سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مهجرات يواجهن مشقة العمل لإعالة أسرهن

اعتادت المرأة أن تواجه مشقة الحياة، وتوفر الظروف المناسبة؛ للعيش والاستمرار منذ الأزل، وهذا ما برهنته النساء العاملات، والنازحات من طواحين الحرب، اللواتي يعملن في أعمالٍ شاقةً في سبيل إعالة أسرهنّ.
يوجد في مدينة منبج بشمال وشرق سوريا نظام ورشات العمال، الذي يقوم بتنظيم العمل في الزراعة، والمعامل، والمحلات، حيث تتطلّب مجموعة أشخاص مهنيين لإداراتها، فتقع مسؤولية إدارة هذه الورش على العاملات أو العمال في تلبية الطلبات، التي يتلقونها من أصحاب المزارع، والأراضي الزراعية، والمحلات، والمعامل، ويتم الفرز وفق العدد المطلوب والمتوفر، حيث تشكل النساء القسم الأكبر في تنظيم تلك الأعمال، اللواتي اعتدن العمل بشكل تعاوني، مؤمنات بالعمل الجماعي والجهود الموحدة التي تأتي بثمار أكثر.
النازحون هم الأكثر في عمل الورش
تقول لوكالة أنباء المرأة “فاطمة محمد كدرو” البالغة من العمر 24 عاماً، وهي أم لطفل ومهجرة من مدينة سري كانيه، عن حياتها ما قبل نزوحها قسراً عن مدينتها، التي تم احتلالها في تشرين الأول عام 2019: “قبل أن تُحتل مدينتنا كانت حياتنا مستقرة خاصةً على الصعيد الاقتصادي والأمني، أما الآن فالمدينة لم تعد تصلح للعيش فيها، وسط تواجد المرتزقة”، مشيرةً إلى أن رحلة النزوح من مدينتها، كانت لها أثر كبير على حياتها، لتبدأ رسم حياتها من جديد: “بعد تهجيرنا إلى مدينة منبج، تغيّرت الظروف، فلم يعد وضع العائلة المادي مستقراً، لذا قررت أن أساهم في تأمين دخل العائلة”.
وعن طبيعة عملها في إحدى الورشات بمدينة منبج، توضّح: “نحن نعمل هنا في الورشة نساءً ورجالاً، إذ نقوم بنقل الأخشاب إلى المنشرة، ومن المنشرة إلى الأكياس”، وعن صعوبة العمل، تقول وقد سيطرت عليها نبرة فيها شعور بالحسرة على ما كانت تعيشه سابقاً: “ماذا نفعل؟ فهذه هي حياة التهجير، تهجرنا منذ عامين، إثر دخول الاحتلال التركي لمدينتنا، والآن نقطن في بيوت أجرة في منبج، نحن مرغمون على العمل؛ لدفع الآجار، وإعالة الأسرة، إذ أن زوجي يعمل أعمالاً حرة، لكنها لا تكفي لإعالة العائلة”.
وأضافت: “جميع العاملات والعمال، الذين يعملون في الورشة نازحون، بعضهم من سري كانيه، والبعض الآخر من مسكنة، الريف الشرقي لمدينة حلب، يقرب عددنا خمسة أو ستة عمال، لقد جبرتنا ظروف الحرب والنزوح أن نسكن ونعمل في هذه الورشة”.
ولفتت إلى أن ورشتهم ليست الوحيدة في المدينة: “فهناك الكثير من الورشات، التي لا تختلف قصة عمالها عن قصص عمال ورشتنا، فجميع العمال والعاملات، يلجؤون للعمل ضمن هذه الورشات للظروف المعيشية الصعبة، فمجال عمل ورشتنا ليس مدينة منبج فقط، بل يتعدى عملها إلى أماكن أخرى، سواء كان في الزراعة، أو في المعامل، التي تكون خارج المدينة، فنحن لقاء عملنا نتقاضى في اليوم الواحد سبعة آلاف ليرة سورية، إنه مبلغ غير كافٍ لتلبية مستلزمات العائلة الضرورية في ظل ارتفاع الأسعار”.
