سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ماذا بعد درعا؟

نوري سعيد –
لا يحتاج التساؤل ماذا بعد درعا إلى كثير من النباهة حتى ندرك الجواب ولعله أجاب عن السؤال بنفسه، بوجود خيارين، إما الحوار أو القتال. الواقع أنّ النظامَ وهو منتشٍ بإنجازاته العسكريّة التي يحقّقها بمشاركة حلفائه، بدأ بالتلميح لإمكانات التوجّه صوب شرق الفرات لفرض السيطرة عليه، وهو يدرك الوجود الأمريكيّ بالمنطقة، لأنّ سورية عمليّاً بعد الأزمة المستمرّة منذ أكثر من سبع سنوات وبسبب الحرب الكونيّة التي تدور على أراضيها تحوّلت إلى مناطق تقاسم نفوذ للقوى الكبرى والإقليميّة، والسؤال المطروح هو: إذا توجه النظام نحو المنطقة ماذا سيكون عليه الموقف الأمريكيّ؟ هل من الممكن أن يقع صدام مباشر وماذا عن موقف الحليف الروسيّ هل سيمنع وقوع ذلك؟ ارتبط الوجود الأمريكيّ في سورية بمحاربة الإرهاب، وصدرت تصريحات متناقضة حول مستقبل بقائها، فبعضها قال: إنّها ستنسحب بمجرد هزيمته، وآخرون قالوا: إنّ القوات الأمريكيّة باقية ستبقى لعدة سنوات إضافية حتى تطمئن من عدم عودة الإرهاب المتمثل بمرتزقة داعش والنصرة. وإذا كان الإرهاب قد بدأ ينحسر فعليّاً بعد سقوط عاصمته المزعومة الرقة على يد قوات سورية الديمقراطيّة والتحالف الدوليّ فإنّ حجة البقاء الأمريكيّ بدأت تضعف معها وبخاصة بعد أن انهزم مرتزقة داعش في ريف مقاطعة الحسكة وتحرير الدشيشة والوصول إلى الحدود العراقيّة، وكذلك مؤخراً في دير الزور. ربما يكون الأمريكيّ أقربَ لاستخدام الورقة التركيّة في حال نشوب نزاع مسلّح بين قوات سورية الديمقراطيّة وقوات النظام، فيسمح لتركيا بدخول المنطقة، ذلك لأنّ تركيا تصرّ مراراً وتكراراً على أنّها لن تسمح أن تُدار منطقة شرق الفرات من قبل إدارة ذاتيّة تحت مظلة قوات سورية الديمقراطيّة بحجة أنّها تضمّ وحدات حماية الشعب والمرأة التي تصفهما زوراً بالإرهاب رغم أنّها هي نفسها الإرهاب الحقيقي بالمنطقة ولكنها تحاول إلصاق التهمة بالآخرين، وما يجعل الأمريكيّ يُقْدِم على تلك الخطوة هو محاولة إرضاء تركيا وإبعادها عن روسيا. وتدرك طبعاً أنقرة ذلك، وهنا محل الابتزاز ومطالبتها أن تصبح المنطقة تحت سيطرة النظام حتى تتمكن من اللعب بورقة الخلاف الأمريكيّ الروسيّ، لأنّ الطرفين بحاجة إليها. أما موضوع إظهار تركيا نفسها بأنّها تعادي النظام السوريّ فهو غير صحيح لدرجة كبيرةٍ، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالكرد، فتكون مستعدةً للتخلّي عن خلافاتها وعداواتها مع الآخرين كافة، لأنّ هدفها الأول والأخير ليس الانضمام إلى الاتحاد الاوروبيّ أو البقاء في حلف الناتو إنما فقط عداء الكرد! وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يجب عمله؟ لابد لنا من أن نوضّح أنّ قوات سورية الديمقراطيّة والتي تضمّ في قوامها وحدات حماية الشعب والمرأة لم ترفع يوماً شعار إسقاط النظام واستلام السلطة ولا مشكلة لديها مع الانتماءات المذهبيّة والعرقيّة، إذ لا تنطلق من منطلقات مذهبيّة أو طائفيّة أو إثنيّة، بل إنّ الأساس في مطالبها إجراء إصلاحات سياسية حقيقيّة وهي متمسكة بالحوار كطريق لحلِّ الأزمة. ومن هنا لم تدخل هذه القوات في نزاعات دامية مع قوات النظام شرق الفرات، وبعض حالات الاحتكاك ظلّت محدوداً وتُعالج مباشرة، وهذه الحقيقة لابد من أن يدركها النظام وحلفاؤه، بل بالعكس فإنّ (قسد) وقفت في وجه المحتل التركيّ وحمت الشريط الحدوديّ وحاربت مرتزقة (داعش)، وجاء ذلك متوافقاً مع موقف النظام من غير تنسيقٍ معه، وذلك لأنّ من طبيعة أيّ صراعٍ مسلح متعدِّد الأطراف، أن يصبّ الاشتباك بين أيّ طرفين في مصلحة الطرف الثالث، كما أنّ النظام يعلن مراراً أنّه يعتبر محاربة الإرهاب في سورية الهدف الرئيس في الجنيفات والأستانات كافة وأن يكون البند الأول في أي لقاء. ما قامت به (قسد) كانت له اعتباراتٌ وطنيّةٌ حفاظاً على وحدة الأرض السوريّة التي قطّعها المرتزقة، وبهذا تتجاوز قسد أن تثبت أنّها قواتٌ وطنيّة وفوق كلّ شبهة، وحديث الانفصاليّة فهو ما تقوله أنقرة وتُردِّده الأبواق القومويّة، كما أنّ الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة شرق الفرات تضمّ مكوّنات المنطقة كافة ولا تقتصر على الكرد وحدهم، واستطاعت ملء الفراغ بالمنطقة نتيجة حالة الفوضى وتأمين الحماية للمواطنين بالإضافة إلى الخدمات العامة، وحافظت على مؤسسات ودوائر الدولة واستقبلت المنطقة الأشقاء من المحافظات الأخرى. وإذا كان وزير الخارجيّة وليد المعلم قد صرّح سابقاً أنّ قيام نوع من الإدارة الذاتيّة للكرد أمرٌ قابل للتفاوض، فمعنى ذلك أنّ اتباع أسلوب الحوار مع قوات سورية الديمقراطية سيكون الحلّ الأمثل بدلاً من القتال، وأما إن أراد النظام استعراض قوته ودخول المنطقة بقوة السلاح وإعادة الأمور إلى ما قبل الحراك الشعبيّ وعودة سورية إلى الحكم المركزيّ والحزب الواحد في إعادة لعقارب الساعة للوراء فذلك يعد أمراً مرفوضاً لأنّ في ذلك تنكرٌ لكلّ الدماء السوريّة الزكية التي أريقت من أجل تحرير الأرض من الإرهاب، ولم يكن من الممكن انتظار قرارٍ من هذا الطرف أو ذاك بالتحرير، بينما يعيث المرتزقة فساداً في الأرض، ومادامت قوات سورية الديمقراطيّة تضم مواطنين سوريين فهم لا يحتاجون ترخيصاً من أحد أو إقراراً بالشرعيّة، بل تلك حاجة الآخرين الذين يعتمدون على عناصر غير سوريّة وإن اختلفت تسمياتهم.
تعمل (قسد) من أجل بناء سورية تليق بالسوريين كافة، سورية ديمقراطيّة لا مركزيّة تعدديّة تتمتع فيها كل المكوّنات بحقوقها المشروعة ضمن سورية موحّدة وذات سيادة، وعلى النظام أن يبدي المرونة مع فصيل وطنيّ، وأما الاحتجاج على قسد بأنّها تتعاون مع الأمريكان فإنّ التعاون لا يتعدى كونه تعاوناً ضد إرهاب داعش تحت اسم التحالف الدولي وقوات سورية الديمقراطية لا يمكن أن تفرط بشبر من أرض الوطن أو تتساهل في مسألة السيادة الوطنيّة، والحفاظ على الأرواح والممتلكات لابد من الابتعاد عن أية مواجهات في شرق الفرات واتباع أسلوب التفاوض والحوار الأخوي لأننا كلنا سوريون وهدفنا جميعاً إنقاذ الوطن وتغليب المصلحة الوطنية على كل الاعتبارات الأخرى وكفانا تناحراً لأن سورية الجريحة تنادينا ولابد لنا كسوريين من تلبية النداء وإنقاذها من الأوغاد المتمثلين بالقوى الدولية والإقليمية التي لاهم لها سوى تحقيق مصالحها والعيش بأمان واستقرار على حساب دماء شعوبنا من دون رادعٍ من ضمير أو وجدان.