سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لا تبكي يا صغيرتي

أزهر أحمد –
إنه الغسق. ساعات الصباح الأولى عفواً ساعات العيد الأولى تقترب مع كشف خيوط النور لخفايا ليل ساده الظلام، وليرفع الشك أصوات تكبيرات المساجد وهي ترتفع رويداً رويداً…الله أكبر ..الله أكبر ولله الحمد …الله أكبر كبيراً وسبحان الله بكرةً وأصيلاً؛ إنّه الروتين الذي تعوّد الجميع عليه الكلّ يقول: إنّه العيد.
لا صدى سوى رجعِ أصوات المساجد، وأصوات الأبواب وهي تفتح وتغلق ومحركات السيارات تبدأ بالضجيج .. الجميع منهمك بالاستعداد ليوم حافل بالمواعيد وكمٍ من الآمال عُقدت عليه. كل شيء تأجل للعيد إنّه الروتين فالمقابر ستُزار والاضرحة ستُوضع عليها الورود والمزارات ستُقصد!
الحدائق ستفتح أبوابها للزوار، والمراجيح ستتمايل مع أغاني أطفال الأغنياء وبكاء أطفال الفقراء، كل شيء مباح… نعم إنّه العيد؛ يقول الحمقى: كلّ شيء مباح؛ فما زلت أتذكر صورة ذاك الملتحي عندما كان يصوم عن الماء وهو من كان يفتخر بأنواع نبيذه… إنّه العيد… هل سيعود إلى كأس نبيذه المعتَّق وطلاسم الليل. وما زلت أتذكر صورته وهو يصلي في رمضان وهو من كان يمزّق سجادة صلاة زوجته قبل رمضان… هل سيعود إلى تمزيقها بعد العيد؟ هل صام مصاصو دماء الفقراء عن أفعالهم؟ وهل ستُغسل ذنوبهم صدقةُ الفطر، أو كفارة الصوم وهل سيعيدون الكرة؟ وهل من كان يوحي بالارتقاء في الخلق والتعامل بالحسنى سيعود لسانه إلى النميمة ويداه إلى الأذى؟ …. وهل… وهل؟ أسئلة ستبقى تراودني إلى ما شاء الله وما دام الانتظار لك قائماً أيها العيد.
ما زلت أنتظرك أيها العيد… يا لها من متناقضات، إذ يلوح لي وسطها خيال فتاة تجلس على «خفان» رصيف بيتٍ أكل الدهر عليها و شرب! اقتربت منها رويداً رويداً، فتاة جميلة تناهز العاشرة من عمرها؛ تحمل في يدها صورة… نعم صورة تحضنها تارة وتقبّلها طوراً لتُعاود التأمل فيها، تضعها تارة على رأسها، ثم تضمّها وهي تتنهد تارة أخرى… تتنفس الصعداء ترفع يدها إلى السماء، تبتسم، تضحك، فتعانق نسمات الهواء خصلات شعرها الذهبيّ، تداعب وجنتيها لتكون مظلة على صورة والدها الشهيد.
أيقنت عندها أنّ الطفلة لا تحادث نفسها، لا تضحك مع ذاتها، بل تتحدث وتضحك لروح كانت بالأمس تضمّها إلى صدرها، روحٍ ارتقت الى السماء وجسدٍ تمثَّلت في صورة.
ويهمس ذاك الملاك الصغير: أبي… عفواً رفيقي… أخي… كرامتي؛ وطني ووجودي… أنا قادمة إلى مزارك… نعم انتظرني فقد أخبرت ألعابي ودميتي وثياب العيد أنّي قادمة إليك.
سأحتضن كتبي ودفاتري، وسأكتب عن بطولاتك وأصدقائك، سأدوّن ملحمةَ بطولتك، سأكتبها بلغتي الأم، فليفتخر الآخرون بلباسهم وكنوزهم وقصورهم، ولكن ستبقى والدي الشهيد، وسأفتخر بك؛ أنت فخري… أنت كرامتي… أنت حقيقتي…
أتمعن ملامحها… أفكر في كلماتها، كم كانت كبيرة تلك الكلمات، كم تأثّرت بتلك العبارات… ولكن سرعان ما تساقطت دموعها وهي تنظر إلى طفلة يمسك والدها بيدها…
فضممتها إلى صدري ومسحت دمعتها وهمستُ لها لا تبكي… وسرنا صوب المزار.