سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

منبج انتصرت بفكر الأمة الديمقراطية

تقرير/ خضر الجاسم –
روناهي/ منبج – جابوا الأرض بطولها وعرضها واحتلوا من الأراضي السورية قرابة 60%، ودان لهم في فترة ما الكثير من الأطراف المتصارعة على الحكم على الأرض السورية، كما أثاروا الكثير من الفوضى والفتن في أوروبا بهجمات عديدة، وجعلوا المجتمع الأوروبي في حيرة من أمره. إنهم مرتزقة داعش الذين طغوا في الأرض وعاثوا فيها الفساد؛ إلا أن مقاومة  قوات سوريا الديمقراطية لهم وانتصارها عليهم شكل شوكة بحلقهم، وقصم ظهورهم.
فكان انتصار منبج أحد الانتصارات التي سجَّلها التاريخ، وكُتبتْ بماء  الذهب وهو محفور بذاكرة كل مواطن فيها، وبهذا الخصوص التقت صحيفتنا مع عدد من النخب واستطلعت آراءهم بذكرى تحرير مدينة منبج؛ كما في تقريرنا التالي:
النصر لم يكن مُجرَّد صدفةٍ أو أمنيات
حدثنا الباحث السياسي والاقتصادي ابراهيم الماشي عن رأيه في حكم داعش لمدينة منبج قبل التحرير قائلاً: “استطاعت منبج تبديل المفاهيم المؤدلجة والمتطرفة بعد تحرير المدينة بمفاهيم من فكر الأمة الديمقراطية، تناسب مقاساتنا وألواننا وأشكالنا بما تمتلكه من تجدُّد وتغيير ومن قبولٍ للآخر وعدم إقصاءٍ لأحد ما على الرغم أحياناً من معارضته لهذا الفكر، بل إنه يقبل الجميع بكل أطيافه وألوانه، والذي انتشر بين كل فئات الشعب ولا سيما الشبيبة والنساء، وتم توظيف الطاقات بالشكل الذي يناسب بيئتنا، بينما كان سير الحياة في اتساعٍ وتمدُّد في ظلِّ حكم داعش بلا جدوى أبداً”.

في حين يرى الماشي أن النصر لم يكن صدفة أو أمنيات وردية بقوله: “من حق منبج أن ترتدي حلة النصر، وتضع إكليل الغار، فالنصر ثمينٌ جداً، ولجأنا إلى التحرير لأننا نعشق الحرية، ولكي ندفع عن أنفسنا مرارة الحياة ولنعيش بكرامة، فكانت الفاتورة مدفوعة من حساب دماء الشهداء إزاء هذا الوحش المفترس؛ الذي تم تصديره إلينا من كل أنحاء العالم، وهو بعيد كل البعد عن تقاليدنا وموروثنا والإسلام الحنيف”.
وفي معرض حديثه عن ممارساتهم وأساليبهم بحق أهالي منبج قال الماشي: “اعتمدوا سياسات القمع الأكثر فظاعةً، فخنقوا الحياة عند الأهالي ووأدوها بشكلٍ عنيف، فتوقفت مصالح الناس كلياً “، مضيفاً: “إن أبشع الجرائم قسوةً بحق أهلنا تمثَّلت بحرمان الأطفال من التعليم، وإغلاق المدارس بحجة أنَّها تتبع النصيرية، فكنا نتساءل هل العلم ينحصر بطائفة معينة دون أخرى وقوم معينين دون سواهم؟، إنما العلم لكل إنسان في شعار عريض لا يختلف عليه اثنان، كما عمدوا إلى إدخال حياة الأهالي إلى الظلمات من بعد ما رأَوها في النور، والإسلام بريء كل البراءة من هذه الأفعال القبيحة، لأن الإسلام هو دين الرحمة والمؤاخاة بين الجميع على اختلاف أعراقهم”، ونوَّه الماشي بقوله: “إلى أنَّهم لم يعرفوا قيمة وحقيقة الحياة إلا بحقبة داعش، إذ تعلمنا كيف يتوجَّب على كلِّ سوريٍّ أن يعطي على قدر استطاعته “.
وتحدَّث الماشي عن تحرير منبج إذ يراها ثورة حقيقية بكل المقاييس قائلاً: “في عرسها صعدت منبج عربة الفخر من أوسع أبوابه لترتقي بعد التحرير إلى ميدان النمو والازدهار، فبات أهلها يعودون للبناء لقناعتهم أنَّهم سيعيشون للحياة لا للموت فقاموا ببث الأوكسجين والحياة في ربوعها من جديد، من هذا المنطلق شهدت مدينة منبج نهضة وتنمية من أول يوم بعد التحرير؛ بدءاً من توسيع الخدمات على اختلافها، لتنتقل من الجمود والإهمال إلى الانفتاح والتطور، مؤكداً على أنَّ كل ذلك جاء بفضل دماء الشهداء الذين بذلوا أرواحهم فداءً لوطنهم ، ونحن شعب منبج عائلة واحدة قررنا أن نعيش بعزة وحرية وكرامة وأخوة أو نموت في سبيل ذلك”.
مقاومة أثمرت انتصاراً
أما الباحث الاقتصادي عبدو شيخو فيرى أن التحرير كان أشبه بأمنية بعيدة المنال، قائلاً: “لقد حكم داعش بالسيف لكل معارض لمنهجه وخطه، وسلّ سيفه علينا وأوغل بالقتل والذبح حاصداً أرواح السوريين أينما كانوا من مختلف المكونات الإثنية والعرقية، وهتك الأعراض وسلب الأرض والمال، فتوقَّف أصحابُ المهن عن عملهم وبخاصةٍ ما كان فيها شبهة بالحرام على حدِّ زعمه مثل مجال الإنترنت، وتصليح الكهربائيات، والألبسة الحديثة، وغيرها انطلاقاً من مذهبهم القائل “درء المفاسد”، وكل هذا محض افتراء”.

