سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من أروقة الإبداع .. القصيدة: هوامش على دفتر النكسة

آرين شنكالي –
الشاعر : نزار قباني –
وُلد نزار قباني في 21آذار عام1923م بحي مئذنة الشحم بدمشق، وقاده القدر والنبوغ ليكون نجماً من نجوم الشعر العربيّ الحديث، في عائلة كادحة وطنية، عمل والده في صناعة الحلويات، درس نزار قباني في الكلية العلمية الوطنية حتى المرحلة الثانوية، وكان من الطلاب المميزين بذكائهم الفطري، وتابع دراسته في الحقوق، وتأثَّر بشعر الشاعر خليل مردم بيك، وتزوج مرتين وفُجع بموت ولده واستشهاد زوجته الثانية بلقيس في حادث تفجير السفارة العراقية ببيروت عام 1981م. وكانت له فيها قصيدته الرائعة «بلقيس».
قارب قباني الشعر منذ شبابه الأول وكانت قصيدته الأولى عام1939م. وكان ديوانه الأوَّل «قالت لي السمراء»، وبعدها كانت انطلاقته في الشعر الغزلي الجريء وكذلك الشعر السياسي الناقد الجريء الثائر والمتمرد، وكان نزار صريحاً واضحاً إلى حد اتهمه الكثيرون بالمجون والشعر الفاضح في قصائده الغزلية وكذلك بأنه متحامل وحاقد على الأنظمة العربية وبخاصة بعد قصيدته « هوامش من دفاتر النكسة»، ومنع من السفر إلى العديد من الدول العربية وكذلك منعت أعماله من النشر فيها.
استمر نزار قباني بكتابة العديد من المؤلفات الشعرية، والنثرية، والتي وصلت لأكثر من 35 ديواناً، كما أن أغلب قصائده تم تلحينها، وغناؤها من قبل العديد من المطربين في العالم العربي
التحق في عام 1945م في العمل الدبلوماسيّ، وكانت أولى مراحل عمله في القاهرة، والتي عاش فيها فترة زمنية طويلة، وانتقل بعدها إلى تركيا، ولندن، وبيروت وكتب فيها العديد من القصائد الجميلة. سافر قباني إلى الصين وأثرت بدورها على شعره تأثيراً كبيراً، وكانت آخر رحلاته الدبلوماسيّة إلى إسبانيا، وفي عام 1966م . قرر اعتزال العمل الدبلوماسي، والتفرغ التام للعمل الشعريّ، وكتابة القصائد، وأسَّس دار نشر في بيروت، وعاش جزءاً من حياته فيها.
توفي الشاعر الكبير نزار قباني في لندن في 30 نيسان عام 1998م، وطلب في وصيته أن يدفن في دمشق، ودُفن بجانب ولده ووالده.
أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمة
والكتبَ القديمة
أنعي لكم..
كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمة
ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمة
أنعي لكم.. أنعي لكم
نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمة
……
مالحةٌ في فمِنا القصائد
مالحةٌ ضفائرُ النساء
والليلُ، والأستارُ، والمقاعد
مالحةٌ أمامنا الأشياء
…….
يا وطني الحزين
حوّلتَني بلحظةٍ
من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين
لشاعرٍ يكتبُ بالسكين
…….
لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا
لا بدَّ أن نخجلَ من أشعارنا
………
إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ
لأننا ندخُلها..
بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابة
بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ
لأننا ندخلها
بمنطقِ الطبلةِ والربابة.
………
السرُّ في مأساتنا
صراخنا أضخمُ من أصواتنا
وسيفُنا أطولُ من قاماتنا
………
خلاصةُ القضيّة
توجزُ في عبارهْ
لقد لبسنا قشرةَ الحضارة
والروحُ جاهليّهْ…
…….
بالنّايِ والمزمار..
لا يحدثُ انتصار
……….
كلّفَنا ارتجالُنا
خمسينَ ألفَ خيمةٍ جديدهْ
…….
لا تلعنوا السماءْ
إذا تخلّت عنكمُ..
لا تلعنوا الظروفْ
فالله يؤتي النصرَ من يشاءْ
وليس حدّاداً لديكم.. يصنعُ السيوفْ
…………
يوجعُني أن أسمعَ الأنباءَ في الصباحْ
يوجعُني.. أن أسمعَ النُّباحْ..
