سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

نحو حوارٍ عربيٍّ كرديٍّ ناجحٍ ـ2ـ

محمد أرسلان علي_

تعرض مفهوم الحرب والسلام، الى متغيرات كثيرة على مدى الزمن خصوصاً من زاوية القانون الدولي، وتعريفات الأمم المتحدة الرسمية، الحرب هي نزاع مسلح تبادلي بين دولتين، أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة، حيث الهدف منها هو إعادة تنظيم الجغرافية السياسية للحصول على نتائج مرجوة، حسب المصالح الذاتية لكل طرف. في القانون الدولي العام، فإن التعريف التقليدي للحرب هو: أنّها عبارة عن نزاع مسلّح بين فريقين من دولتين مختلفتين؛ إذ تُدافع فيها الدول المتحاربة عن مصالحها وأهدافها وحقوقها، ولا تكون الحرب إلّا بين الدول، أمّا النّزاع الذي يقع ين جماعتين من الدولة نفسها، أو النزاع الذي تقوم به مجموعة من الأشخاص ضد دولة أجنبية ما، أو ثورة مجموعة من الأشخاص ضد حكومة الدولة، التي يقيمون فيها، فلم يعد حرباً، ولا علاقة للقانون الدولي به، وإنما يخضع للقانون الجنائي.
ودائماً ما كان يشكل المدنيون الضحايا الرئيسيين لانتهاكات القانون الدولي الإنساني، التي ترتكبها الدول، وأطراف النزاع من غير الدول في النزاعات المسلحة المعاصرة، وما فًتئت طبيعة النزاعات المسلحة المعاصرة، تفرض تحديات حيال تطبيق القانون الدولي الإنساني واحترامه في مجالات عدة، وهناك حاجة لفهم تلك التحديات والاستجابة لها من أجل ضمان استمرار القانون الدولي الإنساني، في أداء مهمته في توفير الحماية في حالات النزاع المسلح الدولي وغير الدولي.
إذ تكون الدول إما غير قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين في العديد من الحالات، أو غير راغبة في ذلك، أحد التحديات التي برزت مؤخرًا أمام القانون الدولي الإنساني، هو نزعة الدول إلى وسم جميع الأعمال القتالية، التي تشنها الجماعات المسلحة من غير الدول ضدها، لا سيما في النزاعات المسلحة غير الدولية “بالإرهابية”، وينظر الآن إلى النزاع المسلح والأعمال الإرهابية على أنهما مرادفان تقريبًا، إن تسمية بعض الجماعات المسلحة من غير الدول “بالجماعات الإرهابية” له أثار ضمنية كبيرة على التعهدات الإنسانية وقد يعوق العمل الإنساني كذلك.
على نقيض العنف والحرب، يُعرف السلم: أنّه التّجانس المُجتمعي والتّكافؤ الاقتصاديّ والعدالة السياسيّة، وهو أيضاً اتّفاقٌ مُتعدّد بين الحكومات، وغياب القتال والحروب، وقد يُعَبِّر عن حالةٍ من الاستقرار الداخليّ أو الهدوء في العلاقات الدولية.
“القوة من أجل السلام”، هذا المصطلح يعود إلى الإمبراطور الروماني هادريان (حكم بين عامي 117 و 138) ولكن هذا المفهوم قديم قدم التاريخ المسجل: يقول الإله المصري بتاح أن “قوة” رمسيس الثاني (1279-1213) ق.م. تسبب لكل دولة “أن تتوق للسلام”.
حيث أن المجتمعات البشرية، تقوم على أساس التعددية الدينية، والثقافية، والسياسية، فمن الصعب وجود مجتمع يتشكل من عِرق واحد، أو يدين بدين واحد، فهذا الامتزاج إما أن تحكمه إدارة سليمة تحفظ حقوق الأقلية دون تمييز، وبإعطائهم مساحة للتعبير عن معتقداتهم في أجواء من الاحترام والتسامح، وإما أن تحكمه أنظمة تخاف من التنوع، وتعمل على سحق الآخر المختلف، وحرمانه من حقوقه وحرياته، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى حروب أساسها الدين، أو المذهب أو العرق، ينتج عنها دمار الدولة سياسياً واقتصادياً، ونشوء أجيال محملة بالكراهية تجاه الآخر، تسعى للانتقام دوماً.
