سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ماذا عن تجنيد الأطفال في عفرين؟

تحقيق/ باهوز أحمد –

بعد الانتهاكات الجسيمة التي لاحقت أهالي عفرين وبالأخص الكرد منهم، بدأ الجيش التركي المحتل لعفرين بتوجيه المرتزقة لتجنيد الأطفال وفي محاولة منه لتفكيك الأسر والروابط الاجتماعية وبناء جيلٍ جديد لا يعرف شيئاً غير القتل والتبعية للمحتل، وبهذا وثقت صحيفتنا عبر اللقاءات مع الأهالي المهجرين قسراً من عفرين تحت وقع تزايد حجم الانتهاكات ضدهم تعرض عدد من الأطفال لمحاولات تجنيد بإرهابهم وتهديدهم الصريح بقتل عائلاتهم إن لم ينصاعوا للمرتزقة، ولعل قصة الطفل “ر.ك” ذو الثلاثة عشر ربيعاً تلخص حجم انتهاك حقوق الأطفال في عفرين، وكانت جريدة روناهي قد نشرت في وقت سابق كيفية استخدام المدارس كمكان للترهيب وجمع المعلومات.
هل أطفال عفرين في مأمن بظل الاحتلال؟

كان الطفل “ر.ك” يعود إلى منزله بعد خروجه إلى الحي برفقة عدد من أقرانه لجلب بعض الحاجيات لمنزله، الذي لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن حاجز لمرتزقة “فيلق الشام” المنضم تحت سقف الفيلق الثالث الذي يفرض سيطرته على الجزء الشرقي من مدينة عفرين، عندما أوقفه عناصر الحاجز المسلحين، ويقول الطفل لنا لدى اللقاء به بعد فرارهم بأيام: “هؤلاء المسلحين لا يشبهون البشر، بشرتهم جافة وسوداء وذوو لَحاً غير مشذبة، كل أطفال الحي يخافونهم، عندما أوقفوني لم أخف لأني تعلمت التعامل معهم وكيفية الإجابة على أسئلتهم التي تتكرر دوماً بهدف إقناع الشخص، وجره إلى التجنيد والانضمام إليهم، لكن ذاك اليوم كان مختلفاً”، هنا يشير الطفل إلى اليوم الذي قررت عائلته الفرار من عفرين التي سكنوها منذ عقود تاركين خلفهم ممتلكاتهم وأعمالهم كافة؛ ليخرجوا بخفي حنين، ويقول الطفل الذي بدى واثقاً من نفسه وجريئاً في كلماته: “في ذلك اليوم أوقفني المسلحون وطلبوا مني العمل معهم مقابل دفع مبلغ مالي يقدر 150 الف ليرة سورية شهرياً، في بادئ الأمر صمتُّ لوهلة وتأملت المدينة التي تغير حالها، ورفضت الطلب، ليعود المسلحون لتكراره؛ والطلب بأن أعمل على إخبارهم ببيوت الكرد الذين كانوا يتعاونون مع الإدارة الذاتية وما شابه، هنا شعرت إني سأكون خائناً وزاد إصراري على الرفض”.
رفض الخيانة فهددوه بالقتل

الطفل “ر.ك” الذي لم يصل لدرجة النضج، رفض لأن يكون خائناً لوطنه وأهله، ورفض طلب المسلحين الذين يعملون على ترغيب الأطفال للانضمام لهم بالمال، وإن رفضوا هددوهم بالقتل وقتل عائلتهم، وهو ما حدث مع هذا الطفل الذي تابع حديثه: “عندما رفضت الطلب، عملوا على احتجازي لثلاث ساعات في غرفة قريبة من الحاجز، وهنا دخل أحدهم وهددني بالقتل إن لم انضم لهم، وعاد ليهددني برمي قنبلة يدوية على منزلنا الكائن بالقرب من الحاجز في منطقة القوس عند المدخل الشمالي للمدينة”.
وتتألف عائلة “ر.ك” من خمسة أشخاص، ويعمل والده الذي يعاني من مرض تسرع القلب وضيق التنفس في مجال تصنيع الألبسة والإمبلاج ويقول الأب الذي وصل إلى مقاطعة الشهباء قبل مدة: “إن العيش في مدينة عفرين بات مستحيلاً وتزايدت الانتهاكات خلال الأشهر الثلاث الأخيرة بشكل كبير”، ويتابع: “لم أعد استطيع العيش هناك لدرجة أن حياتي وحياة عائلتي باتت في خطر بعد محاولة المسلحين تجنيد طفلي البالغ من العمر 13 عاماً”.
أعضاء البشر معروضة للبيع

