سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نـجم الدين ملا عمر «سنعمل لتحقيق الفيدراليّة والتعدديّة ووحدة سوريا»

حاوره/ نزهان محمد –
أضحى الشعب السوريّ بكل أطيافه فاقداً لبوصلتَه التي ترشده الى سُبل الحلّ السياسيّ للأزمة؛ لأنّه فَقَدَ مفاتيح التحوّل الديمقراطيّ منذ أن اُغتصِبتْ أحلامُه واُعتديَ عليها من قبل بعض النُّخب التي روّجت للحرية وسلّمت فيما بعد مصيره لمقتلةٍ إقليميّة وقوىً طامعةً في الجغرافيا السوريّة، قوىّ تسعى الى إطالة الأزمة السوريّة لتحصل على أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب على الأرض.
حول المشكلة السوريّة واستعصاء إيجاد الحلول لها وكيفية الانتقال إلى مجتمع ديمقراطيّ حرّ ولتسليط الضوء ومعرفة المزيد عما يجري في الشمال السوريّ وسورية عامة أجرت صحيفتنا حواراً مع السكرتير العام للحزب الشيوعيّ الكردستانيّ نجم الدين ملا عمر:
ـ ما هي رؤيتكم لآخر الأوضاع والمستجدات على الساحة السوريّة في هذه المرحلة؟
يبدو أنّ الساحة السوريّة باتت أكثر تعقيداً من السابق بفعل التدخّلات الإقليميّة والدوليّة، فعندما يتحكم بالمصير السوريّ قوى تنهش في الجغرافيا السوريّة فإنّ الأمور تذهب شيئاً فشيئاً باتجاه التعقيد أكثر فأكثر، وذلك بسبب التفاهمات والاتفاقيات التي تجري علناً بين الدول المهيمنة على المسار السياسيّ والعسكريّ في سورية فأضحت كلٌّ من تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة الأمريكيّة مع حلفائها يسيّرون القضية السوريّة حسب مصالحهم ورؤيتهم للتوازنات. لذلك فقد بات لكلِّ واحدٍ منهم الدور المنوط بهم وليتم تنفيذه بالاتفاق فيما بينهم ودون الضرر بالمصالح المشتركة لأي واحدٍ منهم.
الأوضاع السياسيّة في سورية متشابكة جداً وبات السوريون أمام نفق مظلم بسبب هذه التدخلات وباتت الخيارات محدودة لديهم، وهذا يعود إلى عدم وجود معارضة وطنيّة ديمقراطيّة حقيقيّة تملك القرار الحقيقيّ المستقل، فالمعارضات الموجودة هي معارضات شكليّة مموّلة ومستوردة وتابعة لإرادة كلٍّ من تركيا وقطر ودول الخليج ويتمّ من خلالهم كما حدث في عفرين خلط الأوراق وتأزيم الوضع أكثر. ونستطيع أن نقول: إنّ الساحة السوريّة الآن هي ساحة صراع من أجل المصالح ليس إلا، وفُقدت الثورة السوريّة جميع المبادئ والمرتكزات التي صاغتها في شعارات الكرامة والديمقراطية والحريّة التي نادت بها في البداية.