وأشارت إلى الصعوبات التي تواجههنّ في العمل: “العمل في الحطب صعب بالنسبة للمرأة، لثقل وزنه، لكن الحاجة تدفعنا لخوض أي صعوبة، فالمرأة باستطاعتها العمل في جميع مجالات العمل، مهما كانت صعبة، لتوفير الدخل اللازم لعائلاتها، وهذا ما يكسبها لذة العمل”.
وتحكي لنا ترفة سليمان البالغة من العمر 46 عاماً، وهي أم لأربعة أولاد، وابنة واحدة، ومهجرة من مدينة سري كانيه، تحكي لنا قصة كفاحها الطويل، حيث تعمل في محل للفحم، إذ تقوم بوضع الفحم في الأكياس، وترتيبها منذ ما يقرب سبعة أشهر: “سابقاً كنت أعمل في البساتين، ومنذ سبعة أشهر، أعمل في محل للفحم، فإذا لم يتوفر العمل لدى الورشة، اضطر للعمل بمفردي، لعدم توفر فرص عمل كثيرة للورشات”.
ودوافعها للعمل لا يختلف عن سابقتها: “أعمل هنا لإعالة أسرتي، فبعد اعتقال زوجي منذ تسع سنوات، تضاعفت المسؤوليات، التي تقع على كاهلي من إعالة الأسرة، وتأمين قوتها اليومي، وتربية الأطفال، خاصةً وأن الأجر الذي أتقاضاه عن عملي اليومي، لا يتجاوز الستة آلاف ليرة سورية، فهو أجر قليل جداً، بالنسبة لعائلة مكونة من خمسة أشخاص، في ظل الاحتكار، الذي يشهده السوق”.
وتتحدث ترفة سليمان عن صعوبة الحياة: “عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، خضت تجربتي الأولى في تحمل مسؤولية العائلة، عندما توفي والداي، فقد تحملت رعاية إخوتي الصغار حتى كبروا”، موضحةً: “العبرة التي تعلمتها من حياتي، أنه على الإنسان المقاومة، مهما كانت الظروف، التي يمر بها؛ للاستمرار في الحياة، التي يكمن جمالها بالكفاح في ظل الحزن والفرح”.
في العمل ملاذ آمن من الفقر والعوز
تقول العاملة عائشة خلف كدرو، البالغة من العمر 28 عاماً، وهي أم لأربعة أطفال، نازحة من مدينة سري كانيه: “نعمل معاً ضمن ورشة العمال في محل للحطب، كل منا يقع على عاتقه مهام مختلفة عن الآخر، فهناك من ينظم الحطب، ومن يقطعه، والبعض الآخر يأخذه للمنشرة”.
وأضافت: “الظروف المعيشية، دفعت المرأة بالعمل في الكثير من مجالات، وتعد خطوة جيدة، أن تعمل خارج المنزل في سبيل إعالة أسرتها، فبالرغم من أن العمل في محل الحطب بطبيعته صعب جداً، كحمله، وتقطيعه إلى قطع متوسطة الحجم، حيث أتقاضى أجراً يوميًا قليلاً، إذا ما قورن بطبيعة العمل، فقد يصل إلى ثماني آلاف ليرة سورية، إلا الظروف المادية، دفعتني للعمل به، للمشاركة في إعالة أسرتي، وتأمين قوتها اليومي”، مؤكدةً على أن: “المرأة بمقدورها العمل في أي مكان، مهما كان، فهي دائماً ما تحاول كسب تجارب الحياة، والتعرف على محيطها”.
وعن سبب عدم عودتهم إلى مدينتها تقول: “رغم مشقة العمل هنا، إلا أننا نشعر بالأمان، والراحة، والاستقرار، فلم يعد يتوفر أي شيء في مدينة سري كانيه، بعد دخول الاحتلال التركي إليها، سواء على صعيد الخدمي أو الأمني”.
وفي ظل ارتفاع الأسعار، وتدهور الوضع الاقتصادي، يلجأ جل الأهالي، وعلى وجه الخصوص المهجرون القاطنون في مخيم منبج الشرقي، الكائن في قرية رسم الأخضر، جنوب شرق المدينة، للعمل ضمن ورشات العمال، التي تضم معظمها نحو خمسة إلى ثمانية أشخاص، بأعمال مياومة.
وكالة أنباء المرأة