سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من كوباني إلى الباغوز محطات وانتصارات للتاريخ

تحقيق/ رفيق إبراهيم –

عند دخول الأزمة السورية عامها الثالث؛ عمّت حالة من الفوضى في سوريا؛ ما سهل لإيجاد أرضية لظهور مجموعات راديكالية مرتزقة تتبع لسياسات دول بعينها لتكون اليد المنفذة لأجنداتها، ولعل من أخطر هذه المجاميع مرتزقة داعش. ولذلك؛ لا بدّ لنا أن نعلم ما الأرضية التي أدت إلى ظهور داعش، ومن ثم كيف بدأت هزيمتها وتراجعها؟!، وعندما نذكر هزائمها؛ لا بد أن نعرّج على قلعة المقاومة كوباني التي لقنت العالم دروساً في التضحية والفداء، وكيف أثرت تلك الهزيمة وذلك الإنجاز البطولي للقوات المدافعة عنها على المنطقة والعالم برمته، لتكون بداية النهاية لأحلام الخلافة الزائفة؟!!.
الأرضية التي أدت إلى ظهور داعش
منذ بداية الأزمة السورية وحتى نهاية عام 2014 عمّت فوضى كبيرة في سوريا، وأصبح الخطر كبيراً على الأمن والأمان، حيث عمت المظاهرات والاعتقالات التعسفية جميع أنحاء البلاد، وساهمت دول بعينها في عسكرة الثورة السورية السلمية؛ لتحقيق أهدافها المباشرة من ذلك، فمن جهة سعت الدولة التركية ورئيس حكومتها أردوغان إلى دفع الجماعات المتطرفة المرتزقة للدخول إلى سوريا والعمل على إحداث الفوضى والسيطرة على الأراضي السورية. ومنها النصرة وأحرار الشام، ومن ثم مرتزقة داعش. وفي تلك الاثناء كان الشمال السوري يتحضر لإقامة إدارة ذاتية ديمقراطية، تتم بمشاركة شعوبها وبدون استثناء؛ ما دعا الدولة التركية للتربص بها ومنع حدوثها وبشتى الوسائل الممكنة. وفي الطرف الآخر حاول النظام السوري وبعد دخول المقاتلين من المعارضة إلى الكثير من المدن السورية، وبدعم من إيران وميلشيات حزب الله اللبناني وبعض الفصائل الأخرى، الهجوم عليهم وإخراجهم منها؛ ما أدى إلى معارك طاحنة بين الطرفين الأول مدعوماً من الأتراك والثاني من إيران والنظام، حيث تحولت الكثير من المدن إلى أنقاض وخراب ودمار، واستخدمت في تلك المعارك شتى صنوف الأسلحة ومن الطرفين.
وخلال ذلك الوضع الذي مرت به سوريا وبمرور ثلاث سنوات من الويلات وأهوال الحرب التي حرقت الأخضر واليابس وسوريا تتجه نحو الهاوية ونحو مصيرٍ مجهول، وعدم وجود رؤى واضحة من قِبل المجتمع الدولي، استغلت المجموعات المرتزقة الإرهابية الوضع القائم لتسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية، وقامت بانتهاكات كثيرة من قتل واغتصاب وقطع الرؤوس وارتكبت أفظع الجرائم بحق المدنيين، وبخاصة الذين عارضوا الانضمام إليهم. وفي بداية تدخلهم في سوريا كانت أعدادهم لا تتجاوز المئات، ومع توسع انتشارهم ازداد عددهم خلال فترة وجيزة، وانضم إلى صفوفهم الكثير من العناصر المحلية وتجاوز عددهم الآلاف؛ وهذا ما ساعدهم كثيراً للسيطرة على مساحات واسعة في سوريا ومن ثم العراق، وكان من بينها الرقة السورية التي أطلقوا عليها اسم عاصمة خلافتهم المزعومة، والموصل العراقية التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في العراق بعد بغداد العاصمة، والتي لم تصمد أمامهم سوى ساعات بعد أن فرّ عناصر القوات العراقية منها، ومن بقي منهم تعرّض للإعدام أو لقطع الرأس.
