سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مدرسة الأحداث… مقاومة أطفال عفرين للاحتلال

تحقيق/ صلاح إيبو –
روناهي/ الشهباء – في مفارقة ربما تبدو غريبة، لكنها باتت حقيقة لدى شعبٍ لطالما تعرض للظلم وعامل الظالمين بقيمه الإنسانية، إنهم أبناء مدينة الزيتون يحولون أماكن الاعتقال والتعذيب إلى مناهل للعلم، على الرغم من معرفتهم التامة بسياسة الاحتلال التركي المتبعة في مدينتهم عفرين بحق الأطفال وطرق تعليمهم وتغير معالم مدارسهم ومراكزهم الثقافية إلى معاقل للمخابرات التركية وسجون تشرف عليها مرتزقة الاحتلال.
في قرية الأحداث التي تبعد عشرة كيلو مترات عن مدينة حلب والتي اتخذت هذا الاسم من سجن الأحداث الذي كان يمارس فيه التعذيب والتنكيل بالأطفال دون الثامنة عشر عاماً عوضاً عن تأهيلهم وإعادة دمجهم في المجتمع. هذا السجن الذي شهد سجن آلاف الأطفال في عهد النظام؛ تحول رويداً رويداً إلى مقارٍ عسكرية لكتائب مسلحة معارضة متعددة، حتى بات مركزاً للتعذيب والاعتقال في فترة سيطرة مرتزقة داعش على تلك المنطقة.
وبعد سبع سنوات تغير حال المبنى الذي دار فيه اشتباكات متفرقة تسببت في تدمير أجزاءٍ منه وأدى إلى تشقق بعض جدرانه، ارتفع فيه اليوم صوت ضحكات الأطفال وألعابهم مكان صوت الرصاص والتعذيب وأنين السجناء وآهاتهم.
دخل الأطفال المدرسة وهم يعلمون ماضيها، لكن حبهم للتعلم وأمل العودة إلى مدينتهم عفرين هو الذي زادهم إصراراً على المضي في درب دراستهم وانتهال العلم في أي مكانٍ كان سواءً خيمةً أو سجن.
أشار العضو في لجنة التعليم الديمقراطي عبد الرحمن سيدو إلى أن خطوتهم هذه جاءت رداً على سياسات الاحتلال التركي التي تقصد تدمير المدارس في مقاطعة عفرين في استهدافٍ واضحٍ لسياسة التعليم التي كانت قائمة في عفرين.
هذا وتعرضت عشرات المدارس في مقاطعة عفرين للتدمير الممنهج من قبل الاحتلال التركي، وتسبب الاحتلال ببقاء أربعين ألف طالبٍ وطالبة دون تعليم، وحولت أجهزة الاستخبارات التركية عدة مدارس في مركز المدينة وناحية شرا وشيه إلى مقار عسكرية وسجون لأهالي المنطقة يشرف عليها مرتزقة الاحتلال التركي.
وتابع سيدو إلى أنهم بدأوا منذ أسابيع بترميم بعض الغرف من السجن وتنظيمها بحسب عدد الطلبة البالغ 450 طالباً في المرحلتين الابتدائية والإعدادية والثانوية، ويكون العدد بحسب المراحل «210 طلاب/ة المرحلة الابتدائية و50 طالباً/ة المرحلة الإعدادية، إضافة لعدد من الطلبة في المرحلة الثانوية». وخصصت لجنة التدريب والتعليم في المجتمع الديمقراطي 29 مدرساً لتعويض الطلبة ما فاتهم من العام الدراسي، وإعادة سبر المعلومات وفق المناهج التي كانت معتمدة في مقاطعة عفرين، ويتلقى الطلاب دروساً في اللغة العربية والكردية والإنكليزية والرياضيات.
وتستقبل المدرسة منذ الساعة السابعة والنصف صباحاً حتى العاشرة والنصف طلبة المرحلة الابتدائية، ليبدأ بعدها من الساعة الثالثة ظهراً حتى الساعة السادسة مساء استقبال طلبة المرحلة الإعدادية والثانوية، وذلك لتفادي ساعات الذروة التي تشتد فيها الحرارة.
ويفتقر المبنى المؤلف من طابقين المرافق الصحية والمقاعد الدراسية التي يُستعاض عنها بعدة «حصراً» يجلس عليها الأطفال والبسمة على وجوههم.
معلمة اللغة الكردية روجين جاويش، أكدت على أن هدفهم من هذه المدرسة والمدارس الأخرى المشيدة في الشهباء هو إعطاء الأطفال المعرفة والعلم، والأهم من ذلك أخلاق وقيم المجتمع العفريني، وتخفيف شعور النزوح عنهم.
وتشير روجين إلى أن استجابة الأطفال جيدة مع العملية التعليمية، وبالتالي هم أيضاً يقاومون الاحتلال التركي باستمرارهم في تعلم لغتهم، هذه اللغة التي يحاربها الاحتلال التركي في كل بقاع الأرض، ويستهدف قيم المجتمع الكردي وروح النضال.
وتنوه روجين إلى أن الأطفال يعانون من نقصٍ كبير في القرطاسية، وهذا يشكل عبئاً مالياً على الأهالي، وتتابع: «رغم ذلك يأتي الطالب إلى المدرسة حاملاً في يده كيساً بلاستيكياً يضع فيه دفاتره وأقلامه، هذه الحالة تدل على أن الطالب يجد في المدرسة منهلاً للعلم، وهو مرتبط بلغته ومستمر بالمقاومة مع أهله على أمل العودة القريبة».
وبدورها تقول رولاف حنان من طلبة الصف التاسع الإعدادي: إنها ترددت بالذهاب إلى المدرسة بداية الأمر، لكن فكرة تحويل السجن إلى مدرسة شدتها لمعرفة إحساس التعلم في مثل هذه الأماكن، وتابعت: «علمت من أبي أن السجن كان مكاناً لاعتقال الأطفال، ومن ثم تحول إلى مكان للمسلحين»، واليوم جاءت رولاف لتتابع دراستها وتعلم لغتها في ذلك المكان.
ويجدر بالذكر أن لجنة التدريب والتعليم في المجتمع الديمقراطي بعفرين قامت بافتتاح مدراس عدة في القرى والمخيمات التي يقطنها أهالي عفرين، وعلى الرغم من المعوقات والنواقص إلا أن العملية التعليمية مستمرة في مثل هذا الوقت من السنة حيث الحرارة مرتفعة.
وهذا السجن الذي حوله أطفال عفرين بضحكاتهم إلى مكان للمرح والعلم، ليس إلا قصة من قصص المقاومة التي يجسدها أهالي عفرين القاطنين في الشهباء بهدف تحرير مدينتهم من الاحتلال التركي ومرتزقته.