشدودة برغبة الاعتراف والتماهي أكثر من رغبات رفع مستويات المعيشة والسلطة الطبيعيّة تميل نحو مشاعر الهيمنة أكثر من ميلها نحو الحسابات الاقتصادية. إن مجتمعاً مثل مجتمعنا يترنَّح في الحسابات الاقتصادية هو نتاج تاريخ كانت تقوده أساساً مطالب الاعتراف.
وليس لأنَّنا نقرأ التاريخ جيداً فإننا على ثقة بأن التاريخ لن يبقى إلى الأبد بصيغته الأمريكية ولا بدَّ أن تظهر فيه قوى لها قدرة الفعل التاريخي فتُغيِّر مساره ولكن الأمل كلَّ الأمل أن تتنبَّه البشريةُ جمعاء إلى هذه النقطة وتُجدِّد التاريخ قبل أن تأتيَ قوةٌ لا نعرف هل ستخدم التاريخ أم ستجعل التاريخ يخدمها.