سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مقامرة إدلب… تقود أردوغان لمصافحة الأسد

تقرير/ صلاح إيبو –

شهدت أرياف مدينة إدلب التي يُخيم عليها هدوءً حذر، تصعيداً عسكرياً من قبل قوات النظام السوري، عبر قصف متقطع وشبه يومي لمناطق في الريف الجنوبي لإدلب وريف حماة، بالتزامن مع إرسال تعزيزات عسكرية إلى تخوم المنطقة العازلة التي أقرها اتفاق “اردوغان – بوتين” العام المنصرم.
يأتي هذا التصعيد العسكري لقوات النظام، مع تغير روسيا من لهجتها الدبلوماسية والإعلامية مع نظام أردوغان في تركيا. إذ؛ اتهمت مصادر دبلوماسية وقيادية في روسيا تركيا صراحة بعدم تنفيذها بنود اتفاق سوتشي الذي ينص على إنهاء وجود جبهة النصرة في إدلب. لكن؛ ما حدث هو العكس، تمدد النصرة تحت أنظار نقاط المراقبة التركية حتى باتت تسيطر على كامل محافظة إدلب بشكلها الحالي عسكرياً وإدارياً.
هل نجحت الخطة الروسية التركية لتغير شكل النصرة؟
وبعد الاجتماع الأخير الذي جمع الرئيسين التركي والروسي الشهر الماضي، والذي تبعه توجه وفد عسكري وأمني تركي إلى روسيا الأسبوع المنصرم، روجت وسائل إعلامية محسوبة على الجانب التركي، أنه ثمة خطة روسية تركية لتفكيك هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” عبر دمج قيادتها وعناصرها مع فصيل فيلق الشام المتواجد في رقعة جغرافية بسيطة في ريف إدلب، وتصفيت القيادات المعارضة لمثل هذا الاندماج.
لكن ما كان يحدث على الأرض في إدلب من تصفية لبعض عناصر وقيادات جبهة النصرة وحراس الدين، وكذلك عمليات الاختطاف والتفجير التي تحدث بين الفينة والأخرى في بعض النقاط، يدل على نشاط ملحوظ لخلايا تابعة للاستخبارات التركية في إدلب لتنفيذ تغيراً على الأرض، لكن بعد التصريح الإعلامي لقائد ما يسمى “هيئة تحرير الشام” بأحقية الهجوم التركي على شرق الفرات واستعداد الجبهة للقتال إلى جانب الجيش التركي، تغيرت الأحوال على الأرض، وباتت عمليات التصفية اقل، مع ظهور تنافر بين قيادات هيئة تحرير الشام وحراس الدين بحسب مصادر في إدلب والذي تسبب بانشقاق ابو اليقظان المصري من صفوف التنظيم والتحاقه بتنظيم حراس الدين الذي شنّ هجوماً إعلامياً على الهيئة متهمةً إياه بالتواطئ مع تركيا ومحاولة تسليم مناطق واسعة من إدلب إلى النظام السوري وإعادة فتح الطرق الدولية أمام النظام، وهو ما كان قد اتفق عليه الجانبين الروسي والتركي.
ومن هنا، تتجلى الصورة المثلى للتعاون التركي مع هيئة تحرير الشام بغض النظر عن تمددها في إدلب على حساب فئات عسكرية كانت تعرف بولائها للغرب وتركيا معاً، ولم يحدث كل ذلك بمعزل عن التشاور التركي الروسي. لكن؛ يبدو أنه ثمة حسابات أخرى لدى روسيا اليوم بعد المراوغة التركية في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي، وتهدف تركيا من هذه المراوغة بالحصول على موافقة روسية لشن هجوم عسكري على شرق الفرات ومنبج، لذا رفعت تركيا من لهجة وعيدها مؤخراً ضد منبج.
