سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من يزرع يحصد

روناهي آمد –
من المعلوم أنَّ روسيا وإيران وتركيا عقدوا العديد من المؤتمرات باسم أستانة لبحث الأزمة السورية، وإيجاد الحلول الناجعة لها وفق مصالح هذه الدول، وكان لكل اجتماع تأثيره على مسار الأحداث في سوريا، وشكلت نقاط خفض التوتر بداية تراجع الثورة السورية وانزلاقها نحو الحضيض، حيث عمدت روسيا من خلال تركيا وإيران إلى هزيمة هذه الفصائل في جميع المناطق التي كانت تريدها، واستطاعت من خلال تركيا وإيران تسيير سياساتها في جميع المناطق التي كانت خاضعة لنفوذ هاتين الدولتين عن طريق عملائهم وأدواتهم وعصاباتهم المسلحة، وفي النهاية كانت تنقض عليهم، وتسيطر على تلك المناطق لصالح النظام السوري، حتى تمكَّنت من السيطرة على جميع مناطق ما كانت تسمى بخفض التوتر، وجمعت القوى والفصائل العسكرية المختلفة في منطقة واحدة وهي إدلب والتي بدأ الحديث عن إيجاد حل نهائي للمسلحين هناك وإعادة السيطرة عليها، وبالتالي يكون مؤتمر أستانة قد أدى مهمته على أكمل وجه، واستطاع الروس من استغلال التناقضات السياسية كافة بين حكومات المنطقة لصالح دمشق، وتسعى اليوم للاتفاق بين المنافس الوحيد لها في سوريا وهو الولايات المتحدة الأمريكية من أجل القضاء على بؤرة الإرهاب العالمية في إدلب والتي تتفق على مصيرها جميع القوى العالمية على أنَّها مركزُ الإرهاب العالمي، ويجب القضاء عليها بكل الأشكال وبأية وسيلة كانت، وتخرج الدول الإقليمية من المعادلة السورية خاسرة بكل تأكيد بعد أن تم شل قدرتها في التأثير على الأحداث في سوريا، وعلى وجه الخصوص تركيا وإيران فبدأ الصراع يتخذ شكلاً آخرَ وتتغير التحالفات فتركيا وإيران باتتا تواجهان صراعا عالمياً من الناحية الاقتصادية، والحصار الذي تم فرضه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى والتي لها تأثيرها المباشر على الاقتصاد التركي الذي بدأ ينهار قبل أن تطبق هذه العقوبات على إيران، والصراع التركي ـ الأمريكي الذي يزداد يوما بعد آخر؛ بسبب السياسات التركية الهادفة إلى خنق المنطقة بالفكر المتطرف ونزعة القومية التركية المتزمتة، والتي تحاول العودة إلى الأمجاد العثمانية وسلطة الخلافة الواحدة وقمع جميع شعوب المنطقة، التي باتت تشكل عبئاً على مصالح الدول الخارجية ومن هذا المنطلق كان التحالف الأمريكي ـ الكردي القائم على تحقيق المصالح المشتركة في المنطقة وبخاصة قوات سوريا الديمقراطية التي عملت على نشر ثقافة العيش المشترك بين جميع المكونات في الشمال السوري والتي استطاعت أن تخلق مناخاً سياسياً واجتماعياً مناسباً لإنعاش المنطقة من جديد بالتوافق مع قوى التحالف الدولي التي أكدت مراراً وتكراراً نجاح هذه السياسة ودعمها المباشر لها، حتى وصلت بها إلى إنشاء أكبر القواعد العسكرية في الشمال السوري وهذا يؤكد على بقائها في المنطقة لمدة ليست بقصيرة، بل تعمل للتخلُّص من العبء التركي عليها بحيث تجد لها حليفاً ديمقراطياً يعمل معها ضد الإرهاب، وقد وجدت في قوات سوريا الديمقراطية وشعوب الشمال السوري قوة رديفة لها يمكن أن تكون حليفةً استراتيجية لها في المنطقة بدلاً عن الدولة التركية التي ترعى الإرهاب والإسلام الردايكالي التي تهدِّد الغرب بها، وهذا التهديد والابتزاز لا يمكن أن يقبله الغرب بأيِّ شكلٍ من الأشكال، ولا بد أن تعمل على ضمان أمنها ووقف كل أشكال الخطر الذي يهددها وستعمل على استقرار منطقة الشرق الأوسط والتي هي مركز استقرار الغرب نفسها.
إن المصالح الدولية تقتضي القيام بعملية عسكرية كبيرة على إدلب من أجل القضاء على الإرهابيين المتواجدين فيها والذين ينقسمون إلى فئتين فئة قادمة من الغرب يحملون جنسيات غربية، وفئة أخرى من الراديكاليين الإسلاميين من المنطقة ويمكن مع بداية الحرب على إدلب أن تفتح لهم ممرات للخروج إلى تركيا، والاستقرار هناك ومن ثم استخدامهم كخلايا إرهابية تنشط في الداخل التركي وتعمل على تفتيت الدولة التركية من الداخل، وقد خلق أردوغان الحاضنة الاجتماعية لهم بما يكفي خلال السنوات الماضية، حيث كان يدعمهم بكل الإمكانيات المادية والمعنوية، وبالتالي سيلدغ من الجحر ذاته. وعليه؛ فإن منطقة الأناضول ستشهد أحداثاً شبيهة بالأحداث السورية وستُكلِّفها أثماناً باهظة وستحصد الدولة التركية وأردوغان ما زرعوه خلال سنوات في سوريا وشمالها.