سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من كراباخ إلى عين عيسى… الأسلوب والأدوات نفسها

تقرير/ رامان آزاد –

مع التوصل لوقف إطلاق النار والهدوء على جبهات ناغورني كراباخ، كان السؤال المطروح ما هي جبهة المشاغلة الجديدة التي ستفتحها أنقرة، ذلك لأنها تعتمد الانتقال من جبهة إلى أخرى، لأسباب بنيويّة تعود إلى طبيعة النظام في أنقرة وأسلوب تعاطيه مع أزماته الداخليّة وكذلك السياسة الخارجية التي يقودها والقائمة على التصعيد وخوض المعارك المجانية تستثمر دوافع دينيّة، وتصرف عوائدها في تسويات بصيغة صفقاتٍ
استكمالُ الخطة
بعد سجالاتِ البحرِ المتوسط حول التنقيب عن الغاز وحدود المياه الاقتصاديّة والتوتر مع اليونان وأوروبا، وقبلها معارك ليبيا، انتقلت أنقرة بأدواتها إلى القوقاز، وانخرطت في جبهات الحرب بإقليم ناغورني كراباخ، ومع توقيع اتفاق موسكو لوقف إطلاق النار في 9/11/2020، انتهى فصلٌ دمويٌّ شاركت فيه أنقرة واستثمرته لصالحِ توسيع نفوذها بالقوقاز، وكانتِ المفاجأة أن خذلت موسكو حليفتها أرمينيا، رغم سقف التوقعات المرتفع بدورٍ روسيّ مناقضٍ.
وفي 15/11/2020 لوحّت وزارة الدفاع التركية بإمكانيّة القيام بعملية عسكريّة في منطقة عين عيسى، وبالفعل بدأتِ القواتِ التركيّةِ قصف قرى في ريف عين عيسى وتل أبيض، وهي مستمرةٌ حتى اليوم.
تجددتِ الاشتباكات والقصف المتبادل يوم أمس 6/12/2020 بين القوات التركيّة والمرتزقة الموالين لها، وقوات سوريا الديمقراطيّة من جهة أخرى، في محيط بلدة عين عيسى، واستهدفتِ المدفعيّة التركيّة الثقيلة قرى “خربة البقر”، و”فريدان”، و”الإحيمر” بمحيط عين عيسى. فيما دفعتِ القوات التركيّة بتعزيزاتٍ كبيرةٍ إلى خطوطِ التماسِ. وفي منحى آخر استهدف القصفُ التركيّ نقطة عسكريّة تابعة لقوات النظام في بلدة تل تمر بريف الحسكة ووردت أنباء عن سقوط ضحايا. فيما واصل بعض الأهالي النزوح عن البلدة، إلى مخيم تل السمن وحتى إلى مدينة الرقة، وباتت البلدة شبه خالية من أهلها.
بنفس الأدوات والأسلوب انتقلت أنقرة من كراباخ إلى عين عيسى، بالاعتماد على القصف المدفعيّ والطائرات المسيّرة، وعلى الأرض المرتزقة الموالين لها من السوريين، وهو الأسلوب نفسه والأدوات ذاتها في ليبيا، أي الحرب المجانية التي تستثمر عوائدها سياسيّاً، وعين عيسى استكمالٌ لخطة بدئ بها في جرابلس.
لماذا التصعيد التركي في عين عيسى؟
في الواقع تستهدف أنقرة رمزيّة بلدة عين عيسى، باعتبارها مركزاً إداريّاً وسياسيّاً وعسكرياً للإدارة الذاتيّة وفيه تتمركز مؤسسات مجلس سوريا الديمقراطيّة، أي تستهدف جملة المشروع المطروح حلاً للأزمة السوريّة وتعتبره مشروعاً كرديّاً خالصاً، ولكن وبفرض أنّ ذلك صحيح، فما الذي يبرر قصف البلدة وتهجير سكانها؟ ومن فوّض أنقرة بفعل ذلك؟ ولا جوابَ إلا أنها شكلٌ من البلطجة السياسيّة والعنصريّة.
من جهة أخرى تتمتع بلدة عين عيسى بأهمية الموقع على الطريق الدولي إم 4 الذي يبدأ من الحدود العراقية ويصل مدينة حلب وكلّ الداخل السوريّ، ولطالما كانتِ الحربُ السوريّة شكلاً من التنازع على الطرق الرئيسيّة، وفرض الحصار على أيّة منطقة يعني الوصول إلى الطرق وإغلاقها، ويتضمن مخطط أنقرة تقطيع مناطق شمال سوريا، فقد كان احتلال جرابلس في 24/8/2016 البداية ومن بعدها الباب، وعفرين، ثم كري سبي/ تل أبيض وسري كانيه. وكما هي العادة تعمل أنقرة وفق جداول زمنيّة محددة ولا يمكنها إطالة زمن “غزوها” لتنتهي سريعاً بتدخلٍ دوليّ يثبّت التغيير على خارطة الميدان، والزمن المتاح حالياً هو وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض، حتى إذا ما بدأت ولاية الرئيس جو بايدن تكون الخارطة أمراً واقعاً، وأيّ تغييرٍ فيها يستلزمُ صفقة تُصرفُ عوائدها في أكثر منحى اعتباراً من الداخل التركيّ لتعزيز شعبيّة نظام أردوغان وترميمها مقابل تصاعد الاحتقان وانتقادات المعارضة التركيّة، فيما الهدف الذي يتحقق في سوريا هو تعميقُ الجرح الكرديّ وعرقلة التوافق بينهم.
