سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

محمد مجاهد الزيات: “الدور العربي لا يرتقي لمستوى مواجهة رغبة تركيا بالسيطرة على المنطقة”

قال الخبير الاستراتيجي اللواء الدكتور محمد مجاهد الزيات، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن مستوى الاهتمام والتحرك العربي لا يزال دون المستوى المطلوب لمواجهة احتلال تركيا لأجزاء من سوريا، ولذلك على العرب أن يلعبوا دورهم في مواجهة هذا الاحتلال في كلٍ من سوريا والعراق.
وكشف عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الذي يمثل أحد مراكز التفكير الأكاديمية والبحثية للدبلوماسية المصرية، في حوار خاص لوكالة فرات للأنباء عبر عن اعتقاده بأن مشروع أردوغان لم ينتهِ بعد فيما يتعلق بإحياء السلطنة العثمانية عبر الاعتماد على الإخوان المسلمين الإرهابيين، بل زاد عليه حالياً التمويل القطري السخي بصورة أكبر بكثير مما كانت عليه.
وجاء الحوار على الشكل التالي:
ـ ما تقييمكم للأوضاع في شمال وشرق سوريا بعد قرار الرئيس ترامب الأخير بالانسحاب من سوريا؟
هناك عدة ملاحظات على القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا، الملاحظة الأولى أن ترامب حاول أن يؤكد أو ينفذ برنامجه الانتخابي والذي أكد في محوره أنه سيستعيد كل جنوده الموجودين بالخارج سواء في سوريا والعراق أو في أفغانستان، ويحاول تطبيقه. ولكن؛ بعد أن اتخذ القرار اعترض “البنتاغون” على اعتبار إن هذا سيخل بالمكاسب التي حققتها أمريكا في سوريا، وسيسمح بتمدد النفوذ الروسي عبر التنسيق مع الحكومة السورية، وبالتالي بدأت عملية إعادة صياغة القرار على أن ينفذ ولكن علي مراحل طويلة، وأن يتم تمركز أمريكي في قاعدة “التنف” على مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية على اعتبار أنه إذا كان الهدف من سياسية أمريكا في المنطقة هو مواجهة إيران، ولذلك يجب بقاء القاعدة في المنطقة بمحورها حوالي 55 كيلو، والتي ستكون حائلًا او قاطعًا للطريق البري بين إيران أثناء مرورها بالعراق حتى سوريا والذهاب إلى لبنان؛ كي تتفق مع الهدف الأمريكي في النهاية، وأعتقد أنه بدأت أمريكا تركز على ذلك أي بمعنى عدم ترك حرية التحرك لإيران في المنطقة. والقرار الأمريكي أيضاً كان سيترك الكرد بلا غطاء في مواجهة تركيا، وفيما يتعلق بالكرد؛ يتم حاليا دراسة موقف يسمح بالانسحاب الأمريكي، ويكفل نوعاً من الحماية للكرد بمعنى أن تكون هناك منطقة فاصلة ما بين التمدد التركي، وقوات سوريا الديمقراطية، التي تعتبرها تركيا تابعة لحزب العمال الكردستاني، ومن الأفكار المطروحة في هذا الشأن أن تكون هناك قوات كردية تابعة لبيشمركة العراق تفصل بين الطرفين وتحقق هدف الأمان لتركيا التي تدّعي تركيا بها، لتحول دون اجتياح تركيا للمنطقة حتى شرق الفرات، وهذه الفكرة لم تتبلور بعد لأنها يجب أن تكون بالتنسيق بينهم وبين قوات سوريا الديمقراطية.
وسيكون الانسحاب الأمريكي من سوريا إلى العراق والآن تركز أمريكا على دعم وجودها في العراق، ليكون بديلًا للوجود في سوريا، ويبدو أن القوات الأمريكية التي ستخرج من سوريا ستكون وجهتها العراق، وكل ما يجري على الأرض يؤكد ذلك، حيث بدأت بإرسال قوات إضافية وبناء قواعد جديدة، إلى جانب قاعدتي بلد وقاعدة في باكور كردستان بالقرب من عاصمة إقليم باشور كردستان هولير، وبدأت إقامة قواعد صغيرة أيضاً، تحت حجة مراقبة إيران ومواجهتها، وأعتقد هناك تصريحات صحفية على مدار اليومين السابقين بأنه لم يجري تفاوض معهم لمراقبة إيران عبر أراضيهم وانهم لن يسمحوا بذلك، ومن المؤكد أنه سيكون هناك حضورًا عسكريًا أمريكًا أكبر خلال الفترة القادمة في العراق يعوض الوجود في سوريا؛ ليكون الموقف العسكري كما هو، بحيث أن القرار لن يغير شيئاً على أرض الواقع، وبذلك تكون أمريكا قد حققت الانسحاب من سوريا وتواجدت بشكل أكبر في العراق المجاور، ودون ان ينعكس سلبياً على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة هذا فيما يتعلق بالانسحاب الأمريكي من سوريا. لكن؛ شمال وشرق سوريا تشهد تطورات أخرى وإعادة هيكلة، وهناك التمدد التركي ورغبة تركيا في أن تكون هناك منطقة عازلة أو آمنة، وهذه الفكرة طرحتها منذ بداية الصراع في سوريا، وهذه تكون بعرض 20 كيلو متر، من وجهة نظرها هي منطقة تتمركز فيها قواتها العسكرية وتسيطر عليها، والغريب أنها لن تكتفي بذلك فقط ولكنها سوف تغير البنية الأساسية السياسية والثقافية والاجتماعية في تلك المنطقة، كما فعلت في منطقة عفرين بمحافظة حلب في سوريا، والقرى المجاورة لها على سبيل المثال، حيث أعطتهم هويات تركية وأصبحت اللغة التركية اللغة الرسمية في المدراس، ما أسال لعاب أردوغان في تحقيق حلمه للسيطرة على تلك المناطق، لكي يتمدد للاستيلاء على مناطق أخرى كما استولى على “إسكندرون” ومن ثم جرابلس والباب وإعزاز ومن ثم عفرين قبل ذلك.
