سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مسار المرأة إلى تشاركية حرة

محمد عيسى_

لم تحظَ قضايا حقوق المرأة ونضالاتها لاستعادة دورها باهتمام أية ثورة اجتماعية أو فلسفة سياسية أو عقائدية قدر حظوتها في التفكير الأوجلاني، وفي درجة انشغاله بجذورها التاريخية، وبمحطات تطورها، وبالوصول عبر البحث والتحليل العميق والمنهجي إلى وضع قطار انعتاقها على سكته الصحيحة، هذا القطار الذي لم تكن الجنولوجيا “علم المرأة” غير عتبة الإبداع والذروة فيه، حيث يتناول في مدخل البحث قضية التعصب الجنسوي الاجتماعية المتصلة بمواضيع الأسرة والمرأة، فالتعداد السكاني بنظرته إلى المرأة كجنس آخر على أنها مسألة بيولوجية بحتة، وليست قضية اجتماعية. بأية حال من الأحوال، فالمرأة بادئ ذي بدء طرف في ثنائية موضوعية “رجل وامرأة” علة لزومها عند الفلسفة أو في التبرير الانطولوجي “علم الوجود” ويضيف لا يمكن تأمين وجود هذا الوجود خارج إطار هذه الثنائية والمرأة فيها تلعب دور المسكن لهذا الوجود.
ورغم أن المقاربة الأوجلانية لتاريخ المدنية تقدم رصداً قاطعاً يؤكد أنه تاريخ ضياع المرأة وانكسارها وأن هذا التاريخ بآلهته وعباده، بحكامه وأتباعه، باقتصاده وعلمه وفنونه هو التاريخ الذي رسخته شخصية الرجل فإنه يلفت الانتباه إلى حقيقة ثبتتها البحوث والأرصاد الأثرية والأنتروبولوجية والمعاصرة أيضاً مفادها أنه ثمة مراحل كانت المرأة فيها منبع الاقتدار والسلام وقد امتدت لمرحلة طويلة وأن هذا الاقتدار، وهذا الامتداد لسيطرة المرأة لم يكن بحاكمية السلطة المتأسسة على فائض الإنتاج، بل بالعكس كان اقتداراً ينبع من العطاء والإنجاب ويساهم في تعزيز الوجود الاجتماعي وحماية السلم والاستقرار، وحيث لم تُسجل اللقى التاريخية ووسائل الرصد المتقصية عن مرحلة سيطرة المرأة أي دور لها في حروب النفوذ على السلطة، لكن ومع انتقال الحياة البشرية إلى طور جديد تكرس فيه هرم التموضعات الطبقية وانتزعت فيه السلطة من المرأة لصالح الرجل الذكر عبر مخاضات معقدة وطويلة ولم تحصل بين ليلة وضحاها، بل نجد توثيقاً مهما لهذه المخاضات والتحولات التي تجسد انكسار المرأة وسيطرة الرجل في ما تناقلته الميثولوجيا السومرية، وفي تبيان آلية نشوء أيديولوجية سلطة الذكر الطبقية وتبلور نظام هرم الطبقات الأول.
إنه الانكسار الذي أوقع المرأة في ظروف مظلومية تاريخية طويلة، ونقطة الانعطاف التي شدت اهتمام المفكر أوجلان حين أطلق مقولته الشهيرة “المرأة أول مستعمرة في التاريخ، وسنعمل ونناضل كي تكون المستعمرة الأخيرة”، أما كيف سيحصل ذلك وما هي الطرق الأوجلانية لتحقيق الواقع الجديد الذي سيضمن حرية المرأة وتحرير المجتمع، ما هي الوسائل التي تتفرد بها الأوجلانية لجهة إعطاء معنى ملموس للمصطلحات التي تهم المرأة، من مثل الديمقراطية والحرية والاشتراكية، أنها الوسائل التي تتم عبر تمزيق شبكة العلاقات التي تحيط بالمرأة، بمعنى أن المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل وتكريس قيم الديمقراطية والحرية والعدالة، لا تتأتى إلا عبر فك وتمزيق العلائق التي فرضتها سلطة القيم الذكورية الطبقية الدولتية، هذه القيم التي تماهت إلى صيغة أيديولوجية، ومن هذا المنظور لا ترى الأوجلانية أن هناك سبيلاً جدياً لمساواة المرأة بالرجل، رغم كثرة اليوتوبيات والشعارات المتحدثة عن هذه المساواة إلا بهزيمة وتقويض أيديولوجيا السلطة الطبقية الذكورية والدولتية، وبالتالي هي رزمة متكاملة، لا تتحقق حرية المجتمع في أي وطن ما لم تسد فيه قيم الحرية والديمقراطية، ولا تتحقق العدالة والمساواة ما لم ينخفض ارتفاع سقف الهرم الطبقي وتزول الفوارق الطبقية، ولن تحصل المرأة على حقوقها ما لم تندحر قيم الذكورة، إلى ذلك وبتكثيف شديد لمعنى الحرية ومقوماتها السياسية والفلسفية، قال المفكر أوجلان “الوطن الحر يعني المرأة حرة”، ويعني بحسب الفكرة الأوجلانية رجلاً حراً أيضاً، وحيث ترتبط حرية الرجل بأوثق الروابط مع حرية المرأة، الوطن الحر يعني أيضاً مجتمعاً أخلاقياً وتكاملياً يوفق ما بين وظائف المرأة والرجل وتتوفر فيه مقومات الحياة الحرة والسعادة، وبما أن هذه الفلسفة تمثل في السياق الموضوعي جهداً معرفياً ونضالياً، من أهم مهامه نصرة المستعمرة الأشد قدماً في التاريخ، فهو إذن بصدد وضع نظرية علمية توصل إلى تكوين المجتمع الحر نظرية تضع الأسس العلمية والأخلاقية النقيضة لمفاهيم الجنسوية بطوابعها الأيديولوجية الطبقية الذكورية المتسلطة، لذلك كانت “الجنولوجيا” علم المرأة بمثابة الخطوة الأقصر بقصد إجراء ثورة في العلوم الاجتماعية وتطوير أساليب في البحث هي الأقرب إلى حقيقة المرأة، وملامسة سر الحياة وتقديم البناء الصحيح للحياة التشاركية الحرة.