ضغوط روسية على تركيا
ومع قرب موعد الاجتماع الثلاثي بين إيران وروسيا وتركيا في وسوتشي، ضمن سلسلة اجتماعات أستانة، يحاول الجانب الروسي الضغط على تركيا لتقديم المزيد من التنازلات على حساب التقدم العسكري الشكلي للنظام السوري في أرياف إدلب وحماة، دون الحديث عن مدينة إدلب، وهنا بدأت منذ أيام وسائل إعلام روسية برفع نبرة الهجوم على تركيا من عدم التزامها بتنفيذ بنود اتفاقية سوتشي والسماح للإرهابيين بالعبور إلى إدلب، وفي هذا قالت وكالة سبوتنيك الروسية والمقربة من المخابرات الروسية: “إن عدداً كبيراً من المسلحين الأجانب تمكنوا من العبور من تركيا باتجاه مناطق إدلب عبر الحدود المشتركة في عدة مناطق مثل: سرمدا وأطمة إضافة إلى معبر باب السلام، وذلك برعاية وسيط تركي وبإشراف مباشر من عناصر في الجندرما التركية” وهو اتهام صريح لتركيا بإشراف على نقل العناصر المتشددة إلى إدلب.
وأكدت سبوتنيك، أن نحو 1500 مسلح عبروا الحدود التركية وينحدرون من جنسيات من دول غربية، إضافة إلى جنسيات شرق آسيوية وعربية، حيث تم إدخالهم عبر الوسيط التركي إلى الأراضي السورية بشكل مموه من خلال استخدام سيارات شاحنة مغلقة نقلتهم إلى محافظة إدلب في ساعات متأخرة من ليلتي الأحد والاثنين من الأسبوع المنصرم، وجرى نقل المسلحين الآسيويين باتجاه منطقة جسر الشغور التي يسيطر عليها المقاتلون الصينيون التركستان، ونقل المسلحين من الجنسيات الأخرى إلى معسكرات تابعة لهيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين في ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي.
هل تعطي روسيا الضوء الأخضر لشن هجوم تركي على منبج؟
ويرى مراقبون للوضع، أنه ثمة لعبة سياسية وعسكرية بين روسيا وتركيا في إدلب، ربما يستفيد منها النظام السوري، عبر السيطرة على مناطق في ريف إدلب مقابل ترويج تركي على لسان رئيسها أردوغان عن وجود اتفاق ضمني بين روسيا وتركيا فيما يخص مدينة منبج، ورفع تركيا من لهجة الوعيد لأمريكا بضرورة تنفيذ بنود الاتفاق الامريكي التركي في منبج.
لكن ما يثبت أن المراوغة الروسية لن تكون في صالح تركيا، هو محاولة روسيا التقرب من مُهجري عفرين في الشهباء، عبر زيارة وفدين مستقلين روسيين لمخيمات النزوح بفافين “مخيم برخدان” وتل سوسين “مخيم سردام” وتقبل رئيس مركز المصالحة الروسية في حلب الجنرال إيفالنكا رسالة أهالي عفرين المطالبة بضرورة إخراج الاحتلال التركي من عفرين بإيجابية، إنما يدل على وجود نوايا روسيا في فتح ملف الشمال السوري الذي تحتله تركيا اليوم بطرق دبلوماسية وسياسية وربما يلحقه مساعاً عسكرية، وربما يصب ما طرحه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إعادة اتفاقية أضنة إلى واجهة الأحداث في الخانة نفسها، إضافة لتعزيز الوجود الرسمي للنظام السوري في الساحة الدبلوماسية العالمية.
ويرى مراقبون للوضع عن كثب، إن مقامرة إدلب مقابل منبج أو شرق الفرات لن تنجح؛ لأن الأوضاع السياسية والميدانية المحلية والإقليمية تختلف اليوم عما كانت عليه في العام المنصرم إبَّان الاتفاق التركي الروسي فيما يخص الغوطة وعفرين، إضافة لوضوح الأطماع التركية في المنطقة ووجود محاور منافسة للنفوذ التركي.