سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كتب للإعارة مُعلقة على سور السكن الجامعي في دمشق

صباح الاثنين من كل أسبوع، ينشغل “أبو وليد ناجي” بنشر كتبه على أسوار المدينة الجامعية جانب أوتوستراد المزة في الجهة الغربية للعاصمة دمشق، ليخلق حدثاً هاماً لمتابعيه الباحثين عن ضالتهم من كتب ومراجع.
هنا قصة للكتب والطلاب يحكيها “أبو وليد” الذي يحزم كتبه من مسكنه العشوائيات في أطراف دمشق إلى الأوتوستراد الذي يربط المدينة الجامعية بكليات الطب والصيدلية والآداب.
يصف الموقع الذي اختاره ببيئته: “الآمنة وسط شباب المستقبل”، إذ يتمكن من توفير إعارة مأجورة للكتب في العاصمة الغارقة في أزمات الحرب في البلاد.
يقول طالب متوجه لكليته: “لا غاز ولا كهرباء ولا مازوت، بل لا حياة يسيرة في متناول اليد بقدْر الكتب وعناوينها هنا”.
شغف وحلم
ومنذ العشرينات من عمره، بدأت قصة شغف الرجل الخمسيني بالكتب، هو يسميها “سوسةَ اقتناء الكتب”. يتذكر حين كان يعمل ويحاول توفير عشر ليرات سورية من مصروفه، يطرق بها بسطات الكتب على أرصفة منطقة الحلبوني وجسر الرئيس وسط دمشق.
منذ ذاك الزمن، كان “أبو وليد” يخطط لاقتناء مكتبة: “مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب المصفوفة على رفوف”.
تحققت المكتبة الحلم، لكنها هنا بلا رفوف ولا باب بسبب غلاء المعيشة وأعباء تربية أولاده الثلاثة وتعليمهم التي يتدبرها من راتبه الحكومي وعمل آخر إضافي، ليتمكن وسط كل ذلك من قضاء يوم هنا.
ومنذ عام أصبح موضع وقوفه الذي سماه “مكتبة الأغاني” مقصداً لكل من لا يستطيع أن يشتري كتاباً وخصوصاً الطلاب الذين لا يملكون أثمانها.
والفريد في مكتبة “أبو وليد” أنها لتأجير الكتب وبالتالي لن يكون صاحبها بائعاً بحسب الدلالة المعنوية للكلمة، وها هو يسمي قاصديه بالأصدقاء، فلا زبائن ومشترون هنا بحسب رأيه.
يقول لوكالة نورث برس: “أصدقائي هنا طلبةٌ في عمر أولادي، يجمعني معهم حب الكتب، وقلة الحيلة المادية”.
كما أنه يحصل في مرات كثيرة على: “وجهة نظر مختلفة” عند إعادة الكتاب.
وجاءت الإعارة استجابة لضيق الأحوال المادية للطلاب والطالبات الذين: “بالكاد يدفعون ثمن محاضراتهم الجامعية، وفنجان شاي في أحد مقاصف الكليات”.
نزهة الاثنين
واختيار الاثنين لم يأتِ عبثاً: “فهو منتصف الأسبوع، وغالبية الكليات القريبة تجدول محاضراتها في هذا اليوم”.
ويُعرض كل كتاب هنا بـ 1000 ليرة مدة أسبوع، وهي مدة قابلة للتمديد بحسب اتفاق شفهي بين الطرفين الصديقين، فذلك “كلام رجال”، بحسب بائع الكتب الذي يستخدم التعبير حتى مع الطالبات.
وينظر “أبو وليد” لعمله على أنه تأسيس لثقافة إعارة الكتب، وإيصال المتوفر منها لمن يستحق. ويعتبر صاحب المكتبة أن ما يجنيه لن يكون أكثر إذا ما عرض هذه الكتب للبيع لأنه نادراً ما سيشتري أحدهم.
كما أنه يعتبر عمله هنا نزهته الأسبوعية الخاصة، أما مصدر كسبه الرئيس فهو وظيفته الحكومية وعمله الإضافي.
يقول: “لا يمكن لأي بسطة كتب في العالم أن تكون مصدر دخل، فالمثقفون لا يملكون المال الزائد”.
وجمع الرجل كتبه مما اشتراه من مكتبات أناس هاجروا من البلاد، وأخرى تبرع بها أصحابها، وقد يتحول الزبون “الصديق” إلى متبرع بعد فترة إلى جانب ما قرر استخدامه من مكتبته الشخصية.
وتتنوع هذه الكتب بين الدينية والسياسية والأدب والفكر والروايات العربية والأجنبية، ولكل منها جمهورها، إلا أن الشباب الجامعي يُقبِل على الروايات العربية، بحسب “أبو وليد”.
“أقرأ بألفي ليرة”
وبين محاضرتين لها، تعبر (ي.أ) (25 عاماً)، وهي طالبة في كلية الطب تتحدر من طرطوس، إلى الطرف الآخر من الأوتوستراد لتتعرف عن جديد الروايات العربية التي أتى بها أبو الوليد هذا الأسبوع.
تقول إنه يذكرها بوالدها، وتسأله عن عناوين روايات قد يتمكن من جلبها الأسبوع المقبل، لأنها لا تحب القراءة الإلكترونية.
(ي.أ) التي تشرب كل اثنين قهوتها هنا، تصف المكان أنه: “فسحة التنفس بعيداً عن المشارط وعلب الأدوية وأنين المرضى”.
وترى أن قلة القراءة وعدم معرفتنا بالآخر وعدم الاستماع له، هو ما أوصلنا إلى الحرب وأزماتها.
أما (ع.ل) (21 عاماً)، وهو طالب في كلية الإعلام ينحدر من مدينة السلمية بريف حماة، فيمر صباحاً بالكتب وغالباً ما تتسبب العناوين الجديدة بتأخره عن المحاضرة الأولى أو تغيبه عنها.
يقول إنه يقرأ كل أسبوع بألفي ليرة سورية: “فحتى من تحت جسر الرئيس لم يعد بإمكاني الشراء”.