ــ توغلت القوات التركيّة في باشور كردستان، وهي تحتل مناطق من سورية أمام مرأى المجتمع الدوليّ الصامت تجاه ذلك، بما يُفسرُ هذا الصمت الدوليّ حيال التصرّفات التركيّة؟
لا يختلف اثنان أنّ النظام التركيّ الحالي هو امتداد للأنظمة التركيّة السابقة تلك الأنظمة التي تشكّل كلمة الكرديّ لديهم عقدة فالترك ومنذ تشكيلهم لكيانهم وضعوا الشعب الكرديّ في خانة الأعداء التاريخيين لهم، وعندما نتصفح التاريخ ونعود إلى الوراء قليلا ً نرى ما جرى في حلف بغداد واتفاقية الجزائر وصولاً إلى معاهدات لوزان وسيفر إلى هذه اللحظة التي نعيشها اليوم. نجد أنّ الترك يسعون بكلّ قوتهم إلى قمع انتفاضات الكرد سواء في شمال كردستان أم في جنوبه، حيث نرى أن للعقليّة التركيّة الفاشية باعٌ طويل في قمع الانتفاضات، وحياكة المؤامرات وصياغة الاتفاقيات ضد القضية الكرديّة في أجزائه الأربعة، والنظام القائم في تركيا هو نظام عنصريّ شوفينيّ ديكتاتوريّ ورجعيّ، ولا يوجد في قاموسه حلول سياسيّة وديمقراطيّة للقضية الكرديّة، بل أفكارٌ محصورة بثقافة العنف والإرهاب والترهيب والأساليب الفاشية بحق شعبنا في كافة أجزاء كردستان. ولا سيما باكور كردستان وكذلك بحق القوى الديمقراطيّة والثوريّة في تركيا ونرى أنّها تتدخل بكلّ وقاحة في الشأن السوريّ وتحتل جزءاً من أراضيها، وترفع أعلامَها على مساحات واسعة من سورية ومع كلِّ أسف تقوم بهذه الأعمال أمام مرأى العالم الذي يدّعي أنّه راعٍ للديمقراطيّة وحقوق الإنسان والسلم العالميّ. وهذا إن دلَّ إنّما يدلُّ على السياسة الدوليّة التي ترعى مصالحها وتعمل من أجلها فقط، وعلى ما يبدو أنّ دول العالم تتصرف حسب ذهنيّة المصالح فقط، فالاتحاد الأوروبيّ والولايات المتحدة الأمريكيّة هي التي صاغت العهود والمواثيق التي تنصف الإنسان، لكن يظهر للعيان أنّ هذه العهود والمواثيق ماهي إلا حبرٌ على ورق ولا توجد إمكانيّة لتطبيقها بشكلٍ عمليّ على الأرض. لذلك فكلُّ دولة تنادي برعايتها لحقوق الإنسان والدفاع عنها هي كاذبة، لأنَّ صمتها أمام جرائم تركيا ووقوفها موقف المتفرج منها يعني مشاركة تركيا في ممارساتها القمعيّة ضد الشعب الكرديّ في داخل تركيا وخارجها، وصمت المجتمع الدوليّ يؤلمنا لكنها لا يثنينا عن متابعة نضالنا نحو الديمقراطيّة والأهداف التي وضعناها نصب أعيننا.

ـ تركيا وعلى لسان وزير خارجيّتها أكدت على أنّها قد توصّلت إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكيّة حول تطبيق خارطة طريق لمدينة منبج يتمّ من خلالها انسحاب وحدات حماية الشعب من المدينة، كيف ترون ذلك وما الذي جرى بالفعل؟
أولاً إنّ الادعاءات التركيّة بوجود وحدات حماية الشعب في مدينة منبج لا أساسَ لها، لأنَّ وحداتِ حماية الشعب قد انسحبت من منبج بعدما حرّرتها من داعش، واستلم مجلس منبج العسكريّ الملف الأمنيّ ومجلس منبج المدنيّ الملف المدنيّ، وتركيا تستخدم شمّاعة وحدات حماية الشعب الكرديّة من أجل السيطرة على المدينة. فالنظام التركيّ هو نظام محتل لسورية منذ عقود حيث ما يزال لواء اسكندرونة يئن تحت نيران السلطنة