يعدّ بناء سلام دائم في المجتمعات، التي مزقتها الحروب هو من بين الأكثر التحديات صعوبة تواجه السلم والأمن العالميين، ويتطلب بناء السلام استمرار الدعم الدولي للجهود الوطنية من خلال مجموعة واسعة من الأنشطة -كمراقبة وقف إطلاق النار، وتسريح وإعادة دمج المقاتلين، والمساعدة في عودة اللاجئين والمشردين؛ والمساعدة في تنظيم ومراقبة الانتخابات لتشكيل حكومة جديدة، ودعم إصلاح قطاع العدالة والأمن؛ وتعزيز حماية حقوق الإنسان، وتعزيز المصالحة بعد وقوع الفظائع الماضية.
وللخروج من المأزق، الذي تعيشه المنطقة، لا بدّ من ثورة ذهنية بكل ما للكلمة من معنى؛ لأنه من دونها ربما يكون من المستحيل إحداث أي تغيير في شكل ومعنى المنطقة والمجتمعات، ومما لا شك فيه أن شعوب الشرق الأوسط عموماً تعاني من أزمة فكرية عويصة، بدرجة وصلت إلى مرحلة الدوامة الفكرية، ويمكن القول: إن الأزمات الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية التي تعاني منها الشعوب نابعة من الأزمة الفكرية (الذهنية)، والأزمة الفكرية ليست نتاج الوضع الحالي فقط، وإنما لها جذور تاريخية، ولا يمكن إنكار تأثيرات الحداثة الرأسمالية في القرنين الماضيين، التي عمّقت الأزمة أكثر فأكثر، وأدت بالنتيجة إلى احتلال فكري من خلال العقلية الاستشراقية، وبهذا الصدد يقول المفكر القائد عبد الله أوجلان: “يُعَدُّ القرنان التاسع عشر، والعشرون قرنَي غزوِ مجتمعِ الشرقِ الأوسطِ على يدِ الاستراتيجية الرأسمالية، هذه المرحلةُ التي اتَّجَهَت فيها الحداثةُ الرأسماليةُ نحو المنطقةِ بفُرسانِ المحشرِ الثلاث (الرأسمالية، الدولة القومية، والصناعوية)، إنما هي مرحلةُ تَعَمُّقِ الأزمةِ والانهيار”.
حيث أن مناطق الشرقَ الأوسطَ، تعيشُ الآنَ في أخطر مراحلها، ذهنياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وصلت مشاكلُها إلى أزماتٍ عويصة، وأزماتُها إلى دوّامة جهنمية وفوضى كارثية، كطاحونة جبّارة تطحن الفردَ والمجتمع، طبعاً كلما استدامت الدوّامةُ والفوضى طحنتِ الوجودَ الإنساني حضارياً وثقافياً في هذه الجغرافية الملتهبة أكثر فأكثر.
ما يكمنُ في عينِ القضايا المُعاشة داخل مجتمعاتِ الشرقِ الأوسط، هو مزيدٌ من السلطةِ والدولة، فكلُّ قوةٍ ظهرَت إلى الوسطِ بغرضِ حلِّ القضايا العالقةِ على مرِّ سياقِ تاريخِ المدنية، لَم تتمكنْ من إيجادِ حلٍّ سوى التحصن بمزيدٍ من القوةِ ونفوذِ الدولة، وباتَ استخدامُ القوةِ في حلِّ القضايا من قِبَلِ كلِّ القوى، بدءاً من الإمبراطورِ، الذي في القمةِ وحتى الزوجِ الذي في المنزل، بات العصا السحريةَ للتربعِ على عرشِ السلطةِ والتحولِ إلى دولة، وقد ابتكرَت المدنيةُ الغربيةُ الأشكالَ العصريةَ لهذه التقاليد، واعتَقَدَت بإمكانيةِ دمقرطةِ السلطةِ والدولةِ بصقلِهما بطلاءِ الديمقراطية، أو إنّ الليبراليةَ هي التي لاذت بهذا الزيفِ والرياء، هذا ولا تزالُ المساعي قائمةً على قدَمٍ وساق في الشرقِ الأوسطِ الراهن، من أجلِ حلِّ القضايا الأساسيةِ على خلفيةِ التحولِ إلى دولةٍ وسلطة.
