سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

منبج على صفيح ساخن وحرب تركية بالوكالة

خضر الجاسم –
تعمد تركيا لتجنيد كل ما هو غير شرعيّ، حتى لو اتصف بصبغة إرهابيّة، خدمة لتنفيذ أجندتها الإرهابيّة. بما يخدم مصالحها، وسياستها الخارجيّة.
فقد سخَّرت أنقرة إعلامَها، لخوض حرب دعائيّة على مدينة منبج. باعتبارها ضالتها التي تبحث عنها وبخاصة بعد سقوط عفرين محتلّة من قبله. ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، بل قامت بنشر خلاياها على كلّ مناطق المحاذية للمدينة، وبما يسمّى بـ «درع الفرات»، وهم ممن يعملون تحت إشراف الاستخبارات التركيّة. وهو ما بات يُدعى بالكونترا التي أخذت على عاتقها، تنفيذ مهامها بحسب أوامر الاستخبارات التركيّة من خلق فوضى، وزعزعة أمن واستقرار منبج عبر نشر مفخخات، وعبوات ناسفة، أو التخطيط لاغتيالات، بحق قياديين في مجلس منبج العسكريّ، أو الإعلان عن إضرابات مسبقة، رغبة في نشرالفوضى.
حربٌ عبر الخلايا
لا يخفى على أحد، أنّ سياسة الكونترا ليست محض صدفة، بل إنَّ لها شبكة تستقصي المعلومات، ليتم فيما بعد أخذ دراسة معينة بحقها. وعلى ضوئها يتم الاستفادة من الظروف، والمواقف في أمكنة، وأزمنة معينة لإيجاد آلية مناسبة لتنفيذها، ولعل المدقق بحال هذه الخلايا، يجد أنها نشطة، منذ بداية تحرير مدينة منبج حين حاولت لفت انتباه التحالف إليها، ليتم توكيلها بتحرير المدينة. وكانت المراهنة آنذاك على قوات درع الفرات، الذي يعلم التحالف الدوليّ بخطورته الشديدة، أكثر من كونه نافعاً في مجال التحرير، وهذا يعكس رغبة التحالف، بإسناد المهمة لقوات مجلس منبج العسكريّ بتحرير المدينة، بمنأىً عن تركيا، ومرتزقتها. ولذا بحثت الكونترا عن بديل يمثلها في الداخل، فما كان منها إلا أن جنّدت العشرات من خلاياها بعدما فقدت الأمل باحتلالها، وهم من فلول داعش، ومرتزقة الجيش الحرّ، طمعاً في شلّ نجاح الادارة المدنيّة الديمقراطيّة، بعد زهاء عام ونصف من التحرير. الذي راهن على الوقت، من كون الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة، ليست جاهزة بعد. من قدرتها إدارتها على إدارة أحد أكبر مدن الشمال السوري، إضافة إلى استمالة المكون العربيّ، بمنأىً عن المكوّنات الأخرى، لزرع بذور الخلاف بين المكوّنات، وإحداث شرخ في بنية التركيبة السكانيّة بمنبج، وهي سياسة درجت عليها الدول القومويّة، لتصفية الخصوم؛ وذلك بضرب النسيج الفسيفسائيّ بين بعضهم البعض، كما قامت بإحداث نقطة غرفة عمليات، في مناطق عديدة منبج وذلك بحسب ما تبينه مخططاتهم، التي قاموا بها في منبج، عبر رسم خط بياني، لمناطق من الشمال السوري، وآلية تنفيذها بشكل طولانيّ وعرضانيّ.
وأنشأت الكونترا لهذا الغرض غرف عمليات، موزعة على محورين اثنين وطبيعة هذه الغرف يختلف أحدها عن الآخر من حيث النوع، والشكل وينضوي تحتها عناصر من الجيش الحرّ، ومرتزقة النصرة، وداعش، لتنفيذ تلك العمليات من قرية المحسنلي، وذلك على خلفية الهجوم الذي شنه قطيع، من مرتزقة درع الفرات من محور مدينة جرابلس على مجلس منبج العسكريّ، حيث استطاع حينها التمكن من صدِّ هذا الهجوم الإرهابيّ المباغت، كما وأنشأت غرفة عمليات في قرية قباسين، وأوكلت لها، مهمة تنفيذ مخططاتها، داخل مدينة منبج، كونها على امتداد الطريق الدوليّ لمدينة الباب.
