سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

منبج مفتاح الحل

أحمد بشير –
لماذا كلّ هذا التشاؤم حول الاتفاق على خارطة الطريق في منبج بين أمريكا ووحدات حماية الشعب من جهة، وتركيا من جهة أخرى، علينا قراءة المشهد بشكل صحيح والتروّي في إبداء الآراء حول هذا الاتفاق، فالولايات المتحدة الأمريكيّة ليست ملكاً ولا رهن إرادة تركيا ولا الكرد ولديها سياساتها المستقلة والتي تحمي مصالحها، وكانت على الدوام تبحث عن موطئ قدم لها في هذه المنطقة الغنية بالنفط والموارد الطبيعيّة، ورأت في الظلم التاريخيّ الواقع على الكرد نقطة الضعف في سوريا، التي استغلتها في الوقت المناسب وفي أحلك الظروف، عندما تعرّضت كوباني لأشرسِ هجمة إرهابيّة من مرتزقة داعش، حيث صرّح آنذاك وزير الخارجيّة الأمريكيّ جون كيري بأنّ الواجب الإنسانيّ والأخلاقيّ دفعنا للتدخل لمساعدة وحدات حماية الشعب الكرديّة في كوباني بعد المقاومة الأسطوريّة التي أبدتها هذه الوحدات ما يقارب ثلاثة أشهر وضحّت بمئات الشهداء، ولم يستسلموا حيث بدأت قوات التحالف التي يقودها الولايات المتحدة بشنّ الغارات الجويّة على المجاميع الإرهابيّة، وهذه كانت البداية لانطلاق مرحلة التنسيق بين التحالف الدوليّ ووحدات حماية الشعب، وفيما بعد قوات سورية الديمقراطيّة والتي حقّقت انتصارات عظيمة على المرتزقة وحرّرت مناطق وبلدات كثيرة شمال سورية، ما أزعجت تركيا العدو اللدود للكرد من تصاعد نجم الكرد على حساب المجموعات المعارضة التي تدعمها، وهكذا بدت الأمور تسير بصعوبة شديدة نتيجة تجاهل الولايات المتحدة للمطالب التركيّة والاعتماد على قوات سورية الديمقراطيّة ودعمها بالأسلحة الثقيلة ومؤازرتها بالغارات الجوية على الارهابيين، وكانت هذه الفترة قاسية جداً على الكرد وعلى الولايات المتحدة الأمريكيّة حيث تحوّلت تركيا إلى المحور الروسيّ، واشتد العداء بينها وبين حليفتها واشنطن التي أصرّت على الاعتماد على الكرد وأهملت تركيا الطامحة على لعب دور كبير في أزمة جارتها المنهارة سورية، وبدخول تركيا إلى المحور الروسي الإيرانيّ، بدأت روسيا تحثُّ تركيا على معاداة المشروع الأمريكيّ في سورية، مستغلة العداء التركيّ التاريخيّ للكرد حتى وصل بالأمر بين تركيا وأمريكا إلى حد القطيعة. ولكن وبعد أن سمحت روسيا بفتح المجال لتركيا بالعدوان على عفرين واحتلالها، ولم تستطع أمريكا التدخل كون عفرين صنفت ضمن منطقة نفوذ روسي وبعد نجاحها في احتلال عفرين، بدأت تركيا ومن خلال مسؤوليها بالتهديد والوعيد ضد التجربة الديمقراطيّة في شمال سورية وقولهم بمهاجمة منبج وكوباني وقامشلو، وهكذا مما جعلت أمريكا في موقف محرج، لذا كان لزاماً على المسؤولين في أمريكا إيجاد مخرج لهذه العقدة التي بدأت تقضُّ مضاجعهم، حيث تم فتح قنوات دبلوماسيّة مع تركيا لإيجاد مخرج يُرضي جميع الأطراف المتصارعة على الشمال السوريّ، حيث توّجت هذه المفاوضات على خارطة الطريق لحلّ المشاكل العالقة في منبج بين الأطراف الثلاثة، وبالطرق السلميّة ودون اللجوء إلى العنف، ومن ثم وبعد نجاح هذه التجربة سيتمّ تعميمها على كلّ مناطق شمال سورية، وبذلك دخلت الأزمة السوريّة وبخاصة الشمال السوريّ مرحلة جديدة وهي مرحلة الحل السياسيّ وتوفير الأرضيّة المناسبة للتقارب بين الكرد والأتراك وبرعاية أمريكيّة، وفرضها على الأطراف المتنازعة الأخرى، وستكون هذه المرحلة صعبة للغاية وقد تكون أصعب من المرحلة العسكريّة ولكن الخبرة التي اكتسبها الكرد وأصدقاؤهم خلال السنوات الماضية ومن خلال تعاملهم مع الملفات الدوليّة ومفاوضاتهم مع الأطراف الفاعلة في الأزمة السوريّة جعلتهم رقماً يصعب تجاوزه، وربما ستكون المرحلة القادمة هي مرحلة تثبيت الحقوق وتصفية وتنقية الأجواء لأنَّ الأطراف المتنازعة وبعد دحر المجموعات الإرهابيّة ستجلس معاً لحل القضايا العالقة للوصول إلى حماية مصالح جميع الأطراف وتحقيق الاستقرار في سورية.