سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

منبج… فجر 12 آب تاريخ لن ينساه أبناء المنطقة ـ4ـ

تحقيق/ أكرم بركات –
شهدت منبج على مر عصور متعددة من تاريخ نشأتها تحولات هامة ألقت بظلالها على المنطقة عامة لموقعها الاستراتيجي الهام، ومن إحدى هذه التحولات كان يوم الـ 12من آب عام 2016م، حيث تحررت المدينة وقراها من مرتزقة داعش.
على الرغم من ممارسات داعش الترهيبية والحصار الخانق، لم تنكسر شوكة أبناء منبج، فظلوا متمردين على الواقع الذي صنعه داعش، وصل الحال بأهالي مدينة منبج لاتباع طريقين فقط، إما الموت خنقاً أو الموت بشرف، وما كان لأهالي منبج سوى الاستنجاد بمجلس منبج العسكري الذي تأسس في 2 نيسان 2016م من أبناء وبنات منبج، لتخليصهم من ظلم وبطش المرتزقة.وفي 1 حزيران 2016م، أطلق مجلس منبج العسكري الذي يتألف من ”كتائب شمس الشمال، وثوار منبج، وتجمع ألوية الفرات، ولواء جند الحرمين، وتجمع كتائب شهداء الفرات، ولواء القوصي، وكتيبة تركمان منبج” حملة باسم حملة تحرير مدينة منبج وريفها من مرتزقة داعش، وفي 5 حزيران 2016م، بدأت الحملة انطلاقاً من جبهتين (جبهة جسر قرقوازق وجبهة سد تشرين) وأربعة محاور.
تمت الحملة على شكل مرحلتين، الأولى لتحرير قرى وريف منبج من المرتزقة والثانية لتحرير كامل المدينة.
المرحلة الأولى
تقدمت الحملة بشكلٍ منتظم، واتخذ مجلس منبج العسكري تحرير المدنيين من ظلم وبطش داعش من أولويات حملته، لذلك شكل المجلس فرقاً خاصة مهامها إنقاذ المدنيين، وفرقاً خاصة لكسر دفاعات مرتزقة داعش.
وفي 5 حزيران 2016م وأثناء تقدم قوات مجلس منبج العسكري صوب معاقل مرتزقة داعش شرقي منبج، وإبان استشهاد القائد العام لكتائب شمس الشمال فيصل أبي ليلى، تمت تسمية الحملة باسم حملة القائد الشهيد فيصل أبي ليلى لتحرير منبج وريفها وفاءً لذكراه واحتراماً لبطولاته خلال ثورة روج آفا وشمال سورية.
وبروح الانتقام استمرت الحملة وباشر مقاتلو مجلس منبج العسكري بتحرير كامل القرى التابعة والمحيطة بمدينة منبج من يد مرتزقة داعش، من الجهات الأربعة الشرقية، الغربية، الجنوبية والشمالية، وخلال فترة زمنية تقدر بشهر تمكن مقاتلو مجلس منبج العسكري من تحرير أكثر من 200 قرية في الجهات الأربع. وقُتل خلالها ألفا مرتزق؛ جثث أكثر من 1600 وقعت بيد مقاتلي مجلس منبج العسكري. كما حرر مقاتلو مجلس منبج العسكري أكثر من 75 ألف مدني من ظلم وبطش المرتزقة، وتم تأمينهم في أمكان وقرى تحت سيطرة المجلس.
استطاعت قوات المجلس خلال مدة زمنية قصيرة، تحرير العشرات من القرى والمزارع في الريف، وقتل العشرات من مرتزقة داعش وتدمير مقارهم وآلياتهم، مدعومة بطائرات التحالف الدولي، ضمن تنسيق سهل ودقيق وعلى مدار الساعة بين الطرفين. وتمكن مقاتلو المجلس خلال شهر من انطلاق الحملة من تحرير مساحة 1200 كيلو متر مربع، بدءاً من جسر قره قوزاق وانتهاءً بمشارف منطقة الباب. وبعد تحرير كامل القرى المحيط بمدينة منبج وقطع مقاتلو مجلس منبج العسكري طرق الإمدادات كافة؛ القادمة لمرتزقة داعش من منطقي الباب وجرابلس، باشر مقاتلو مجلس منبج العسكري بالمرحلة الثانية من الحملة.
المرحلة الثانية لحملة تحرير منبج
بعد إطلاق قوات مجلس منبج العسكري المرحلة الثانية لحملة تحرير المدينة في 1 تموز 2016م، أصبح التقدم الميداني أبطأَ نظراً للتحصينات الكثيرة التي وضعها داعش في مداخل الأحياء السكنية، مع منعه المدنيين من مغادرة المدينة، واستخدامه إياهم كدروع بشرية، تفادياً للقصف الجوي للتحالف، والقصف بالأسلحة الثقيلة من جانب قوات مجلس منبج العسكري.
وكانت هجمات القوات تقتصر على عمليات خاصة ودقيقة من جانب الوحدات الخاصة (الفرق الخاصة بتحرير المدنيين وفرق كسر خطوط دفاعات المرتزقة) واقتحمت تلك القوات خطوط داعش بشكل مباغت وأصابت عناصره بشكل فردي، وغالباً ما كانت تستخدم الوحدات المهاجمة الأسلحة الخفيفة والقناصات، تفادياً لإلحاق الضرر بالمدنيين.
