سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لكي ينجح الحوار الكردي ـ الكردي

فايق عمر (إعلامي)-

بعد توقّف دام ثلاثة شهور تنطلق جولة جديدة من الحوار الكردي ـ الكردي بين أحزاب الوحدة الوطنية الكردية وأحزاب المجلس الوطني الكردي، وذلك وفقاً لتغريدة نشرها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.
استئناف المباحثات بين الأحزاب الكردية في هذه المرحلة يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أنها تُعقد هذه المرّة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة، ومن المتوقع والمأمول أن تمارس واشنطن، باعتبارها الجهة الراعية للحوار، في ظل إدارة الرئيس الجديد جو بايدن وفريقه، دوراً إيجابياً على صعيد تقريب وجهات النظر والدفع بالمباحثات إلى الأمام.
الدور الأمريكي خلال جولات المباحثات السابقة التي استمرّت شهوراً، كان على الدوام مثار شكوك وتنقصه الجدية والالتزام، على الأقل وفقاً لوجهة نظر المراقبين وبغض النظر عن حقيقة ما كان يجري من وراء الكواليس.
ولربما مردّ تلك الشكوك والمواقف السلبية التي تشكّلت حول الدور والرعاية الأمريكية للمباحثات، هو العلاقة الحميمة بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، تلك العلاقة التي كان عرّابها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جميس جيفري، والذي كان معروفاً بميوله التركية إن جاز التعبير، وبالعمل لصالح أجندات وسياسات أنقرة، لذا كان من الطبيعي في ظل وجود جيفري الذي كان يتابع الحوار الكردي ـ الكردي عن كثب، عدم التعويل كثيراً على الدور الأمريكي في رعاية المباحثات، بل والنظر إليه بقلق وتوجّس.
أما الآن وبوصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض، والإشارات القادمة من الولايات المتحدة حول جدّيتها في الدفع بالحوار الكردي ـ الكردي، تتبدّد قليلاً الشكوك والهواجس إزاء الدور الأمريكي، وفي الوقت نفسه تتضاعف حظوظ التقدم في مسار المباحثات، رغم ما يشوبها من صعوبات ومعوّقات كبيرة طفحت على السطح خلال جولات المباحثات السابقة، بالرغم من جميع محاولات الطرفين الكرديين المتفاوضين التقليل من شأنها، لأسباب ربما يكون منها الحيلولة دون انهيار المباحثات والإبقاء على آمال الشارع الكردي في نجاحها.
لكن التعويل على الدور الأمريكي وحده ليس كافياً لنجاح الحوار، والولايات المتحدة ليس لديها الحلول السحرية لردم الهوّة السحيقة بين الأحزاب الكردية في سوريا، ويجب عدم الإيغال في التفاؤل بسهولة تجاوز العقبات الموجودة لمجرّد رعاية الجانب الأمريكي للمباحثات.
كما أن استحضار تجربة الاقتتال بين الحزبين الكرديين في إقليم كردستان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، والحل الذي فرضته واشنطن هناك، وسحب تلك التجربة على الحالة الكردية السورية، التي لم تصل بعد إلى درجة الاقتتال بطبيعة الحال وهذا ما نستبعده بشكل قاطع، بل لا يجوز أبداً استبعاد أن تجد واشنطن نفسها عاجزة في نهاية المطاف وأمام خيار وحيد وهو سحب مظلتها عن المباحثات وترك الكرد السوريين لمصيرهم.
للتقدم في هذا المسار على الطرفين الكرديين المتفاوضين امتلاك الجرأة وزمام المبادرة للنقاش بكل وضوح وشفافية حول جميع القضايا مثار الخلاف واتخاذ الخطوات الفورية اللازمة، لا سيما قضية الحماية والدفاع وكذلك الشراكة في الحكم وإدارة المنطقة، وأن يكونا على أتمّ الاستعداد لتقديم بعض التنازلات التي لا يمكن من دونها أن يُكّلل الحوار الكردي ـ الكردي بالنجاح، مهما حاول البعض القفز على هذه الحقيقة، واعتبار مطالبه من المقدسات التي لا يجوز المساس بها، وبأنها هي الدواء الأنجع للحل ولتضميد جراحات الكرد السوريين.
هناك مسألة أخرى تجدر الإشارة إليها، إذ لكي يحقق الحوار تمثيلاً حقيقياً لجميع الكرد السوريين، ويكون معبّراً عن تطلعات الجميع، لا بدّ من إشراك جميع الأحزاب الكردية السورية في الحوار، ولا تكون المشاركة مقتصرة على التيارين الرئيسيين المتفاوضين.
خلال المرحلة الأولى للمباحثات لم يشارك حزبا الوحدة والديمقراطي التقدمي فيها، وقد أثار ذلك نوعاً من الاستغراب في الشارع الكردي، لما يمتلكان من قاعدة جماهيرية لا يُستهان بها، ويمكن تدارك هذه الإشكالية خلال المرحلة الحالية، لا سيما أن كثيرين يرون أن هذه المشاركة ستحقق تقدماً في مسار المحادثات، فضلاً عن أنها يجب أن تكون حقاً مصوناً لجميع الأحزاب، فإنها ستشكل دفعاً قوياً للمضي في مسار المباحثات.
بهذه الطريقة فقط يمكن تصديق ما أعلن عنه طرفا الحوار في ختام الجولة الأولى، بشأن التوصل إلى تفاهم لاتّخاذ اتفاقية دهوك لعام 2014 أساساً في المباحثات، هذه الاتفاقية التي تصون حقّ جميع الأحزاب في أن يكون لها تمثيل في المرجعية السياسية، وفقط بمشاركة جميع الأحزاب الكردية يكون الحوار حقيقياً وقادراً على بناء مرجعية سياسية موحدة جامعة لكل الكرد السوريين.