تركيا توجه مرتزقة داعش باتجاه كوباني
بعدما تمكنت داعش من فرض سيطرتها على الرقة في سوريا والموصل في العراق، ونتيجة تحقيقها السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية ومن دون مقاومة تذكر؛ بدأت في التفكير بالهجوم على المناطق الكردية وأخذت تهاجم القرى المحيطة بمدينة كوباني، وكانت القوة التي تحمي تلك المناطق مجموعات صغيرة من أبناء تلك المنطقة، ليدافعوا عن قراهم وأرضهم ضد أي خطر، وكان يتواجد في المناطق القريبة منها بعض المجاميع المسلحة كجبهة النصرة، وبعض الأسماء الأخرى والتي ما أن هاجمت داعش تلك المناطق بايعتها على الفور.
واستفادت داعش من الزخم الإعلامي الذي روّج لصالحها على أنها قوة لا تقهر. إذ؛ سيطرت على أي منطقة توجهت إليها في غضون ساعات، وبعد اتفاقيات مع الاستخبارات التركية بحسب وثائق كشف عنها أمراء لداعش سابقاً، قام داعش بثلاث محاولات للتوغل في مناطقٍ قريبة من مدينة كوباني إلا أنها باءت بالفشل، ليستقدم الآلاف من مقاتليه المرتزقة ذوي التجارب العسكرية والذين حاربوا في وقت سابق في أفغانستان والعراق ودول أخرى، وجرب عشرات الدبابات التي اغتنمها من الجيشين السوري والعراقي نحو مدينة كوباني المحاصرة قبل ذلك بعامين للسيطرة عليها. وكانت تركيا تتربص بالمدنية التي كانت نواة ثورة التاسع عشر من تموز في ورج آفا وشمال سوريا، فعملت مع الإرهابيين والمرتزقة لضرب مكتسبات الثورة الفتية، فما كان لها إلا استخدام المعبر الحدودي مع كوباني لتكون مصدر الإمداد لهؤلاء المرتزقة، ومدهم بكل ما بإمكانه السيطرة على المدينة.
نقطة التحول في حسم المعركة
ثم بدأت المعركة ضد المدينة وقراها، حيث استقدمت داعش قوة كبيرة، بالإضافة إلى جميع صنوف الأسلحة لتستهدف القرى المحيطة بها، ونتيجة ضراوة المعارك؛ نزح إلى تركيا حوالي الثلاثمائة ألف من الأهالي معظمهم من النساء والأطفال، ليسيطر مرتزقة داعش على معظم القرى هناك، وباتوا يقتربون من كوباني في فترة وجيزة جداً، وكان ذلك في بداية عام 2014. وأبى رجال وشباب كوباني ترك مدينتهم ودافعو عنها ببسالة لم يعرفها التاريخ، وتصدوا للمرتزقة المدعومة من تركيا، ومنعوهم من الدخول إلى مركز المدينة، وكانوا يتحضرون للمعركة التي ستحدد مصيرهم، حيث لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام المدافعين عن الأرض والشرف سوى الصمود والمقومة؛ فاختاروها بكل بسالة، وآثروا الدفاع عن أرضهم حتى أخر نقطة من دمائهم، ولم يكونوا يملكون سوى الأسلحة الخفيفة، ومع ذلك قاوموا بكل شجاعة واستطاعوا إيقاف المد الداعشي لمدة تجاوزت الواحد وعشرون يوماً، وتمكنت وحدات حماية الشعب والمرأة من التصدي لها وتسجيل ملحمة أسطورية في التاريخ، ونتيجة لذلك؛ تدخلت طائرات التحالف الدولي لمساندة وحدات الحماية وأهالي كوباني، واستطاعوا ترجيح كفة المعركة لصالحهم وإلحاق خسائر كبيرة بالمرتزقة الذين بدأوا بالتراجع.
وتم الإعلان عن الأول من تشرين الثاني من عام 2014 يوماً عالمياً للتضامن مع مدينة المقاومة والصمود كوباني، حيث امتلأت جميع شوارع المدن الأوروبية بالمتظاهرين، واعتصموا أمام مباني ومؤسسات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية التابعة لها، في وقفة تضامنية لم تشهد لها مثيلاً مع المدافعين عن مدينتهم الصامدة. وردد المتظاهرون شعارات التنديد بالدولة التركية التي كانت السبب في الهجوم على كوباني وغيرها من المدن السورية والعراقية، وباتت عيون العالم أجمع تتجه نحو تلك المعركة المصيرية التي انتشر صداها في عموم أنحاء العالم.