وجرى التفاوض في سوتشي خلال الفترة الأخيرة بين تركيا وروسيا وإيران حول المسؤولية التي كانت اضطلعت بها تركيا للقيام بعملية وقف تدفق القوات الموالية لها في إدلب، وحل مشكلة جبهة النصرة هناك، والانسحاب بنحو 20 كيلو متر من منطقة التماس مع القوات السورية في المحافظات المجاورة، ولكنها لم تنسحب، بل وتمددت أكثر وبدأت تنتقل من إدلب إلي شمال حلب ومنطقة حماة، وأصبحت تركيا الآن هي المسؤولة عن كل ما سيحدث في تلك المنطقة؛ لأنها لم تقم بمسؤولياتها الكاملة تجاه اتفاق سوتشي، وهو ما تحدث عنه الكثيرين من المسؤولين الروس في الآونة الأخيرة، وقد تقوم بتوجيه ضربة إلي جبهة النصرة المصنفة إرهابيًا على لوائح الأمم المتحدة، وقد يكون هناك تفاهمات بين تركيا وروسيا في التعامل مع الكرد ترضي الطرفين الروسي والتركي.
ـ ما هو مستقبل التحرك العربي لمواجهة التدخلات التركية والإيرانية بعد اجتماع وزراء خارجية ست دول عربية في منطقة البحر الميت بالأردن (مصر والسعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن)؟
لا أعتقد أن القضية تهم وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا، حيث لم يصدر أي بيان أو أي تحرك عربي ضد السياسة التركية، ولم يكن هناك أي لاجتماع عاجل من الجامعة العربية للنظر حول استيلاء وتحرك تركيا واحتلالها لمناطق في سوريا، سوريا أشبه بوليمة على مائدة اللئام، ولا تجد من يدافع عنها، والتمدد التركي في سوريا سينعكس على نفوذ تركي في الشرق الأوسط في المستقبل، وهو ما يؤدي بصورة أو بأخرى على تراجع الدور الإقليمي للدول العربية، لا أعتقد أن هناك اهتمامًا عربيًا يرقي لمواجهة احتلال إحدى القوى الإقليمية التي تريد أن تسيطر على الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالكامل، وهذه هي الأهداف الحقيقة لتركيا في المنطقة.
ـ ما هي محددات وملامح الموقف المصري فيما يجري في سوريا حالياً من مساعٍ للتسوية في مقابل عقبات تضعها القوى الإقليمية التي لا تريد الخروج من المشهد صفر اليدين؟
الموقف المصري محدد وواضح منذ البداية وهو تأييد محاربة التنظيمات الإرهابية في سوريا، والحفاظ على الدولة السورية وعدم تقسيمها وخروج القوي الإقليمية التي تسعي لتمديد النفوذ هناك، هذا هو الإطار العام للموقف المصري، وهناك رؤية لوضع قوات عربية مشتركة، لتكون على الحدود الفاصلة بين سوريا وتركيا، ولتكون بديلًا وفاصلًا بين القوات التركية وقوات سوريا الديمقراطية، وبذلك لن تحتاج المنطقة الفاصلة بين الطرفين إلى وجود حتى الجيش السوري، ولكن يبقى الطلب المصري بأن يكون هناك تحركًا على المستوى السياسي فيما يتعلق بالسياسة الدولية حول سوريا، إذا كان الحل العسكري ثبت فشله وهو فاشل حتماً.
ـ كيف تقيّمون السياسة الخارجية التركية في المنطقة، وهل لا يزال لأردوغان مشروع في المنطقة أم يقوم بتنفيذ ما يطلبه الناتو والقوى الغربية؟
هناك حلم واحد لأردوغان وهو حلم الدولة العثمانية من خلال الاستعانة بتنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي، والقوى السياسية المؤيدة له سواء في سوريا أو المنظمات السياسية الموجودة في العراق، وتستغل التمويل القطري في هذا المجال وفي احتواء كتل وقوى سياسية ليصبح لديه قوى إقليمية عظيمة على حساب الدول الموجودة على الساحة وينفذ ما أمكن من خططها.