سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

من أروقة الإبداع .. القصة: لعبة

إعداد / عبد الرحمن محمد –
القاص: بسام الطعان –
القاص بسام الطعان من مواليد تربة سبية في اقليم الجزيرة، درس فيها وأنهى دراسته، يعمل في الصحافة الثقافيّة، يكتب القصة القصيرة وينشرها منذ سنوات في العديد من الصحف والمجلات والدوريات العربيّة والمواقع الالكترونيّة الثقافيّة والمهتمة بالأدب، عضو اتحاد الكتاب العرب وله أربع مجموعات شعريّة «ورود سوداء، غرفة معبأة بالنار، غزالة الغابة، ونهر الدم» بالإضافة إلى رواية مخطوطة.
نال العديد من الجوائز وشهادات التقدير، يتميز بغزارة نتاجه الأدبي الذي يعالج فيه واقع الحال وقصص من المجتمع والواقع المعاش في أيام الطفولة.
كانت له لعبة جميلة لا يمل منها, وفي أيام المراهقة, أمسكت بتلابيب قلبه وعرشت « كالعسلية « على شرفات روحه, فأعلن باسمها بدء انتشار الحب حتى يعم العالمين.
إنها (زهرة) قريبته, وصديقة طفولته, كم لعب وتراكض معها في سني الطفولة والصبا, وكم تضاحكا وتراشقا بالماء في النهر المسافر دائماً, وحين اكتملت وأزهرت, انفصلا انفصالاً طبيعياً, لكنه لم يتخيل أبداً أن يكون جمالها الخارق الذي ليس له مثيل في القرية كلها من نصيب غيره. غابت عنه خمسة أيام بلياليها, فكان يبدو مثل جذع بلا أوراق, أو طائر بلا أجنحة, وحين عادت من زيارتها لبيت خالها في القرية القريبة, سكنته رعشة وأتاه الفرح بالجملة, فلم يستطع تحمل دقات قلبه المتسارعة, مضى إليها مرتدياً زهو الربيع, وقف أمامها وهو ثمل بعبق الشوق والحب.
ـ أين كنت يا أعز الناس؟ قال وهو لم يتوقع أن تذهب كلماته أدراج الرياح. ردت بكلمات مبهمة ودخلت إلى بيتها وأغلقت الباب.
في صباح اليوم التالي شاهدها صدفة في طريقه فمـسح شعـره بيده, رتب هندامه, ولم يترك لها مجالاً للابتعاد:
ـ من يستطيع أن يطفئ عطشي إليك يا زهرة الزهرات. تأففت وتأملته من شعره اللامع حتى حذائه اللامع, شعرت بالكثير من القرف والتقزز فقالت: هل تعلم أنك مثل مستنقع تحت التلال. ثم ابتعدت ورسمت أمامه بحاراً, وجبالاً, وآلاف مؤلفة من الأسلاك الشائكة.
لأيام طويلة لم تطب أجفانه في الكرى, وفي كل ليلة من ليالي الشوق, يرتدي أجمل ما لديه من ثياب, يتعطر, ينشر الليل شراعاً, ويتحول إلى ملَّاح يبحر نحو بيتها, لعله يسعد عينيه برؤيتها, لكن أبوابها دائماً موصدة بمزاليج من نار. مرت الأيام وكبرت الأحلام ولم ينسها لحظة واحدة, صارت همه وأهمه, فعل المستحيل من أجلها, لكن قلبها ظـل قاسيا تجاهه كحجر الصوان. هي حكمت عليه بالشقاء, وتركته يتحسر ويتفجر بكل أنواع الهموم, وهو كحصان يأبى الانهزام والنسيان, وظل يطلق من حولها صهيله المليء بالصبابة والوداد. ذات أصيل كانت وحدها في الكرم تقطف العـنب, فاقترب منها وقلبه يرتجف ويغلي, احتضنها خــلسة وحاول أن يأخذ منها بالقوة ماء يطفئ عطش شفتيه, لكنها تصدت له بكلام جارح ومنحت رأسه حجراً.
لم يتعب من مراقبتها وملاحقتها, ولم يأبه بكلمات التوبيخ التي كانت ترشه بها. بالأمس رآها جالسة في البستان تحت ظل شجرة التوت العملاقة, كانت تتقمص الأبهة, ترتدي ثوباً زاهياً, تفرّد ضفائرها للنسيم, تمدّ ساقيها, وتمارس هواية الغناء, بقي ينظر إليها من بعيد وروحه تحلق من حولها، انتابته بغتة أحاسيس غريبة لم يحس بها من قبل، فلم يأبه بالمحظورات, قفز من فوق السور الطينيّ, اختبأ خلف شجرة قريبة منها, ولكن قبل أن ينفِّذ ما يريد, أو ما تريد نفسه, دخل شاب وسيم الطلعة إلى البستان, فأرسلت إليه عبر عينيها رسولين ضاحكين, ثم نهضت بحيوية ورحبت به بحرارة, جلس إلى جانبها, ابتسم لها, فأعطته مقابل ابتسامته نقاء أغنية عاشقة.
إنه يعرف الشاب جيداً, قال لنفسه وقلبه يحترق بنيران لا تعرف الانطفاء: «الآن عرفت لماذا كانت تذهب إلى تلك القرية».
كان ينظر إليهما والشرر يتطاير من عينيه كما يتطاير الشهاب في جوف الليل, وحين اتحدا فجأة في حب كوني, ركبه دوار من القهر, شعر بحقد طاغٍ تجاهها وتجاه العالم كله, اندلعت النيران في كل أجزاء جـسده, ولم يعد يرى غير الموت من حوله, وفي لحظة جنونية, خرج من خلف الشجرة, ركض باتجاه الجسدين الغائبين عن الدنيا, وقف فوقهما والنار لا تزال تندلع فيه, وقبل أن تحوله إلى جثة متفحمة, أخرج بحركة سريعة من خاصرته مسدساً لامعاً وحاقداً, راقب للحظات الجداول الحمراء وهي تسير على الأرض, ثم انسحب وكأن شيئاً لم يكن, حـتى أنه لم يرد على أسئلة الذين توافدوا على البستان, ولم تنته اللعبة وإنما ابتدأت.