خسائر كبيرة وبداية التراجع
وأثناء خوض معركة كوباني؛ سجلت إحصائيات بأن العدد الإجمالي للمرتزقة قد وصل إلى ما يقارب الثلاثمائة ألف مرتزق في كلٍ من العراق وسوريا بعد انضمام أعداد كبيرة من مختلف دول العالم إليهم، وبخاصة من دول المغرب العربي، حسب ما اعترف به أحد أمرائهم المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية، والذي اعترف بأنهم فقدوا أكثر من ثلاثة آلاف من مقاتليه أثناء محاولة السيطرة على مركز مدينة كوباني، حيث منعت المقاومة الشرسة من المدافعين دون تحقيق ذلك. وما كان منهم إلا التراجع والتخلي عن الهدف الذي رُسم لهم، وتتالت قوافل وحدات حماية الشعب والمرأة، وبعض الوطنيين السوريين المؤمنين بقضيتهم من بعض فصائل الجيش السوري الحر، ووصول الكثير من المقاتلين الأمميين وتضافر الجهود التي صبت جميعها في إعلان النصر المؤزر، الذي كان في السابع والعشرين من كانون الثاني من عام 2015 بعد مئة وأربع وثلاثين يوماً من الملاحم البطولية، رُفعت الرايات الصفراء والخضراء فوق كانيا كردان شرق المدينة، والتي كانت آخر المعاقل التي تحصنت فيها المرتزقة، وليكون الاحتفال بالنصر عالمياً ومدويّاً وإنذاراً للمرتزقة بأن خسارتهم باتت حتمية.
خيبة أمل تركيا وتبدد أحلامها
وانهارت أحلام دولة الاحتلال التركي بسقوط كوباني، حيث صرحت بأن كوباني ستسقط في غضون أيام قليلة من بدء المعركة. في الحقيقة عملت كل ما بوسعها لسقوط المدينة. ولكن؛ المقاتلين الأبطال الذين دافعوا عنها، كان لهم كلمة الفصل وبددوا أحلام الاحتلال التركي بالنصر على مرتزقته، وإعلان الانتصار وتحرير المدينة والتي اهتمت بها جميع وسائل الإعلام العالمية وباتت هذه المدينة الصغيرة قُبلةً لجميع الأحرار في العالم. بعد تحرير المدنية كان لا بد من تحرير القرى المحيطة بها، ونتيجة كسر شوكة المرتزقة في كوباني، أصابهم الهلع والذعر والخوف وسقطت القرى تباعاً في أيدي المقاتلين الكرد ومن وقف بجانبهم. وهذا ما أدى إلى تحرير كامل قرى كوباني والإعلان عنها في السابع والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2015، ولتكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، بعدما خسرت أكثر من ستة آلاف من مرتزقته، ومن ثم لتبدأ الانكسارات المتتالية لمرتزقة داعش في سوريا والعراق. نعم لقد كان الانتصار مدوياً وتاريخياً، بحيث لاقى الترحيب والتهنئة من معظم دول العالم، ولعل استقبال الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند للقيادية في وحدات حماية المرأة نسرين عبدالله في قصر الإليزيه، دليلٌ على الأهمية البالغة للانتصار في كوباني.
تحالف شعوب المنطقة من ثمار مقاومة كوباني
بعدما تحررت كوباني؛ كان لا بد أن تتوجه الأنظار إلى كري سبي (تل أبيض) ليتم تحريرها في حزيران من عام 2015، ومع تحريرها انفك الحصار الجزئي عن كوباني، والذي دام لأكثر من ثلاث سنوات، كما تم بعدها تحرير بلدة صرين الواقعة جنوب كوباني وكان ذلك في السابع والعشرين من تموز.
وكان لا بد أن تكون لهذه الانتصارات نتائج إيجابية على المنطقة، وبخاصة في تحالف شعوب المنطقة وتعاضدها ضد الإرهاب. ولذلك؛ اجتمع أكثر من عشرين فصيلاً في إقليم الجزيرة في العاشر من تشرين الأول من عام 2015، حيث تم الإعلان عن تحالف قوات سوريا الديمقراطية، ضمت السريان والعرب والأرمن والكرد وغيرهم، في خطوة مباركة أيدتها جميع شعوب الشمال السوري.