ويأتي على رأس القضايا التي تعيشها المنطقة هي قضية المرأة، فقضية المرأة في مجتمعِ الشرقِ الأوسط مثلاً من أعقد وأعمق قضايا الاجتماعية في مجتمعات الشرق الأوسطية، وإنَّ تقييمَ القضايا التي تَحياها المرأةُ، أولاً في المجتمعِ ضمن أبعادِها التاريخيةِ – الاجتماعيةِ يتحلى بالأهمية، فقضيةُ المرأةِ هي منبعُ كافةِ القضايا، ولدى إضافةِ القضايا الناجمةِ عن أجهزةِ القمعِ والاستغلالِ الرأسماليِّ الراهنِ أيضاً إلى تلك القضايا ذاتِ الجذورِ التاريخية، يغدو لا مَهرَبَ للمرأةِ من عيشِ حياةٍ يَسودُها الكابوسُ المُرعِبُ حقاً في المجتمعِ الشرقِ أوسطيّ، فأنْ تَكُونَ امرأةً ربما يعني أنْ تَكُونَ إنساناً في أحلَكِ الظروفِ وأَعسَرِها، ذلك أنَّ أَشَد درجاتِ القمعِ والاستغلالِ الفظِّ الذي يعانيه المجتمع، يتم تطبيقُها على جسدِ وكدحِ المرأة، وربما حانَ وقتُ تَخَلّي التعامُلِ الجنسويِّ المتصلبِ الذليلِ عن مكانه للحاجةِ إلى البحثِ عن صديقٍ ورفيق، ينبغي المعرفةَ أنه يستحيلُ عيشُ حياةٍ ثمينةٍ ذاتِ معنى، ما لَم يتحققْ عيشٌ سليمٌ مع المرأةِ ضمن المجتمع، علينا صياغةَ أقوالنا وتطويرَ ممارساتنا بالإدراكِ، بأنّ الحياةَ الأثمنَ والأجملَ يمكنُ تحقيقُها مع المرأةِ الحرةِ المتمتعةِ تماماً بكرامتِها وعِزَّتِها، فإذا لم تهدف الثورة الذهنية الحياة الحرة والذي معيارها حرية المرأة، فإنها ستكون ثورة فاشلة وأنها تسير على درب الدوغمائية.
إن الثورة ببساطة تعني التغيير المستمر، وإعادة البناء من الجديد، وبحد ذاتها ترتبط مباشرة بالحياة وصيرورتها، انها تعني الحياة بذاتها وإعادة معنى للحياة التي فقدت معناها وصيرورتها، التي تتجسد في الحياة الحرة، لأن الثورة في أبسط معانيها؛ هي عملية إعادة المعنى إلى الحياة والإنسان والمجتمع، وهي بداية لعملية نضالية من أجل حياة حرة، تفكير حر والسعي وراء الحقيقة، ولهذا بقدر ما تحمل الثورة حقيقة الحياة الحرة، فإنها بذلك القدر تنأى بنفسها عن الأوهام التي تحاول أن تحل محل الحياة الحقيقية، وبقدر ما تمثل الثورة من فكر تغيير الحياة، بنفس القدر تمثل فن إعادة بناء الحياة، الثورة ليست الرغبة بجعل الوضع الموجود مميتاً ودموياً، وإنما شعارها وجوهرها؛ هي خلق والاستمرار بالحياة الحرة.
فالثورةُ باختصار تعني إعادةَ اكتسابِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ والديمقراطيِّ لِماهياتِه تلك مجدَّداً وبمستوى أرقى، بعدما حَدَّ نظامُ المدنيةِ من مساحتِه وأعاقَ تطبيقَه على الدوام. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تجاوزنا لعصبيات القومية والدينية والمذهبية والنسوية والسلطوية والوصول الى حياة كريمة حرة وعادلة وتعايش ديمقراطي.
وربما يكون نموذج الحل الكونفدرالي الديمقراطي الذي لا يعطي مجالاً للعنف والانقسامات، طراز يعتمد على الطواعية، كما توجد العديد من الأسباب التاريخية والاجتماعية، التي تعطي المجال لأرضية صلبة لبناء الكونفدرالية الديمقراطية بقوة العملية الديمقراطية للشعب، وبهذا يمكن التخلص من الأنظمة اللا ديمقراطية والأوتوقراطية والثيوقراطية، والطراز التنظيمي للحل الكونفدرالي الديمقراطي، هو الأنسب للتوافق مع الموزاييك الثقافي لدول الشرق الأوسط والتداخل اللغوي والديني الموجود فيه، وهذا الطراز هو القادر على حل المشاكل والقضايا ومعالجة الظواهر العديدة الموجودة في المنطقة.
