سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لعبة المفاوضات

د : درباس معمي –
كما في مونديال كأس العالم، يتأهل الفريقان إلى المباراة النهائيّة ومن ثم تبدأ الأسئلة والتكهنات، وتوقعات الحظوظ والفرص، نقاط الضعف والقوة في كلّ فريق، تحدد النهاية فتضع العالم كله أمام حقيقة جديدة، وهكذا هي الحال في الأزمة السوريّة، فقد أسفرت عن تأهل النظام ومن خلفه روسيا وإيران وحزب الله من جهة، وقوات سوريا الديمقراطيّة يساندها التحالف الدوليّ ومحبو الديمقراطيّة والسلام من جهة أخرى، ولتكون المرحلة الأخيرة والمبارزة النهائيّة والتي اختارتها القوى الكبرى وكذلك الظروف الموضوعيّة، ولكن المبارزة هذه المرة سياسيّة على الأقل في جولتها الأولى، والتي بدأت بجسّ النبض بين دمشق المنتشية بالنصر على المجاميع المسلّحة وإزاحتها من أغلب المساحة الجغرافيّة، وبين قوات سوريا الديمقراطية التي تدكّ على الحدود مع العراق آخر معاقل أقوى قوة للشر والظلام والهمجيّة على مرّ التاريخ مرتزقة داعش، الذين بدأ تلاشيهم وتقهقرهم اعتباراً من ملحمة كوباني، واليوم في ريف دير الزور أمام ضربات قسد.
إذا ما عدنا للخلف واستعرضنا المشهد السوريّ خلال سنوات الأزمة حتى قبلها، لن نجد أيّ صفحة مكتوب فيها أنّ النظام حاور أو قدّم تنازلاً ولو طفيفاً حتى وهو في أضعف حالاته، كذلك روسيا التي تدعمه لم تعرف يوماً مبدأ الحوار، كل ما كانت تفعله في لعبة التهدئة وخفض التوتر هو وضع الخصم أمام خيارين لا ثالث لهما، أما القبول بشروطها أو السحق بكلّ قوة دون رحمة ولا حسيب أو رقيب.
ما الذي جعل دمشق تفتح حواراً مع مسد وبموافقة روسيّة؟
روسيا التي تحاول استثمار أقصى درجة ممكنة من علاقاتها مع تركيا في الملف السوريّ ، ووضعها من جديد تحت ضغط الفوبيا الأردوغانيّة من كلّ ما هو كرديّ، دعت وفد مجلس سوريا الديمقراطيّة إلى دمشق لفرض شروط جديدة على أنقرة في ملفي إدلب والمهاجرين، فروسيا كانت واضحة خلال الأيام القليلة الماضية في الطلب من تركيا بالمساعدة في عودة اللاجئين السوريين حتى لو قسراً في بعض الحالات، وكذلك بالمساعدة في القضاء على المجموعات التي ترفض عودة النظام إلى ادلب وترويض قسم منها لتقبّل فكرة التعاون مع الجيش السوريّ.
المسألة الأخرى في موضوع الحوار هو التفاهم الأمريكيّ الروسيّ على أغلب المشهد السوريّ ومن ضمنه الشمال السوريّ والذي يعتبرونه منطقة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، تملك مفاتيح كثيرة لأدوار مقبلة في المشهد السوريّ ومشهد المنطقة بشكل عام، فكلا الفريقين الأمريكيّ والروسيّ يرغبان بأن تكون تلك الجغرافيّة في الوضع المستقر والهادئ أقله على المدى القريب.
لعلنا نجد أنّ النظام السوريّ ومن خلفه روسيا ليس لديهم الاستعداد بقبول فكرة الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، وهنا نضع خطين تحت كلمة الديمقراطيّة والتي تعني ما تعنيه نسف بنية النظام القائم وفتح أبواب الملفات الحقوقيّة والقانونيّة أمام رموز النظام. فلا روسيا ولا النظام في وارد سماع الديمقراطيّة وحقوق الإنسان وهما خلال السنوات الماضية أحرقوا الأخضر واليابس أمام مرأى ومسمع العالم كله، كلّ ما يفكرون به هو المناورة وجسّ النبض لقوة عسكريّة منظمة قوية ومن خلفها شعوب المنطقة ومتحالفة مع أقوى دولة في العالم وتسيطر على 90% من النفط والغاز السوريّ هي قوات سوريا الديمقراطيّة يناورون لإيجاد صيغة تجعل أن تقبل هذه القوات بالواقع الذي فرضته روسيا والتي كلفتها خزينتها الملايين من الدولارات دون تقديم تنازلات واضحة وصريحة.
إنّ موضوع الحوار السوريّ السوريّ كما يجب أن يسمّيه المتفائلون في المحنة السوريّة، سيطول وسيتبدل حسب تغيّرات الوضع بين أمريكا وروسيا وتركيا حتما النظام غير جاد وكذلك روسيا في إيجاد حل ديمقراطيّ للمشكلة الكرديّة وإرساء نظام ديمقراطيّ في هذا البلد، بالمقابل المساحات الجغرافيّة والاقتصاديّة التي تقوم الإدارة الذاتيّة ممثلة بمجلس سوريا الديمقراطيّ بإدارتها، هي التي تحدد الكثير من المقاربات معهم في سوريا المدمّرة، الثابت هو أنّ أمريكا وروسيا لديهم الرغبة في المحافظة على قوات سوريا الديمقراطيّة لوضع اللمسات الأخيرة على المشهدين السوريّ عندما تحين لحظة الحقيقة ولكنها ليست بقريبة.