وعن ذكرى تحرير منبج تحدث شيخو قائلاً: “إن منبج وجدت نفسها في حضن بلدها سوريا بفضل مقاومة أبطالها، وتمسُّكها بفكر الأمة الديمقراطية الذي وسع أهالي منبج شمولاً ووَّفاهم حقوقهم وضَمِن لهم حريتهم، فشتان ما بين هذا الفكر الحر، وبين فكر داعش المتطرف”.
وحدثتنا الكاتبة ثريا اسحق عن ممارسات داعش على الأهالي في الفترة القاتمة التي مر بها الشمال السوري ومنبج بخاصة، حيث قالت: “أمنيتنا في تلك الفترة كانت تكمن في انزياح السواد الدامس الذي كفّن حياتنا، ووشّحها بالوحشية حتى في صغائر الأمور، وهذا ما وضع علامات استفهام على مصير المواطن حينها، فهو لا يعرف متى يفارق رأسه جسده؛ بسبب مرتزق، فكان يدرك متى يخرج من بيته، لكن للأسف لا يعلم متى سيعود  لا يعرف متى تنتهي حياته على يد هذا الفكر الظلامي الإجرامي الذين أوغل بقتل أبناء بلدنا، بأيدي أناسٍ لا تربطنا بهم أية صلة، حتى الدين الذين حملوا دعوته باعتبارهم دعاته، فكانت الدعوة زوراً وباطلاً، وليس كما روجوا لها، وإنما أحلوا قتل السوريين غيلةً” قائلةً: “ألم نحزن على جزِّ رؤوس المنبجيين على مرأى من الأهالي في أقذع صورة؟ فعانى أهالي منبج من وطأة البطش والشدة زهاء عامين، الأمر الذي لم يتحمله الكثيرون، ما حداهم إلى الرحيل والغربة، أما من بقوا فكانوا السد المنيع الذي وقف في وجه تعنُّت داعش وبطشه.

وأشارت ثريا: “إلى أنَّ فكر الأمة الديمقراطية أصبح جزءاً كبيراً من حياتنا فالفكر المتطرف لم يناسب مقاس السوريين لا شكلاً ولا مضموناً”.
وتابعت ثريا الحديث عن المشاهد الساحرة لمنبج وهي تكتسي بحلاوة النصر قائلة: “شيءٌ جميل أن نحتفل في منبج بميلاد الشمعة الثانية لتحريرها من الفكر العبودي، وليتمَّ تعزيزُ ثقة الشعب بنفسه، والمصالحة مع الذات بعد أن عاش الأهالي دماراً ذاتياً، كادوا معه أن ينفجروا كبتاً جراء المحرقة التي نصبها المرتزقة لكل من يعارضها، أما الآن فبات بوسعنا أن نبتسم بعدما ولَّى الزمن الذي كان يُقتل فيه السوري على الهوية، بصورة قذرة لم نألفها من قبل لأننا بفطرتنا سوريون لا تفرِّقنا الأيدولوجيات والمذاهب، ولأنَّنا بالهوية أكبر من الحدود والمسافات التي وصفوها ورسموها لنا”، مختتمةً حديثها: “لذا كان الاحتفال بالنصر يليق بما قدمه الشهداء من تضحيات ونضال، فكتبوا قصيدة شعرية من فم مدينة الشعراء قصيدة فريدة تحمل في طياتها التشاركية لشعبنا بكل أطيافه”.