سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لماذا جندّ داعش الأطفال؟؟!

تقرير/ مصطفى السعيد –
تعمل المجموعات المتطرفة لضم كافة فئات المجتمع إلى صفوفها وتدميرها بحسب دور هذه الفئة فيها، وكان من بين هذه المجموعات مرتزقة داعش الذي ركز على استقطاب فئة الأطفال إلى صفوفه كون هذه الفئة هي أمل المجتمع في المستقبل، وكان تجنيدهم من كل دول العالم للقتال في صفوفه هدفهم الأساسي، حيث انتشر في كثير من دول العالم ظاهرة هروب الشباب من أهلهم ودولهم والالتحاق بصفوف داعش في سوريا والعراق، ولم يكتفي داعش بفئة الشباب فقد وجه حملة التجنيد إلى الأطفال الذي هم من دون سنة 12 سنة، ليجعل من أيديهم الصغيرة النحيلة أداة للقتل والذبح، فمن المعروف أن الطفل لا يدرك الأمور من المنحى الصحيح ويشبه الورقة البيضاء التي تستطيع أن تكتب فيها ما تشاء، وقام داعش بافتتاح ما يسمى بمعسكرات أشبال الخلافة لضم الأطفال إلى الصفوف من هم دون الـ 12سنة، وفي مدينة الطبقة التي كانت شبيهة بأخواتها من المدن التي سيطر عليها مرتزقة داعش، فقام معهد أشبال الخلافة باستقطاب الأطفال الصغار للتدريب على السلاح والقتل والذبح وكذلك ما تطلق عليها داعش العلميات الاستشهادية، والتي يقوم فيها الطفل بتفجير نفسه بواسطة سيارة مفخخة أو حزام ناسف، وقد عرض داعش في إصداراته المرئية الكثير من الأطفال الذين قاموا بالعمليات الانتحارية ضد الأبرياء أو ما تسميه داعش المرتديين، كما ظهر في وسائلها الإعلامية الكثير من الأطفال دون سن الخامسة من العمر يقومون بذبح رجال بمشاهد قاسية، ولا يعرف هذا الطفل لماذا يقوم بالذبح؛ لأنه في سن لا يميز فيه بين الخير والشر أو الخطأ والصواب، والأشد من ذلك تم تصوير فيديو لذبح أطفال في دير الزور بمدينة الملاهي رمز براءة الطفولة، ولكن الطفل لدى داعش شمعة تحرق ما حولها وليس لتنيره ولتحرق نفسها أيضاً.
وكان هناك الكثير من الأسباب دعت داعش وأخواتها في الفكر كجبهة النصرة وغيرها من استخدام الأطفال في الحرب والقتل الذبح والتفجير ومنها: تعويض نقص المقاتلين في ظل امتداد خطوط المواجهة بينها وبين مناوئيه، أو الراغبين في استئصاله، حيث كان داعش يسيطر على مساحات شاسعة وعلى جبهات مختلفة قبل أن ينحصر في مناطق محدودة في سوريا وبعد توجيه ضربة شبه قاضية من قبل قوات سوريا الديمقراطية لهم والتي كبدتهم خسائر فادحة، وأيضاً كانوا يسعون لربط أجيال جديدة بأفكارهم، فأطفال اليوم هم شباب الغد، ويراهن «داعش» عليهم في أن يكونوا مقاتلين مدربين على مستوى رفيع في المستقبل، لا سيما أن حداثة سنهم تعطي قادة المرتزقة فرصة قوية لتنشئتهم على أفكاره ومعتقداته الدينية والقتالية وتصوراته ومدركاته، كما كان يتيح الأطفال للقادة الميدانيين فرصة لتمويه أعدائهم وإخداعهم. إذ؛ كان يسهل استخدام الصغار في بعض العمليات الانتحارية النوعية دون أن يلفتوا الانتباه، ويثيروا الشكوك، ولكن لم يستمر هذا التمويه طويلاً، فأحياناً كان يجد الطفل الانتحاري نفسه في حاجة إلى أن يبرز نفسه في صفوف «داعش»، وهي مسألة تجسدها ظاهرة «الانغماسيون»، حيث كان ينخرط الأطفال أو الصبية بكل كيانهم في عملية قتالية خلف خطوط العدو، ويفتحون النار بلا حذر ولا تحسّب، فتكون النتيجة أن يلقوا مصرعهم في النهاية.
