سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لماذا لا نتذكر ذكريات طفولتنا المبكرة؟

الذاكرة، كيانٌ غريب، وربما هي إحدى أكثر القوى تأثيراً على وجه الأرض. كلّ منا له مجموعة خاصة به، كتاب من الأوقات التي مرّت بنا، تشكل حاضرنا وتمهّد لمستقبلنا.
ومع هذا لماذا تتلاشى الذكريات؟ لماذا ينتهي الأمر لبعض الذكريات منسية أو ضائعة؟ لماذا ننسى السنين المبكرة من حياتنا، والتي من الممكن أن نقول أنّها الأكثر تأثيراً؟
تعرف هذه الظاهرة الغامضة باسم (فقدان الظاهرة في مرحلة الطفولة – childhood amnesia). وهي عدم قدرة البالغين على الوصول إلى ذاكرة ما قبل 3.5 سنوات من العمر. يؤثر فقدان الذاكرة بصورة مختلفة على الجميع، فالبعض لا يتذكرون أيّ شيء حتى عمر السادسة.
تفكّر الباحثون في هذا اللغز، وحصلوا على بعض النتائج الواضحة. ومع هذا، معظم هذه النتائج كانت غامضة مثل غموض الذاكرة نفسها. ولكن، هنالك بعض الإشارات التي تخبرنا أين يتوجب علينا النظر لاحقاً.
عند الولادة، يحتوي دماغ الطفل على 86 مليار خلية عصبيّة، أي ما يقارب ربع عدد النجوم في مجرة درب التبانة. باستخدام آلية عصبيّة معينة، يمتص الأطفال المعلومات، ويشكل دماغهم ما يقارب 700 إلى 1000 اتصال متشابك جديد في الثانية. إنّه إنجاز رائع للتعلم وفترة تطور سريعة. ولكن قد يكون لهذا الأمر سلبيات.
في تجربة بسيطة إلى حد ما، وضع بول فرانكلاند وزملاؤه فئراناً رضيعة وبالغة في أقفاص منفصلة لم يروها سابقاً، وربطوا أقدامهم بصدمات كهربائيّة معتدلة. في أيّ وقت تعود فيه القوارض إلى القفص الذي سبق لهم وأن تعرّضوا لصدمة كهربائيّة به، يظهرون علامات خوف.
الخوف الموجود عند الفئران الرضيعة بدأ بالتلاشي بعد يوم؛ بينما الفئران البالغة لم تنسَ أبداً. بقي هذا الأمر على ما هو عليه إلى أن قام الفريق بتحفيز تكوين الخلايا العصبيّة، وهي عملية تكوين خلايا جديدة في الدماغ، عن طريق جعل الفئران البالغة تركض داخل عجلة. بقيامهم بهذا الأمر، تمكّن العلماء من جعلها تفقد الذاكرة كالفئران الرضيعة.
ولكي يتأكدوا من أن هذا التأثير يحصل بكلا الاتجاهين، قام الفريق بمنع عملية تكوين الخلايا العصبيّة عند الفئران الرضيعة عن طريق الهندسة الوراثيّة والأدوية. الأمر الذي مكّن الفئران من الحصول على ذكريات أكثر ثباتاً.
في حين أنّك تظن أن هذه نهاية القصة، قام الفريق بالبحث بصورة أعمق في أدمغة الفئران الصغيرة وقاموا بإدخال مادة مشعّة في خلايا دماغيّة حديثة التكوين. أظهرت هذه العملية نتائج مثيرة للاهتمام؛ لم تُستبدل ذكريات الفئران، بل عُدّلت بذكريات جديدة.
ماذا يعني هذا؟ حسناً، يشير هذا إلى احتماليّة أن ذاكرتنا لا تختفي، بل تغيّرت بطريقة تجعل الوصول إليها غير ممكن. وبالطبع، سنحتاج إلى المزيد من البحوث للتأكّد من صحّة هذا الأمر على البشر.
يبدو أن هذا جزء واحد من الأحجية المعقدة، فقد أدت دراسة أخرى على الذاكرة إلى نظرية مقنعة أخرى: عندما نكون أطفالاً، لا نملك العدة الدماغية الضروريّة للحصول على ذاكرة طويلة الأمد، وما يثير السخرية أنّ أهم قطعة أدلة لهذه النظرية قادمة من رجل بالغ وليس طفلاً.
عانى مريض مشهور ذو 27 عاماً والمعروف باسم HM من عملية استئصال فص لعلاج نوبات الصرع، غالباً بسبب حادث دراجة عندما كان عمره 7 سنوات. بعد إزالة جزء كبير من دماغه، وجزء من قرن آمون، لم يستطع تذكر أيّ أحداث جديدة.
اسأله ماذا فعل في اليوم السابق ولن يستطع الإجابة. اطلب منه أن يرسم نجمة عن طريق النظر إليها من خلال مرآة، على الرغم من أنّه تحسّن مع الممارسة، إلا أنّه لم يتذكر أنه قام بهذا الأمر من الأساس. يحمل هذا الأمر أوجه تشابه مثيرة للاهتمام مع الأطفال، يمكنهم تعلم معلومات جديدة، لكنهم لا يستطيعون تذكر العملية التي اكتسبوها بها.
هل اختفت هذه الذكريات؟ أم هل أصبح مفتاح الوصول إليها غير متاح؟ لا يعلم الباحثون الجواب، ولكن يفترض البعض أنّ الذكريات موجودة ولكن الاتصالات التي تؤدي إليها قد اختفت، في عملية تسمى التشذيب المشبكي synaptic pruning.
ربما لاحظت الآن أنّ دراسة الذاكرة، وبالأخص فقدان الذاكرة، هي محاولة صعبة. هذا الأمر صحيح بشكل خاص في ضوء الاكتشافات الحديثة التي تكشف عن مدى قابليّة وعرضة أدمغتنا للخطأ.
حتى الآن، سبب عدم تذكرنا لذكرياتنا هو لغز غريب بدأنا بكشفه.