سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كرم سعيد: الكرد في سوريا باتوا رقماً صعباً في المعادلة السورية

قال الباحث المصري المتخصص في الشأن التركي بمؤسسة الأهرام الدكتور كرم سعيد إن عملية اعتقال وتسليم أوجلان تمت من خلال صفقة بين النظام السوري والتركي والسوداني وبعض الدول الإفريقية فضلاً عن تواطؤ وتآمر القوى الدولية، ودور مصر لم يكن مرتبط بتسليم عبدالله أوجلان على قدر ما كان مرتبطًا بأنه نزاع سياسي كاد يتطور إلى صراع عسكري بين تركيا وما بين سوريا.
وشدد كرم سعيد على أن الكرد السوريين باتوا يشكلون رقماً وهاماً في معادلة التسوية في سوريا، وأيضاً على أنه من الممكن التأسيس لحالة البناء والاستقرار، ويجب أن يكون هناك ضغط إقليمي أو دولي لدفع الحكومة التركية إلي تحسين شروط اعتقال عبدالله أوجلان. وهناك أساليب كثيرة للنضال لجأت إليها الأحزاب والقوى الكردية في هذه المرحلة.
وأشار كرم سعيد بأن الإضراب عن الطعام داخل السجون التركية وموقف المناضلين ليلى كوفن وناصر ياغز وغيرهما، له دور هام للغاية في تحشيد الرأي العام المحلي والدولي للضغط على حكومة العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. جاء ذلك من خلال الحوار التي أجرته وكالة فرات للأنباء معه، وجاء الحوار على الشكل التالي:
-هل المؤامرة الدولية التي أدت إلى تسليم أوجلان يمكن أن تستند إلى أي أساس شرعي أو قانوني، ما توصيفكم لهذه العملية؟
صفقة تسليم القائد عبدالله أوجلان بدأت من كينيا، بعدما ألقت وحدات أمن كينيا القبض عليه وتم تسليمه إلى تركيا في فبراير عام 1999، حيث كان الأمر مرتبطًا بصفقة ما بين النظام السوري والتركي وما بين السودان وبعض الدول الإفريقية وقوى عالمية أخرى. عبدالله أوجلان تم توقيفه بشكل يستند إلى اتهامات تركيا تدين الرجل بالتورط في جرائم قتل ونهب وغيرها من الاتهامات التي تتهمه بها تركيا، وهذه التهم باطلة، وأوجلان كان يقود صراع مع الدولة التركية من أجل الدفاع عن الشعب الكردي في تركيا. ومن منطلق البحث عن حقوق الشعب الكردي التي تمثل نحو سدس الكثافة السكانية في تركيا، وتمثل كتلة تصويتية في كل الاستحقاقات السياسية التي تشهدها تركيا، هذا الصراع الذي بدأ منذ العام 1984، بقيادة عبدالله أوجلان تحت مظلة منظمة حزب العمال الكردستاني، والتي حظيت بدعم العديد من الدول علي رأسها سوريا، وعندما تم توقيع اتفاقية “أضنة” في عام 1998، كان من ضمن شروط هذه الاتفاقية ترحيل عبدالله أوجلان عن الأراضي السورية، وبالفعل تم ترحيله إلي السودان إلى أن تم توقيفه في العام التالي استنادًا إلى لائحة اتهامات تركية تدّعي اتهامه بخوض صراع مسلح ضد الدولة التركية.
-كيف يمكن كسر العزلة المفروضة على القائد أوجلان في جزيرة إيمرالي، وماذا يمكن أن يقدم العرب في هذا الصدد في ضوء العداء التركي لمصالح المنطقة وأمنها؟
أولاً كسر حالة الاحتجاز أو الحبس الانفرادي الذي يعيشه أوجلان مرتبط ببعدين وهما بعد داخلي مرتبط بدور الكرد في الداخل التركي، وبعض نواب الكرد وأخرهم ليلي كوفن، قامت بالإضراب عن الطعام منذ عدة شهور رفضًا للسياسات التركية تجاه عبدالله أوجلان، وهناك بعض النواب الكرد يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية والصحية لأوجلان داخل معتقله، وهناك أيضاً بعد خارجي مرتبط بجزء كبير بالمصالح السياسية. وهل للعرب مصالح سياسية مع التيارات الكردية الموجودة في المنطقة، لكن الرهان هنا يكون مرتبط مع الكرد في سوريا تحديدًا، لأنهم أصبحوا يشكلون رقمًا في معادلة التسوية السياسية السورية، ولديهم علاقات قوية مع الولايات المتحدة الامريكية ومع بعض الدول الأوروبية وتحديداً فرنسا، وهناك تواصل ما بين الكرد في سوريا والكرد في تركيا، وبالتالي عبر هذا المدخل من الممكن أن يؤسس لحالة لبناء ضغط إقليمي أو دولي لدفع الحكومة التركية إلى تحسين شروط اعتقال عبدالله أوجلان.