وعمد المرتزقة لربط أسر الأطفال بهم، فانتقل بعض المنتمين لهم إلى الأرض التي يسيطر عليها داعش مع زوجاتهم وأطفالهم، وهناك من تزوجوا بعد وصولهم وأنجبوا أطفالاً ولعل حالة الفرنسيين والأوزبك والطاجيك الذين انضموا إلى صفوفهم تقدم مثالاً واضحاً في هذه الناحية، فكان هنالك الكثير من الأطفال الفرنسين والأوزبك والطاجيك موجودون في صفوف داعش، ثلثاهم ذهبوا مع الوالدين، والثلث ولدوا هناك، وحين يشبون عن الطوق كانوا يجدون أنفسهم بين الدواعش، لينخرطوا طواعيةً في صفوفهم، وهناك حالة أخرى وهي إجبار بعض الأطفال على الانضمام لداعش فإنهم بهذه الطريقة يربطون ذويهم عنوةً بهم، ويخضعهم له، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ظاهرة «الرهينة».
وقاموا أيضاً بتجنيد الأطفال ضمن عملياتهم في حصد نقاطاً إضافية في الحرب النفسية التي كانوا يشنوها ضد العالم، لكي يظهروا عبر الصور الملتقطة والمبثوثة أن هؤلاء الصغار وهم يحملون أسلحة من مختلف الأنواع ويتدربون على عمليات انتحارية، أو حتى يحضروا دروساً يتلقون فيها تصوراتهم المتطرفة وأفكارهم، بأن «داعش» متجذرة في الأرض التي سيطروا عليها، وأن مقاتليها يتلاحقون جيلاً وراء جيل.
فكانت هذه هي أهم الأسباب أو الدوافع التي كانت تجعل «داعش» توظف الأطفال في عملياته القتالية، بلا ورع ولا رحمة.
وافتتح داعش مسجد الطائفة الإسماعيلية في الحي الثالث قرب دوار الدلة ليكون مقراً لمعسكر الأشبال، حيث كان يخضع فيها الطفل لمرحلتين الأولى تشمل غسل دماغ الطفل من خلال زرع الأفكار السوداوية في مخيلته كالانتحار لدخول الجنة أو ما يسمى بمرحلة المعسكر الشرعي، وبعده المرحلة الثانية وتشمل التدريب على استخدام السلاح في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر، ليتم بعدها إرسال الأطفال إلى جبهات القتال، أما النتائج المترتبة على استخدام الأطفال من قبل داعش خطيرة جداً ومنها: الخطر العام المرتبط بتعرض الأطفال لمحن قاسية من هذا النوع وأمراض نفسية تخرج الطفل من طفولته لجعله وحشاً صغيراً بأنياب صغيرة تفتك بالمجتمع، وهي مسألة أُعدت بشأنها أبحاثاً بكل اللغات والثقافات في مجال التأثير النفسي للحروب على الأطفال، بالإضافة لتعمد داعش إلى قتل الأحاسيس والعواطف داخل الأطفال وغسل أدمغتهم، وأيضاً الآثار النفسية الكثيرة التي ترتبت على انضمامهم لهم كغسل دماغ الصغار بالفكر الداعشي مما يجعلهم يتبنونه كباراً، ففي فصول تعليمية تلقى الأطفال فيها دروساً حول أنواع الأسلحة، وأصناف الفقه والفكر المتشدد التي كان يتبناها المرتزقة، وذلك بتجميعهم ليروا مشاهد قطع رؤوس وإعدامات ينفذها جلادون لا تزيد أعمارهم على 12 عاماً.