ومن ثم وتحت راية هذه القوات؛ بدأت عمليات التحرير للمدن السورية التي كانت تسيطر عليها مرتزقة داعش، فكان تحرير مدينة منبج نقطة التحول في الذهاب باتجاه عاصمة داعش المزعومة الرقة، فقطعت بذلك خط الإمداد الرئيسي لداعش عبر الأراضي التركية، في أعقاب الحملة العسكرية التي قادتها قوات سوريا الديمقراطية في صيف عام 2016. وفي تلك الأثناء بدأت القوات العراقية والحشد الشعبي العراقي بعملية واسعة في الموصل لتحريرها من براثن داعش الذي سيطر عليها بداية عام 2014، حيث بدأ العد التنازلي رويداً رويداً باتجاه الهزيمة في تلك المناطق.
تتالت الانتصارات والهدف تحرير الرقة
بعد الهزائم المتلاحقة لمرتزقة داعش في سوريا والعراق كان لا بد أن تكون وجهة قوات سوريا الديمقراطية هي الرقة، عاصمة خلافتهم المزعومة، وفي الخامس من تشرين الثاني من عام 2016، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية رسمياً عن حملة غضب الفرات لتحرير الرقة وريفها من مرتزقة داعش، وبدأت المرحلة الأولى من محورين، الأول من جبهة عين عيسى، والثاني من جبهة السلوك، وبدأت القوات تتقدم والهدف الأولي هو تحرير الريف الشمالي للرقة. ومنذ بداية الحملة كانت النتائج مذهلة؛ فتمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير مدينة الطبقة مع سدها الذي يعتبر الأكبر في سوريا ويعتبر شريان الحياة لتلك المنطقة والمصدر الرئيسي للطاقة في سوريا، ومطار الطبقة العسكري، ومن ثم بلدات الكرامة والمنصورة والصفصافة وعشرات البلدات والقرى من الشمال والجنوب والغرب أيضاً، وبعد تحريرها بالكامل فرضت طوقاً كاملاً على مركز المدينة.
وبعد عدة أسابيع من المعارك وبمشاركة قوات التحالف الدولي جواً؛ سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على عدد من الأحياء الشعبية في الرقة، وتقهقرت داعش وبدأت تتجمع في وسط المدينة، وفي الأحياء المكتظة بالسكان، ومع ذلك بدأت تفقد الحي تلو الآخر؛ نتيجة ضربات قوات سوريا الديمقراطية وطائرات التحالف. وبعد تضييق الخناق عليها في رقعة صغيرة على الرغم من زرعها الكثير من الألغام كان النصر المؤزر على المرتزقة في الرقة، ليتم الإعلان عن المدينة محررة في نهاية شهر تشرين الأول من عام 2017.
النهاية الحتمية والقضاء على داعش في جيبه الأخير
وبعد تنظيف الرقة وما حولها من المرتزقة؛ كان لا بد من التوجه إلى مناطق شرقي الفرات، للقضاء عليه في جيبه الأخير، وبالفعل أعلن عن حملة عاصفة الجزيرة في التاسع من أيلول عام 2017، من قبل مجلس دير الزور العسكري المنضوي تحت سقف قوات سوريا الديمقراطية، وبدأت المعارك في تلك المناطق بوتيرة عالية واستمرت عمليات التحرير للمساحات الشاسعة هناك، بموازاة عمليات تحرير المدنيين التي قُدرت بعشرات الآلاف. ومع نهاية عام 2018، حُصر مرتزقة داعش في آخر بلدتين بأقصى شرقي سوريا على الحدود العراقية، حيث قضت قسد على الآلاف من المرتزقة في تلك المناطق الأكثرية منهم من الأجانب، وكان من الأسباب الرئيسية في إطالة عمر تلك المعركة هو استخدام المرتزقة المدنيين كدروع بشرية، وحفاظاً على سلامتهم كان التقدم بطيئاً، ومع التضييق عليهم في بلدة الباغوز سلم الكثيرون منهم أنفسهم إلى قوات سوريا الديمقراطية، وبات النصر قاب قوسين أو أدنى. ولكن؛ هل بإمكاننا القول إن مرتزقة داعش باتوا في حكم المنتهي بعدما قُضي عليهم عسكرياً، هذا السؤال ستجيب عليه قادمات الأيام.