-كيف شارك نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في عملية تسليم القائد للدولة التركية؟
في الحقيقة دور مصر لم يكن مرتبط بتسليم عبدالله أوجلان علي قدر ما كان مرتبطًا بإنهاء نزاع سياسي بين تركيا وسوريا في ذلك الوقت، حيث كانت مصر طرف وسيط مع الأردن وبعض الدول العربية الأخرى، كان الهدف من تلك الوساطة هو تهدئة الأزمة التي حدثت بين سوريا وتركيا في ذلك الوقت. لأن الأمر كاد أن ينقلب ليصبح نزاع عسكري بين البلدين، ونجحت الوساطة المصرية في ذلك الوقت في عقد ما عُرف باتفاقية “أضنة” عام 1998، وكان من ضمن بنودها هو ترحيل عبدالله أوجلان عن سوريا، ومنح تركيا حق التدخل في العمق السوري بواقع 5 كيلو متر لمواجهة أي تهديد يخص الأمن القومي التركي بالإضافة إلى بنود أخري ترتبط بالكرد و لواء إسنكدرون وغيرها، والدور المصري لم يكن الهدف منه تسليم عبدالله أوجلان بقدر ما هو لإنهاء نزاع كاد أن ينقلب إلى مواجهة عسكرية بين البلدين على خلفية إيواء سوريا لعبدالله أوجلان، وعلى خلفية الدعم السوري للكرد في ذلك الوقت، بالإضافة الي خلافات تتعلق بلواء إسكندرون وغيرها ما بين البلدين، وبالتالي التدخل والوساطة المصرية كان الهدف منه إنهاء نزاع مسلح فقط.
-كيف ترى مقاومة البرلمانية ليلى كوفن لكسر العزلة المفروضة على القائد آبو، وحملات الإضراب المفتوحة عن الطعام في السجون التركية؟
هذه خطوة رمزية وخطوة معنوية مهمة جداً، حيث استطاعت أن تثير قلق السلطات في تركيا ومنذ أسابيع منعت السلطات التركية مظاهرة من أمام منزل النائبة الكردية ليلى كوفن، واضطرت السلطات إلى الإفراج عنها ووضعها قيد الإقامة في منزلها، ومثل هذه الأمور تُحدث خلل في المعادلة السياسية التركية، وبالتالي هذه الأفعال برغم الرمزية المعنوية لها، تستطيع أن تبني مواقف دولية ومواقف إقليمية مؤثرة علي القرارات التركية، وبالتالي هذه المقاومة مهمة من الناحية المعنوية والسياسية وتحمل دلالات إنسانية وتستطيع إرباك الحسابات التركية بشكل كبير في الأيام المقبلة.