في هذه المدارس كان يُعزل الأطفال عن ذويهم، وتُطلق عليهم ألقاب معينة يحملها الكبار عادةً على غرار (أبو بكر البغدادي ـ وأبو حمزة المصري ـ وأبو محمد المقدسي)، ثم يتم توزيعهم على ثلاثة مستويات من التعليم والتدريب: ديني ينصب بالأساس على عملية الطاعة والجهاد، وعملي وهو بدني قاس، وفيه يتعرفون على أنواع مختلفة من الأسلحة ويتدربون عليها، ونفسي سواء برفقة «المحتسبين» في الأسواق والشوارع والأماكن العامة، أو من يقيمون الحدود في الساحات، ويضع داعش في معسكرات أشبال الخلافة خطة تدريب تشمل تدريباً بدنياً شاقاً، ومن لا يتقنه أو تخور قواه قبل نهاية التدريب المطلوب ينهال عليه مدربوه بالركل واللكم، والتدريب العسكري كان ابتداءً من إطلاق النار بالمسدسات مراراً بالرشاش الخفيفة والثقيلة حتى استعمال قاذفة الصواريخ ‹آر بي جي›، ويتدربون كذلك على صنع العبوات الناسفة وتفكيكها ونصب الكمائن واقتحام البيوت، وكيفية صنع حزام ناسف وتنفيذ عمليات انتحارية.
في الوقت نفسه؛ كان يعمد المرتزقة إلى إغراء الأطفال بأجهزة الكمبيوتر المحمول والأجهزة الخلوية، حتى يتمكن من امتلاك عقل الطفل والسيطرة عليه بالكامل لخدمة أفكاره المتطرفة.
وقام داعش بإنشاء مدارس خاصة لأبناء الأوزبك والطاجيك والروس لتعليمهم اللغة العربية قبل الالتحاق بمعسكرات الأشبال في الطبقة، حيث كان في الطبقة عائلات كثيرة من المرتزقة الأجانب، وكان يستخدم الأطفال كمخبرين للحسبة والشرطة والأمنيين لديهم لاعتقال الأهالي الذي يخلفون تعاليم داعش، وبخاصةً في مسائل تخص الدخان وتركيب الأجهزة الفضائية في البيوت بعد منع داعش تركيبها في المنازل، وذلك من خلال إغراء الأطفال بالمال وكانت خطوة لإدخال الطفل في معسكرات أشبال الخلافة.
يذكر أنه وبحسب القانون الدولي، فإن تجنيد واستخدام الأطفال دون 15 سنة للعمل بوصفهم جنوداً أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني وطبقاً للمعاهدات والأعراف، كما يجري تعريفه بوصفه جريمة حرب من جانب المحكمة الجنائية الدولية.
وفضلاً عن ذلك؛ يُعلِن قانون حقوق الإنسان سن 18 سنة بوصفها الحد القانوني الأدنى للعمر بالنسبة للتجنيد ولاستخدام الأطفال في الأعمال الحربية، وتضاف أطراف النزاع التي تجنِد وتستخدِم الأطفال بواسطة الأمين العام في «قائمة العار» التي يصدرها سنوياً.
وتقول المحكمة الجنائية الدولية: «إن تجنيد الأطفال دون 15 سنة أو استخدامهم للمشاركة في عمليات قتالية يعد جريمة حرب».
ويترتب على هذا خلق جيل يحمل أفكار الإرهاب وتدابيره، بما يجعله يشكل خطراً محتملاً على مختلف الدول، ولا سيما إن عادوا إلى بلدانهم الأصلية، مثلما سبق أن جرى مع «الأفغان العرب» قبل ربع قرن.