العثمانيّة، والآن في الآونة الأخيرة يريد أردوغان أن يجدّد احتلاله لسورية ويطبق الميثاق الملي العثمانيّ الرامي إلى إعادة أمجاد السلطنة العثمانيّة على حساب الجغرافيّة السوريّة، وكلّ ما يشاع عن تفاهمات أو اتفاقيات ما هي إلا كذبة تريد تركيا من خلالها أن تظهر نفسها أمام العالم أنّها تسعى إلى إرساء السلم في سورية. من خلال إيهامها للعالم بأنّها تستولي على بعض المناطق في سورية للحفاظ على وحدة سوريا وحماية أمنها القوميّ، وفي الوقت نفسه تتحدث تركيا في هذه الفترة بالذات عن اتفاق مع أمريكا بشان منبج وانتخاباتها على الأبواب، فالغرض على ما يبدو دعاية انتخابيّة لأردوغان من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ تركيا ومنذ مدّة ليست بقصيرة تريد عقد مثل هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكيّة، بالطبع الاتفاقيّة ليست كما تروج لها تركيا من حيث وجود القوات المشتركة التركيّة الأمريكيّة في نقاط مشتركة، وتركيا نسّقت مع الجانب الروسيّ والإيرانيّ قبل ذلك. وخطابات أردوغان والهالة الإعلاميّة التركيّة توحي بشكل علنيّ أنّ تركيا لها أطماعٌ توسعيّة في سورية وهذا ما لم يعد فيه مجال لأيّ شكّ حولها، وتركيا تحارب هؤلاء الذين حرروا الإنسانيّة من الإرهاب وقاتلوا نيابة عن العالم ضد أعتى قوة إرهابيّة مهدّدة للسلم العالميّ، وتريد أن تحلَّ محلَّ حاملي لواء الديمقراطيّة والحرية قوات سوريا الديمقراطيّة التي أبت لرايات الظلم السوداء أن ترفرف في سماء المدن والقرى السوريّة، والدولة التركيّة كانت دائماً هي المنقذ لهؤلاء المرتزقة الإرهابيين، من خلال تقديم كل أنواع الدعم لهم. فالمسألة التركيّة هي حلم طوراني فاشي الغاية منه العودة بسورية إلى العباءة العثمانيّة، وقمع الإرادة الديمقراطيّة لشعوب شمال سورية وضرب المشاريع الديمقراطيّة فيها.
ـ لم يستطع المجتمع الدوليّ والأطراف المؤثّرة في الشأن السوري التوصّل إلى حلّ نهائي في الاجتماعات التي عقدت كافة بشأن إيجاد الحلول للأزمة السوريّة، باعتقادكم ما السرّ وراء فشل هذه المؤتمرات؟
ما لاحظناه خلال المؤتمرات السابقة التي عُقدت في جنيف وأستانا وسواها كان السبب الرئيس في فشلها هي الدول الراعية لها، وبعد كلّ مؤتمر أو كل اجتماع تتوسع مناطق النفوذ للدول الراعية والتمدّد التركيّ في الشمال السوريّ خير دليل، ما يؤدّي إلى تعقيد الأزمة بشكلٍ أكبر. وإن ما يسمّى بالمعارضة التي تحضّر هذه المؤتمرات ليس لها أي تأثير على ما تفعله تلك الدول وهي معارضة شكلية، ويمكن تسميتها بمعارضة الفنادق وهي محسوبة على الدول الراعية، ولاسيما معارضة اسطنبول فمثل هذه المعارضة التي تتحدث باسم السوريين في تلك المؤتمرات تفتقر إلى المصداقيّة وهي فاقدة لثقة الشعب وليست إلا دمى بيد الأطراف المتصارعة. إن هذه المؤتمرات لم تحقّق شيء يُذكر لإنهاء المأساة السوريّة، ولن تحقّق المرجو منها ومتى ما اكتمل جدول مصالح الأطراف المؤثّرة في الجغرافيا السوريّة، حينذاك سيعقدون مؤتمراً جديّاً تكون مخرجاته موافقة لامتيازاتهم التي حصلوا عليها من الكعكة السوريّة.