وهكذا يصف القائد عبد الله أوجلان منظومة الكونفدرالية الديمقراطية من حيث جوهرها وهيكلية تنظيمها وتناسبها مع حقيقة الشرق الأوسط الموزائيكية ويقول: “إن الكونفدرالية الديمقراطية تمثل الحلَّ المناسبَ لشعوب الشرق أوسطية والعالم كافة، تعني تنظيم الأمة بدون دولة، وهي تنظيم الأقليات والثقافة والأديان وحتى تنظيم الجنس إلى جانب التنظيمات الأخرى، وهذا ما أصفه بالتنظيم الوطني الديمقراطي، بحيث تكون لكل قرية مجلس ديمقراطي، التاريخ مليء بالعديد من الأمثلة، كديمقراطية أثينا، والسومريين الذين امتلكوا تنظيماً مشابهاً، وفي يومنا الراهن تبني أوروبا كونفدراليتها، والكونفدرالية الكردية تناسب الشرق الأوسط، والإسرائيليين والفلسطينيين يمكنهم تأسيس الكونفدرالية ويمكن للاثنين والعشرين دولة عربية تأسيس كونفدرالية”.
إذاً، فإن مشروع الكونفدرالية الديمقراطية للشرق الأوسط مشروعٌ يستند إلى العقلية الديمقراطية، وتأخذ الحرية، العدالة، المساواة، التعايش السلمي بين الأفراد والمجتمعات والشعوب والأطياف وكافة المعتقدات، أساساً لبناء نظامه السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، البيئي والدفاعي، والأهم من كل ذلك هو أن الكونفدرالية الديمقراطية تتجاوز كل المفاهيم والأفكار الدوغمائية التسلطية الشمولية، وتتبنى الجدلية العلمية أساساً لها، فالديمقراطية بطبيعتها الديمومية تسود عبر منظومة فكرية منفتحة، فالكونفدرالية بجوهرها الديمقراطي تتصدى للذهنية الدوغمائية بكافة أشكالها وأنواعها، وفي الوقت نفسه ترسخ الحرية والمساواة لكل معتقد يؤمن بالحرية والمساواة والعدالة والتعايش السلمي والحر.
إن عقد هذا المؤتمر وفي هذه الفترة في بغداد، الذي تعاني الآهات والحسرات ولعنة بابل في الوقت نفسه ربما كان الرد الأمثل لهذه الجغرافيا، التي كانت يوماً ما مهد الحضارة البشرية، واستمرارية هذه المؤتمرات التي تبحث عن حلول للمشاكل والقضايا، التي تعانيها المنطقة بشكل عام ربما يعدّ الرد الأمثل للتاريخ، وبأن نكون الأحفاد الحقيقيين لهذه المنطقة التي لطالما كانت ولادة الحلول لأية مشاكل وقضايا تعاني منها، فبدلاً من البحث عن الحلول في الخارج ينبغي البدء من الداخل لأن هذه المنطقة والمجتمعات والثقافات تخبئ في داخلها الكثير من الأمل، الذي تمنحه خلال عملية البحث عن تلك الحلول، طرح مشروع الحوار العربي – الكردي الناجح كشعار للمؤتمر يعدّ بحد ذاته نجاحاً وخطوة سليمة نحو الخروج من حالة الاغتراب، التي تعيشها المجتمعات وإعطاء الفرصة للنخب والمثقفين؛ للبحث عن حلول لما تعانيه مجتمعاتهم. وفي ظل المئوية التي تعيشها المنطقة بشكل عام على تقسيمها لدول عديدة هشّة يدفعنا هذا إلى أن نفكر بصورة واقعية وحقيقية للبحث عن حوار بين الأخوة في الوطن، الجواب إن وجود الدستور وضمان حقوق الجميع بدون استثناء سيخلق لنا إيمان حقيقي يعزز الهوية الوطنية ويبدد مخاوف الآخرين من هضم الحقوق والتهميش الذي عانوه منذ سنوات طويلة.
فلا بديل عن التكاتف والتلاحم ما بين شعوب المنطقة وخاصة العرب والكرد منهم نظراً للعلاقات والتلاقح الثقافي والتاريخي بينهم، وأن الأمن الوجودي لِكِلا الشعبين مرتبط بشكل وثيق مع بعضه البعض ولا يمكن لأي من الشعبين أن يكون من دون وجود الآخر، ولا يمكن لأي من الشعبين أن يعيش الحرية والكرامة من دون الآخر بالوقت نفسه، وهذا ما يحتم على كلا الشعبين أن يتوحدا أمام الهجمات التي تتعرض لها المنطقة لإخراجها من حالة الفوضى المستشرية فيها.