بعد احتلال الجيش التركي لعفرين، لم تخرج العائلة من المدينة، وتابع الأب فتح محله الصغير لخياطة الألبسة. ولكن؛ الأحوال تغيرت وبدأ العمل يخف، ويقول الأب: “إن المسلحين من الفيلق الثالث الذي يسيطر على الأشرفية، فرضوا ضرائب شهرية بمقدار 200 دولار علينا ونتيجة عدم قدرتنا دفع المبلغ مقارنة بإرادات المحل الذي تراجع كثيراً فاضطر لإغلاقه”، ويتابع: “لا أحد يستطيع رفض أي طلب للمسلحين، وهم ينتهكون القوانين كافة في عفرين، كان هناك رجل معقد يبيع الخضار جاءه المرتزقة واشتروا الخضار بقيمة عشرين دولار ولم يدفعوا له وتكرر هذا الأمر مع جميع المحلات في الحي”، وأورد والد الطفل حوادث متعددة عن استهداف الكرد في عفرين بالقول: “لا أحد يستطيع التكلم باللغة الكردية في شوارع عفرين حالياً، ويوقف المسلحون جميع المارة ويفتشون هواتفهم وفق هواهم، وفي بعض الأحيان يتهمونهم بتهم باطلة بهدف كسب المال منهم، والغالبية العظمى من المدنيين تدفع الرشاوي لتجنب الاعتقال”، ويروي قصة محمد الذي كان يعمل في النجارة (صناعة الأبواب الخشبية) ويقول: “في إحدى الأيام استدعاه المسلحون بحجة تصليح بعض الأبواب وبالفعل توجه محمد إلى مقرهم في الأشرفية، ولكن لم يعد إلى البيت وبعد أيام طالبوا عائلته بفدية 12 ألف دولار وبعد رفض العائلة الدفع، هددوا العائلة بقتله وبيع أعضائه لتجار من تركيا بمبلغ 40 ألف ليرة تركية، وبعد أيام دفعت العائلة مبلغ خمسة آلاف دولار وتم إعادته للمنزل ولكن لم يبقى محمد في عفرين وهجرها إلى مدينة منبج هرباً من القتل والتنكيل”.
حوادث تجنيد الأطفال تكررت

ويؤكد الطفل: “إن حوادث مماثلة حدثت مع أصدقائه أيضاً ومن بينهم طفل عمره 10 سنوات تم اعتقاله لساعات في المكان ذاته بهدف تجنيده”، وتحدث الأهالي عن انتهاكات متعددة في هذا السياق حدثت في القرى العفرينية النائية والبعيدة عن مركز البلدات والنواحي والتي تكون الاتصالات منقطعة فيها في غالب الأحيان بحيث لا يستطيع أحد الوصول إلى الحقيقة هناك.
تكلفة الخروج أيضاً باهظة الثمن
ولم تكن رحلة فرار العائلة من عفرين بالأمر السهل ويقول والد الطفل أن تكلفة خروجه من عفرين عبر سماسرة كلفه دفع مبلغ 400 ألف ليرة سوريا، وذلك لأن هناك قرارات تمنع تجوال المدنيين الكرد في منطقة عفرين بدون وجود ورقة مهمة من المجلس المحلي الذي شكلته السلطات التركية، في حين لا يطلب من المستوطنين (مهجري الغوطة وغيرهم الساكنين في عفرين) هذه الورقة، ويقول: “لقد كانت رحلة الخروج قاسية أيضاً وتعرضنا فيها للسلب على الطريق الواصل بين قرية كميرا وخربكة حيث فقدنا كل ما نملك من مال”، هذا ويعاني الأب وطفليه من حالات مرضية.
قصة “ر.ك” قصة من مئات القصص التي تحدث وحدثت في عفرين، وربما كان الحظ حليفاً لهذه العائلة التي استطاعت الخلاص من براثن المرتزقة، إلا أن العشرات بل والمئات من القصص تحدث منذ وطئ مرتزقة أردوغان أرض عفرين. انتهاكات بحق الأطفال والشيوخ والعجائز تعجز الكلمات عن وصفها، يتشارك فيها جنود أردوغان العثمانيين وأعوانهم من المرتزقة الذين تحالفوا مع المحتل، وأكثر قساوة وأشد وحشية منهم، كل ذلك يجري تحت سمع وبصر منظمات دولية عالمية تدعي أنها إنسانية. لكن؛ زيتون عفرين وحجرها وبشرها ستنتقم.