ـ كيف تقرؤون لهجة خطاب النظام السوري وقياداته فيما يتعلق بتعاملها مع قوات سورية الديمقراطيّة؟
منذ البداية من الأزمة السوريّة حتى هذه اللحظة والشعوب في شمال سورية وبخاصة الشعب الكرديّ لم يقفوا عائقاً أمام المشاريع الديمقراطيّة، وشعوب المنطقة ومنذ اللحظة الأولى حارب الإرهاب بجميع أشكاله، وناضل من أجل وحدة التراب السوريّ. وعلى النظام في سورية أن يعي أن النموذج الفيدراليّ في شمال سورية هو نموذج واقعيّ للحل، وليس نموذج للانفصال والتشرذم الجغرافيّ، وعليه أن يدعَ لغة وخطاب التهديد والوعيد ويتفاوض مع الشعوب السوريّة من أجل تطوير الديمقراطيّة على كامل الأرض السوريّة. ونحن الشعبَ الكرديَّ جزءٌ من الشعب السوريّ ولا نكِنُّ العداءَ لأحدٍ ولا نريد أن نرفع السلاح بوجه أحد بل نرسل رسائل السلام والديمقراطيّة لكلّ السوريين، ولا نحب الحربَ ولسنا من دعاتها، ونهجنا في مجلس سورية الديمقراطّية اعتمادُ لغة الحوار وهو ما نرمي إليها دوماً. نحن نقبلُ التفاوض مع أيّ طرف كان بشرط أن يُفضي التفاوضُ إلى حلول جذريّة للمشكلة السوريّة بشكلٍ عام والقضية الكرديّة بشكل خاص، لذلك على النظام السوريّ أن يفكر بإيجاد حلٍّ حقيقيّ للقضية الكرديّة وللقضية السوريّة، وأن يسعى بكل ثقله إلى إخراج سورية من حالة الفوضى والدمار والتشرد والانتقال به إلى الحالة الديمقراطية الحقيقية لا أن يستخدم مفردات التهديد والوعيد وهذه اللغة ولى زمنها.
ـ في ضوء الأحداث المتسارعة والتحديات التي تعيشها الحركة الكردية على الساحة الكردستانية، ماذا بشأن عقد المؤتمر الوطني الكردستاني؟
لو كان المؤتمر الوطنيّ الكردستانيّ كمنصةٍ سياسيّةٍ موجودة منذ عشرات السنين لما كنا نعاني من المشاكل التي نحن نعيشها كردستانياً وإقليمياً ودولياً، ونحن في الحركة الكردية بدلا ً أن نفكر بالأنا الحزبيّة الضيقة، كان من الأولى بنا أن نفكر بمصالح شعبنا لنجعلها القضية الأساسيّة بالنسبة لنا. وكان من الواجب والوطنيّة في هذه المراحل المصيريّة أن تتواجد على الساحة الكردستانيّة مظلة جامعة للشعب الكردستانيّ، فالمؤتمر الوطنيّ الكردستانيّ بات انعقاده بالنسبة للشعب الكردستانيّ ضرورة حياتيّة للبقاء كالماء والهواء، ومن الضرورة بمكان أن يجمعنا الخطاب الواحد والآمال المستقبليّة الواحدة، أمام التحديات اليومّية التي تهدّدُ وجودنا وكياننا على أرضنا التاريخيّة التي نعيش عليها منذ آلاف السنين، لذلك نطلب من القوى والأحزاب الكردستانيّة التي تضع العراقيل أمام انعقاد المؤتمر الوطنيّ الكردستانيّ أن تقف وقفةَ عزّْ ولو مرّة واحدة وأن تترك حججها الواهية والغير منطقيّة، ولتفتح باب الحوار والنقاش حول القضايا التي تهمنا جميعاً ولنعمل بكل قوة على وحدة الصف الكردي بخاصة وأن أعداء الشعب الكردي يتكالبون علينا، وليكن عملنا من أجل خدمة شعوب المنطقة وتحقيق الفيدراليّة الديمقراطيّة واللامركزيّة والتعدديّة ووحدة سورية أرضاً وشعباً.