يستثمر أردوغان في كلّ حالات التدخل في سوريا التفويض الروسيّ، ذلك لأنّ موسكو تعتبر كل دور تركيّ في شمال سوريا هو نتاج مخرجات أستانه، وسيكون على حسابِ الوجودِ الأمريكيّ وتقليصاً لمساحة الإدارة الذاتيّة التي يواصل وزير الخارجية الروسيّ انتقادها ووصفها بالدويلة أو الحكومة البديلة. والمطلوب حلٌّ للأزمةِ وفق المواصفات القياسية الروسيّة، أي بترجيحِ الأسلوبِ العسكريّ حتى لا يبقى شيء للتفاوضِ حوله لاحقاً.
القضم التدريجيّ
وما يحصل شمال سوريا هو القضمُ التدريجيّ للجغرافيا، وهي الخطةُ ذاتها المتبعة في محافظة إدلب، والتي تنطوي على تصعيدٍ عسكريّ، تليه هدنةُ تثبيتِ خارطةِ الميدان. ومنذ اتفاق حلب إخراج المسلحين منها نهاية 2016 والتي جاءت بصيغة مقايضة، اُعتمد هذا الأسلوب وتوكيل المهمة لأنقرة، وبذلك نُقلت مفردات الأزمة السوريّة إلى مناطق بديلة في الشمال حيث جيوب التركيّة.
ويتكرر مشهد انسحاب القوات الروسيّة، لتكونَ إشارات تفاهم في الميدان، ففي 1/12/2020 انسحبت ثلاثة دوريات روسيّة من محيط بلدة عين عيسى، وفي 25/10/2020 رصد المرصد السوريّ لحقوق الإنسان، توجّه رتل عسكريّ روسيّ إلى منطقة تل تمر بريف الحسكة، قادماً من حلب، وتزامن مروره من طريق حلب- الحسكة الدوليّ بريف عين عيسى، مع القصفِ التركيّ على المنطقة، والموقع المستهدف كان على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من الرتل الروسيّ. ولليوم الثاني قصفت القوات التركية قريتي خالدية وهوشان بريف كري سبي/ تل أبيض الغربي كما قصفت محيط بلدة عين عيسى. ولم تبدِ موسكو أيّ امتعاضٍ إزاء القصف التركيّ حتى اليوم.
وتأكيداً على نياتها بتثبيت وجودها بدأت القوات التركيّة في 19/11/2020 بإنشاء قاعدة عسكرية تابعة لها في قرية طماميح، على بعد نحو 2 كلم من ناحية عين عيسى، وبدأت بجلب معدات لوجستيّة ومعدات بناء لإنشاء القاعدة. وواصلت القوات التركية في 21/11/2020 قصفها الصاروخي مستهدفة مخيم عين عيسى وفي اليوم الثاني سقطت قذائف على حاجز عين عيسى، ما أدى لإصابة اثنين من قوى الأمن الداخلي “الأسايش” بجراح. هذا التزامن بين إنشاء القاعدة والقصف يراد رسالة به رسالة واضحة، بتوسيع النفوذ عبر استخدام القوة العسكريّة.
إخلاء نقاط وإنشاء أخرى
وفق وجهة النظر التركية فإن إدلب هي جغرافيا التسويات والمقايضة لصالح موسكو، قيما تصرف أنقرة عوائد اتفاقها في مناطق الكرد وعلى طول الحدود، والشهية التركية مفتوحة لخوض المعارك المجانية على حساب السوريين المرتزقة الذين تسوقهم حيث تشاء، بعدما أضحت أنقرة المرجعية الوحيدة لكل المحسوبين على عنوان “المعارضة” العريض، سواء السياسيّة ممثلاً بالائتلاف أو العسكرية ممثلة بميليشيات المرتزقة. لتبدأ بعد الاحتلال بإجراءات التغيير الديمغرافي وتتريك المناطق المحتلة وربطها إدارياً بالمحافظات التركية المقابلة.
 وعندما رفضت أنقرة في اجتماع الخبراء العسكريين في 17/9/2020 العرض الروسيّ بتحديد الوجود العسكريّ التركي في إدلب، إلا أنها فيما بعد أخلت أربع من نقاط المراقبة، وإذا كان الأمر قد جاء بصيغة المقايضة فالسؤال يدور حول المقابل، ومن غير شكٍّ أن أنقرة ستطلب رخصة روسيّة بعملية عسكريّة جديدة. وبدأ القصف التركيّ الموسع على ريفي عين عيسى وكري سبي/ تل ابيض الغربي، عقب ساعات من انسحاب وصفه موالون لتركيا بـ”المخزي” من النقطة العسكرية التركية التاسعة في “مروك ” بريف حماة، وأدى إلى موجة استياء واسعةٍ. وهذه الانسحابات تعني إقراراً تركياً بتآكل خطوط سوتشي 17/9/2018، وتثبيتاً لواقع الميدان بعد اتفاق موسكو في 4/3/2020.
بالمقابل أقام الجيش التركي في 30/11/2020 قاعدة في تل بدران ببلدة كنصفرة بمنطقة جبل الزاوية، وفي 2/12/2020 عززت القوات التركية مواقعها بمعسكر المسطومة غرب مدينة إدلب وبلدتي أبلين والبارة بجبل الزاوية. وتواصل دخول أرتال التعزيزات العسكريّة عبر الحدود.
بالمجمل لا تمتلك أنقرة إمكانية اتخاذ قرارٍ بعملٍ عسكريّ في سوريّا ما لم تستند إلى موافقةٍ مسبقةٍ من موسكو مستغلة الزمن بدل الضائع الأمريكيّ.