وكان مرتزقة داعش طيلة السنوات الثلاث لاحتلالهم منبج، قد بنوا القواعد العسكرية والتحصينات في المدينة، وأنشؤوا فيها معسكرات تدريب الأطفال واليافعين الذين ساقوهم إلى التجنيد وإلى «الدورات الشرعية»، وجلبوا الكثير منهم من المناطق التي احتلوها وارتكبوا فيها المجازر المروعة، مثل قضاء شنكال، الذي هاجمه مرتزقة داعش في 3 آب/ 2014م، كما جلب داعش أطفال الإيزيديين بغية إخضاعهم للتجنيد في «الدورات الشرعية»، إضافة للفتيات الإيزيديات اللواتي سباهن، للبيع والاسترقاق في المدينة.
استمرت الحملة بهذه الوتيرة حتى 2 آب، حيث كسرت قوات مجلس منبج العسكري كامل الخطوط الدفاعية والأمامية لمرتزقة داعش ونقاط تمركزهم في المدينة، وحررت 80 % من المدينة، وتم تشتيت قوات داعش ونظامهم ضمن المدينة.
مجلس منبج المدني رديفاً للمجلس العسكري
وحررت قوات المجلس العسكري خلال شهر من المرحلة الثانية للحملة 50 ألف مدني من المدينة. وتم إخراجهم من المدينة وتسليمهم إلى مجلس منبج المدني الذي شُكل في 5 نيسان 2016م، خلال اجتماع جماهيري كبير في ناحية صرين، حضره المئات من أهالي منبج. وتم خلاله انتخاب 43 عضواً في المجلس يمثلون مختلف مكونات المنطقة الدينية.ولعب المجلس خلال الحملة دوراً مهماً في تنظيم الأهالي والقرى وإيجاد ملاجئ للذين يتم تحريرهم من خطوط الجبهات، وتقديم الغذاء، والخدمات الطبية والتكفل بأمور تنظيمهم على أكمل وجه إلى حين انتهاء الحملة، حيث قام المجلس بمؤازرة مقاطعة كوباني بافتتاح 3 مخيمات للنازحين، الذين تجاوزت أعدادهم الـ 150 ألفاً، وأشرفت الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة كوباني على رعايتهم بشكل مباشر وقدمت الدعم اللازم لهم.
خلع السواد وإشراق نور الحرية
وبعد 73 يوماً من التقدم المستمر وتدمير تحصينات داعش واقتحام صفوفه، وبتمام الساعة الـ 12.00 من يوم الـ12 من آب قام مقاتلو مجلس منبج العسكري بالهجوم الأخير على فلول مرتزقة داعش المتواجدين في شوارع حي السرب، والذين كانوا يستخدمون المدنيين ممن تم أسرهم كدروع بشرية، وفي تمام الساعة الـ 17.05، تمكن مقاتلو المجلس من كسر خطوط المرتزقة الأمامية وتحرير كامل المدنيين، والقضاء على المرتزقة.عم الفرح أرجاء منبج بتخليصهم من ظلم داعش، حيث شوهدت النسوة وهن ينزعن النقاب الأسود ويضرمن فيه النيران، والرجال وهم يحلقون ذقونهم، والتعبيرات المختلفة عن الفرحة والسعادة بالتخلص من نير السوّاد والظلام، على يد قوات مجلس منبج العسكري حيث الحرية في القول والعيش.وفور سماع الخبر بدأ نازحو منبج بالعودة إلى مناطقهم وتفقد دورهم، بينما عادت الحياة إلى بعض أحياء المدينة وفتحت المتاجر أبوابها.
قصم ظهر داعش
بتحرير منطقة منبج قصمت قوات سورية الديمقراطية ظهر مرتزقة داعش وكانت بداية انهياره في سورية، وبتحرير منبج تم تحقيق انتصار كبير على داعش، حيث حررت المدينة التي كانت إحدى قلاعه في سورية والمعقل الرئيس للمرتزقة الأجانب وطريق إمداداتها اللوجستي من تركيا، وأثبت قوات سورية الديمقراطية بأنها الشريك والحليف الأقوى والأكثر تنظيماً للتحالف الدولي لمناهضة «داعش»، وإنها منضبطة وملتزمة بالمعاهدات الدولية التي تنص على حماية المدنيين وأسرى الحرب. وأثبتت أنَّها تراعي أمن الأهالي ولا تعرض حياتهم للخطر حتى ولو أدى ذلك إلى تأخر النصر والتضحية بالمزيد من مقاتليها.والخطوة الأهم خلال عملية تحرير منبج كان تهاوي مخطط الدولة التركية في بناء «المنطقة العازلة»، وسقوط الخطوط الحمر، وتضعضع داعش وتقهقره، وهو كان الرهان الأقوى والأخير لحزب العدالة والتنمية ضمن مخططه الاستراتيجي في تصفية الكرد في شمال سورية والنيل من فيدرالية الشمال السوري وتأليب المكونات ضد بعضها البعض.