وعي العشائر أحبط الفتنة
هذه العمليات بدأت منذ اليوم الأول لتحرير منبج، إذ بدأت الكونترا تنفيذ عملياتها في منبج، وعلى نطاق واسع. وهذا ما يُعيد إلى الأذهان، سلسلة من الحوادث التي مرّت دون نمعن النظر في خلفيّتها، إذ لا تزال آثارها ظاهرة في كثير منها، ففي صيف 2017م دعت هذه الاستخبارات عناصرها لتأليب أهالي منبج على الإدارة والوقوف مناوئة ضد المرسوم التشريعيّ رقم 11 والذي أصدرته، بخصوص سوق من هم في سن الخدمة للدفاع عن منبج، والحفاظ على وحدتها من أي خطر محدق، وقد امتثل البعض من أهالي منبج، تماشيا مع هذا التأليب المدبّر، دون دراية، أو علم بهذه المخططات، فانساقوا مع تلك الدعوات الرامية لخلق الفوضى، وعدم الاستقرار في منبج. فلجأوا إلى إغلاق المحال التجاريّة، وتعطيل الحياة العامة، إلا أنّ حكمة الإدارة المدنية الديمقراطيّة في منبج، وعدد من وجهاء، وشيوخ العشائر العقلاء، استطاعوا وأد الفتنة قبل اندلاعها محرقة الأخضر، واليابس، كما حاولت تلك العناصر تأجيج التوتر، بين الإدارة المدنيّة الديمقراطيّة في منبج، وعشيرة البو بنا والتي تعد من أكبر عشائر مدينة منبج، والشمال السوريّ. إذ استفادت من حادثة مقتل شابين في قرية قريبة من جسر قرقوزاق، حيث تمّ نشر إشاعات ملفّقة، ولا أساس لها من الصحّة، وذلك بإثارة النعرات، من كون الأسايش من يقفون وراء حادثة مقتلهما، خرجت على إثرها عشيرة البوبنا، بمظاهرات في وسط منبج، مطالبين من خلالها الكشف عن ملابسات القتل، وتقديم الجناة، مهما كانت صفتهم للعدالة، وما محاولة اغتيال شرفان درويش الناطق الرسميّ باسم مجلس منبج العسكريّ وتدبير مقتله، في آذار 2018م إلا دليلٌ واضح على تورط الكونترا وراء ذلك. لكنها باءت بالفشل وهو ما اضطر شرفان درويش لدخول المشفى، وتلقّي العلاج مدة شهرين، كما ولا تزال تلك العناصر، تموّل خلاياها بمدد ماديّ، لكل عنصر من الكونترا، الذين يتقاضون رواتب مغرية، تصل لمبلغ 500 دولار، كما تمدّهم بمزيد من العبوات الناسفة، والقنابل الصوتيّة. وهذا ما قامت به تلك العناصر في منبج، إذ زرعوا عبوات ناسفة، في رصيفٍ لمشفى الفرات، وأخرى في ساحة الكرنك، في وسط مدينة منبج في أواخر شهر رمضان الفائت، وبحمد الله لم يسفر التفجيرين، عن إصابات بالأرواح، واقتصرت الأضرار، حينها على الماديّة.
إنّها حرب من نوع آخر، حرب بالوكالة تقوم بها تركيا، ومن تموّلهم لتغذية الفوضى، وزعزعة الأمن، والاستقرار في منبج، هؤلاء العملاء والجواسيس، هم من على الإدارة في الشمال الكشف عنهم ومواجهتهم محاربتهم؛ لأنّهم أشر، وأخطر عليهم، من الحرب الحقيقيّة، والمواجهة، بين طرفين.