-كيف انقلب أردوغان ونظام حزب العدالة والتنمية الحاكم على مسار السلام مع الكرد؟
 مسار التسوية السياسية للقضية الكردية لم يبدأه أردوغان ولكنه بدأ في عهد “تورغوت أوزال” رئيس الوزراء التركي السابق، بالفعل قرر تسوية سياسية وسلمية مع الكرد حقناً للدماء، وقام بعدد من المشاريع في التنمية الاقتصادية في جنوب شرق تركيا واستطاع أن يحقق نوع من الاستقرار. لكن موت أوزال في التسعينيات وتولي الحكم في تركيا حكومات أكثر تشددًا تجاه القضية الكردية، حالت دون التوصل لأي اتفاق بين الطرفين، ثم جاء حزب العدالة والتنمية أوائل عام 2002، واستطاع تقديم خطة لتسوية الأزمة في تركيا. ولكن هذه الخطة فشلت ولم يتم العمل على تطبيقها بشكل كامل، ثم تركوا المشروع الأول وذهبوا لتطبيق تسوية أخري في عام 2009، سُميت بمفاوضات “أوسلو” السرية التي جمعت بين الطرفين الكردي والتركي. لكن تلك المفاوضات وبعد أن قطعت أشواطاً توقفت، والسبب هو رغبة الرئيس التركي في ألا يثير حفيظة التيارات القومية في تركيا، ما أدي إلى انهيار هذه المفاوضات في عام 2012. إلى أن بدأت مفاوضات أخرى في نهاية العام ذاته، فتم منح الكرد جزء من حقوقهم فيما يتعلق باللغة والزي الرسمي وفتح قنوات ناطقة بالكردية، بالطبع تتبع للدولة التركية وهي التي تديرها، لكن هذه المبادرة أيضاً لم يكتب لها النجاح، لحاجة أردوغان لإعادة حساباته السياسية فيما يتعلق بتحالفه مع الأحزاب القومية التركية، في ظل تراجع شعبيته وبالتالي انهارت هذه الاتفاقية تحت تراجع شعبية أردوغان وحاجته إلى التيارات القومية التي قد تكون طوق النجاة بالنسبة له. وبخاصة أن صعود الواقع السياسي الكردي في سوريا وتأثيره على الساحة بات من الأمور الواقعية، لأن الكرد أصبحوا الرقم الأصعب في معادلة التسوية في الأزمة السورية المستفحلة منذ ثماني سنوات، مما جعله أحد الأسباب التي أدت إلي زيادة الطموح السياسي للكرد في تركيا وإيران والعراق أيضاً، وبالتالي كان موقف أردوغان أكثر انحيازًا إلى التيار القومي المناهض والرافض لمنح الكرد أية حقوق سياسية.
-كيف يمكن أن تساهم الأفكار الديمقراطية (الأمة الديمقراطية) في إيجاد نموذج للتعايش في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط؟
بالنسبة لما يطرحه أوجلان بشأن المسألة الكردية يقوم بالأساس على فكرة منح الكرد الحكم الذاتي الذي يمنحهم إدارة أنفسهم في مناطقهم، والهدف الأكبر هو انخراط الكرد بشكل كامل في العملية السياسية في البلدان المتواجدين فيها، وتحول الدول التي تحوي الكرد إلى دول لا مركزية ديمقراطية وهو الهدف الأعمق، ومن خلال ذلك بإمكانهم الحفاظ على حقوقهم في تلك الدول. وحلم دولة كردستان تحقق لبعض الوقت في عام 1947، ومع إعلان جمهورية “مهاباد” وهذا الحلم الذي لم يستمر سوى فترة قليلة من الزمن، والكرد في الحقيقة باتوا يدركون أن هناك واقع دولي وإقليمي غير متوافق مع مصالحهم ومع إقامة كردستان الكبرى، وبالتالي فكرة الإدارة الذاتية التي حققت النجاحات في الفترة الماضية، باعتقادي لو اعترفت حكومات تلك الدول بها تعتبر جيدة بالنسبة لهم، وعلى حكومات هذه الدول أن تكون مرنة ليتم إنهاء الحلول العسكرية التي لن تأتي إلا بالخراب والويلات والقتل والتهجير. وفكرة الانفصال والتقسيم مستبعدة لدى الكرد وهم من يطالبون بالحفاظ على وحدة تلك الدول، وخير مثال على ذلك الكرد في سوريا، وما نعيشه اليوم على الرغم من حالة التقدم السياسي الكبير، والمكاسب التي حققوها خلال الفترة الماضية، وحققوا الكثير من الانتصارات على مرتزقة داعش، وسيطروا على الكثير من المناطق في سوريا، وتراجع السلطة السورية في مناطقهم، لم يتجهوا إلى المطالبة بالانفصال، بل على العكس من ذلك انخرطوا بجدية في مفاوضات مع دمشق النظام في سوريا، واتفقوا مع شعوب المنطقة ومكوناتها على شكل الإدارة، التي تفوقوا فيها، وباعتقادي أن هذا هو مدخل هام لمواجهة التهديدات التركية.