………
ما دخلَ اليهودُ من حدودِنا
وإنما..
تسرّبوا كالنملِ.. من عيوبنا
………
خمسةُ آلافِ سنهْ..
ونحنُ في السردابْ
ذقوننا طويلةٌ
نقودنا مجهولةٌ
عيوننا مرافئُ الذبابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تكسروا الأبوابْ
أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثوابْ
يا أصدقائي:
جرّبوا أن تقرؤوا كتابْ..
أن تكتبوا كتابْ
أن تزرعوا الحروفَ، والرُّمانَ، والأعنابْ
أن تبحروا إلى بلادِ الثلجِ والضبابْ
فالناسُ يجهلونكم.. في خارجِ السردابْ
الناسُ يحسبونكم نوعاً من الذئابْ…
……….
جلودُنا ميتةُ الإحساسْ
أرواحُنا تشكو منَ الإفلاسْ
أيامنا تدورُ بين الزارِ، والشطرنجِ، والنعاسْ
هل نحنُ «خيرُ أمةٍ قد أخرجت للناسْ» ؟…
…………..
كانَ بوسعِ نفطنا الدافقِ بالصحاري
أن يستحيلَ خنجراً..
من لهبٍ ونارِ..
لكنهُ..
وا خجلةَ الأشرافِ من قريشٍ
وخجلةَ الأحرارِ من أوسٍ ومن نزارِ
يراقُ تحتَ أرجلِ الجواري…
……….
نركضُ في الشوارعِ
نحملُ تحتَ إبطنا الحبالا
نمارسُ السَحْلَ بلا تبصُّرٍ
نحطّمُ الزجاجَ والأقفالا..
نمدحُ كالضفادعِ
نشتمُ كالضفادعِ
نجعلُ من أقزامنا أبطالا..
نجعلُ من أشرافنا أنذالا..
نرتجلُ البطولةَ ارتجالا..
نقعدُ في الجوامعِ..
تنابلاً.. كُسالى
نشطرُ الأبياتَ، أو نؤلّفُ الأمثالا..
ونشحذُ النصرَ على عدوِّنا..
من عندهِ تعالى…
…………
لو أحدٌ يمنحني الأمانْ..
لو كنتُ أستطيعُ أن أقابلَ السلطانْ
قلتُ لهُ: يا سيّدي السلطانْ
كلابكَ المفترساتُ مزّقت ردائي
ومخبروكَ دائماً ورائي..
عيونهم ورائي..
أنوفهم ورائي..
أقدامهم ورائي..
كالقدرِ المحتومِ، كالقضاءِ
يستجوبونَ زوجتي
ويكتبونَ عندهم..
أسماءَ أصدقائي..
يا حضرةَ السلطانْ
لأنني اقتربتُ من أسواركَ الصمَّاءِ
لأنني..
حاولتُ أن أكشفَ عن حزني.. وعن بلائي
ضُربتُ بالحذاءِ..
أرغمني جندُكَ أن آكُلَ من حذائي
يا سيّدي..
يا سيّدي السلطانْ
لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ
لأنَّ نصفَ شعبنا.. ليسَ لهُ لسانْ
ما قيمةُ الشعبِ الذي ليسَ لهُ لسانْ؟
لأنَّ نصفَ شعبنا..
محاصرٌ كالنملِ والجرذانْ..
في داخلِ الجدرانْ..
لو أحدٌ يمنحُني الأمانْ
من عسكرِ السلطانْ..
قُلتُ لهُ: لقد خسرتَ الحربَ مرتينْ..
لأنكَ انفصلتَ عن قضيةِ الإنسانْ..
…………….
لو أننا لم ندفنِ الوحدةَ في الترابْ
لو لم نمزّقْ جسمَها الطَّريَّ بالحرابْ
لو بقيتْ في داخلِ العيونِ والأهدابْ
لما استباحتْ لحمَنا الكلابْ..
…………….
يا أيُّها الأطفالْ..
من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ
وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ
ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..
ويقتلُ الخيالْ..
يا أيُها الأطفالُ أنتمْ –بعدُ- طيّبونْ
وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ
لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ
فنحنُ خائبونْ..
ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ
ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ
لا تقرؤوا أخبارَنا
لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ
ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ
يا أيُّها الأطفالْ:
يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمة
وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمهْ…