سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كتاب: منبج سيرة ومسيرة/ المؤلف: حسين علي بكار

خضر الجاسم –

حين تذكر البلدان أمامنا؛ يتبادر للذهن دائماً، المعالم الأثريّة؛ لأبرز الحضارات القديمة. بحيث تغدو تلك الآثار؛ اللغة الجديدة؛ النّاطقة لعظمتها، وعراقتها. فالذي ليس له ماض، من المؤكّد ليس له حاضر، بحيث يغدو الأثر، أمّا الشّاهد على وجوده، أو فنائه.
تزخر الآثار في مدينة منبج، في كلّ بقعة منها؛ لون حضاريّ؛ يجمّلها أكثر، ويزيدها بريقاً، وجمالاَ. لكن ما يجهله الغالب من النّاس؛ تلك الآثار المندثرة، والتي أزيلت معالمها بالكامل، أو جزء منها؛ بعدما كانت في حقبة ما، عامرة بالحياة، ونابضة بالرّوح. لتغدو كما يقال؛ كأنّها أثر بعد عين. سنلقي الضّوء على بعض هذه الآثار المندثرة؛ كما تمّ عرضها في كتاب؛ منبج سيرة ومسيرة، للمؤلّف حسين علي بكار.
قلعة منبج
الذّي بقي من هذه القلعة؛ اسمها، وجثّتها الهامدة؛ الرابضة وسط حيّ يُدعى التبّة. وهي هضبة ردميّة عالية؛ بُني فوقها خزّان مياه. والزائر لمنبج يراها، والخزّان أوّلاً وبقي أيضاً من هذه القلعة؛ ممّا أورده الكتّاب، وغيرهم من الرحّالة والمؤرّخين. وقلعة منبج؛ محاطة بواد من جميع الجهات، وهي الخندق الذّي كان جزءاً من الحماية.
إنّ ما أصاب منبج من نهضة سلوقس العمرانية؛ قلعتها، والتّي بقيت داخل السّور؛ لأنّه لم يذكر للقلعة؛ بناء، وقد نسبت للقلاع السّلطانية. غير أنّ البلاد؛ عرفت مثل هذه القلاع في الحقبة السّلوقيّة، وكانت الأكروبوليس؛ أيّ المدينة المصغّرة. وهي قلعة عسكريّة؛ تبنى داخل السّور؛ عادة يحتمي بها الأهالي إذا ما حوصرت بلدتهم، أو تقهقرت أسوارها، وفيها مؤن من الطّعام والشّراب ما يكفي الأهالي عدّة أيام؛ لذلك سمّيت بالمدينة المصغّرة. بنيت قلعة منبج على مرتفع ترابيّ؛ يسمّى بلغة علماء الآثار؛ أكروبول؛ لغرض دفاعي_ أمني _وهذا تقليد سائد في العمران أنئذ، إذ كان على البناة؛ إحداث مرتفع، ومن ثمّ البناء عليه. وقد قال عنها ابن جبير عندما زار منبج سنة 579هـ (لها قلعة حصينة.. في جوفها تنقطع عنها، وتنحاز عنها).
ولكن بعد تسع عشرة سنة من زيارة ابن جبير إلى منبج، ومشاهدته القلعة؛ دخلت القلعة مقبرة التّاريخ على يده ” في هذه سنة 598هـ خرب الملك الظّاهر قلعة منبج؛ خوفاً من انتزاعها منه، ومن الغريب حقّاً؛ أن تخرّب قلعة خشية انتزاعها، وتترك مدينة كاملة عرضة للانتزاع”.
والقلعة هي التّي تحمي نفسها بمن فيها من الانتزاع، ويقال أيضاً أنّ تيمور لنك خرّبها، وهو في طريقه إلى حلب، وظلّت مخرّبة إلى الآن.
ويشير المؤلّف في موقع آخر من الكتاب إلى دمار القلعة بالقول:” أخر أيام قلعة منبج الحصينة؛ كانت الدّمار، ليس على الغزاة، ولكن على يد ساكنها: (في سنة 598هـ خرّب الملك الظّاهر قلعة منبج؛ خوفاً من انتزاعها منه، وأقطع منبج بعد ذلك عماد أحمد المشطوب).
هذا الأمر يثير الغرابة حقّاً، فتدمير القلعة في مدينة منبج، وهي حصنها القويّ المنيع؛ يعني تسليم إمارة منبج برمّتها، وبقاء القلعة؛ يجعل من انتزاعها صعب المنال، ومع هذا لا تعرف الحكمة وراء تدمير الإنسان لبيته بدل التحصّن فيه للدفاع عنه منه وبه. ومن الغريب أكثر أن يقوم الملك الظّاهر بتخريب قلعة منبج، وتدميرها لكنّه قام بتجديد قلعة “نجم”.
سور منبج
من خلال سياق هذا البحث؛ يشعر المرء في لحظات؛ أنّه يرثي أشلاء مدينة لها قلعة تدمّرها أيدي الفاتحين، وأسوار؛ تلحق بالقلعة؛ لتُلاقي ذات المصير.
أما سور مدينة منبج؛ فيقول عنه ياقوت الحمويّ؛ “كان عليها سور مبنيّ بالحجارة محكم. وهذا السّور يتّصف بالمتانة والأحكام، ويوصف أنّ سوراً متيناً؛ كان يحيط بمنبج ردّ جحافل المعتدين على أعقابهم”.
 ويذكر أنّ السّور كان ماثلاً قبل السّلوقيين، ولشدّة تقهقره رمّمه سلوقس على غرار أسوار المدن الأخرى؛ ممّا زاد البلدة حصانة، ومتانة. وقد أورد ابن جبير ذكر السّور قائلاً: (يحف بها سوراً عتيقاً ممتد الغاية، والانتهاء، وقد تمّ ترميم السّور في الحقبة الرّومانيّة، ويذكر أنّ يوستنيان، أشاد سوراً حصيناً؛ حيث عجز عن اقتحام منبج كيخسرو؛ ملك الفرس عندما جاء لمهاجمة شمال بلاد الشّام. فسور منبج منيع مناعة أسوار تلك الحقبة، وقد وجدت أنقاضه لتدلّ على متانته).
جسر منبج
وهذا الجسر كان مُقاماً على نهر الفرات؛ يربط شرق الفرات بغربه. وهو المعبر الوحيد في تلك الحقبة، وهذا الجسر يقع في القرية المسمّاة باسمه؛ جسر منبج. والآن هو سطور في المراجع فقط.
وكان هذا الجسر من الأهميّة بمكان؛ وهو مفتاح الدّخول إلى منبج، وحلب، ويقع قبالة قلعة نجم؛ هي الآبدة الوحيدة الباقية على حالها حتّى الآن. أمّا الجسر الذي يقع بالقرب من قلعة نجم على نهر الفرات، فيعبر من أمام القلعة بصورة إجباريّة، ومن ثمّ يعرج على منبج ممّا أعطاها أهميّة تاريخيّة بالغة؛ ارتبط هذا بتاريخها.
وقد مر بمنبج كبار المفكّرين، والملوك، والسّلاطين، والرحّالة؛ ومنهم الرحّالة ابن جبير، وجوليان الرّوماني، وفرانس كومون الفرنسيّ وغيرهم.
أمّا عن الجسر؛ فقد أورد أحمد وصفي زكريا؛ بأنّه دثر منذ زمن بعيد. وزالت آثاره تماماً، وقد يدرك البعض الذين كانوا يقتلعون الرّصاص من مداميك الجسر حين كانت أسسه ماثلة على الضّرر الذّي ألحقوه. وبناء القلعة؛ قلعة نجم فوق مدخل الجسر؛ للتحكّم بمرور القوافل، والجحافل التّي تدفع الرّسوم كضريبة مرور، والتّي لا طريق لها إلى حلب إلا من على هذا الجسر. ويذكر عدد من المؤرّخين هذا الجسر؛ فيقول عنه ياقوت الحموي: (وعندها جسر؛ يعبر عليه، وهي معروفة بجسر منبج. وتعبر على هذا الجسر القوافل من حرّان إلى الشّام).
ويذكر الجسر أيضاً ابن الأثير في تاريخ منبج سنة15هـ. (فجلا أكثرهم إلى بلد الرّوم، وأرض الجزيرة، وقرية جسر منبج، ولم يكن الجسر يومئذ، وإنّما اتخذ في خلافة عثمان للصوائف، وقيل كان له رسم قديم).
ويبدو ممّا تقدم؛ أنّ هذا الجسر دمّر أكثر من مرّة، ولكنّ الذي حُكم عليه بالإعدام هو آخر خليفة أمويّ. وهو عبد الله بن العباس، فما كان منه إلّا أن أحرق الجسر؛ سنة132هـ.
“حسين علي البكار” من مواليد “منبج” (1956)م، خريج معهد إعداد المعلمين بـ”حلب” عام (1978)م، صدر له عن مجموعة قصصية بعنوان “انتصار” عام (1992)م، ومسرحية بعنوان “وقائع موت السيد حمد”، وله عدة مسرحيات نالت جوائز على مستوى القطر.