سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قراءة في نص الشاعر عبد الرحمن محمد “تراتيل في وداع الناسك الأخير”

عبد الوهاب بيراني (كاتب وناقد)-

كان الرثاء ومنذ القدم أحد فنون الشعر وأصدقها تعبيراً، لقربه من النفس الإنسانية، فهو أدب قديم قدم الحياة والموت، فقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحالات الفقدان والرحيل والغياب الأبدي، فالموت من أعظم الحالات وجعاً وألماً وأشد صور الفراق إيلاماً، فتفجر حالة الحزن في النفس الإنسانية، وتقدم مادة ثرية للشعر، فرحيل إنسان كان له من الحضور الاجتماعي والمكانة الرفيعة في الذاكرة الجمعية، يدعو الشعر ليس لممارسة دوره الشعري في إنتاج مراثيه، بل ليتصدرها من حيث صدق التجربة وحرارة التعبير ودقة التصوير.
وأدبنا الشعري يحتفظ بتراث ضخم من المراثي منذ القدم إِلى يومنا الحالي، من بداياته الكامنة في العبارات المتداخلة مع نحيب وعويل النساء، والتي كانت تحمل قدراً كبيراً من الشعر الشعبي للتعبير عن الفجيعة وهول مرارة الموت. وتطورت أدوات الشعر في التعبير عن الحالة الوجدانية لتأخذ حيزاً واسعاً في حقل الأدب والشعر خاصة.
وحيداً..
كناسك خاصمهُ الأنبياء
وكذَّبته كل الكتب
وحيداً
كطائر خذله السرب
فهام وحيداً
هوت آخر ريشة فيه
قبل أن يلقي حكمته الأخيرة
على وجوه غريبة
وحيداً..
في هذا الاستهلال للنص الشعري المعنون (تراتيل في وداع الناسك الأخير) للشاعر عبد الرحمن محمد في رثاء القامة الوطنية الفنية الراحل محمد علي شاكر الذي يعد أحد أهم أعمدة الفن والموسيقا كاتباً، وملحناً للأغنية الكردية، خلال خمسين عاماً من العطاء والبذل والعمل، فقد استهل الشاعر النص بمفردة “وحيداً” هذه المفردة التي تتكرر كثيراً في النص، ليس كدلالة على رحيله بمفرده كما يحدث عادة في حالات الموت، وإنما للدلالة على حالة الفقد، وللتنديد بالجموع التي كان من المفترض وحسب الأصول والأعراف المتبعة أن تودعه إلى مثواه الأخير بمراسم تشييع ودفن تليق بتاريخه، وجهوده التي قدمها في خدمة أبناء شعبه، وشخصيته المتميزة بثرائها وعلمها وإنتاجها الإبداعي، وحيداً بعيداً عن تراب بلده المحتل “سري كانيه” التي كان يأمل وبشغف العودة إليها محررة، مزدانة بالعشب والزهر، مضيئة بشمسها، ليفي بوعده لها، بأن يغني لقامتها مجدداً، وهو الذي لم يترك «العود» عازفاً ومغنيا لها في فترة “نزوحه” المريرة.
“وحيداً… كناسك خاصمه الأنبياء، وكذبته كل الكتب..”.
هنا يجعل لشخصيته رتبة عالية المقام، فيستمد من تاريخ الأديان وعبر تناص ديني تلك المرحلة من التاريخ التي كان البشر يكذبون الأنبياء، ويحاربونهم، ويحاربون كتبهم وآياتهم ومعجزاتهم، أو كذاك الطائر الذي يطير مع سربه، يحوم معهم ويهبط معهم، لكن معشر الطير وسربه قد خذلوه، تركوه وحيداً، وتركوا ريشه يهيم في الهواء تأخذه ريح الإهمال والإنكار، وهو برحيله تركنا أمام قضية أخلاقية، وحكمة عظيمة، بأننا في كثير من الأحيان لا نتقن سوى الكلام أمام عظمة الموت وسمو الفقيد.
الشاعر بما يملكه من إحساس دفين وشعور عال، عبر عن مرحلة عميقة من الحزن وصلت إلى مرتبة التفجع، ويكتسب التعبير عن حالة الحزن شعرياً بالمرثية؛ بما يمتلكه النص من عمق الرثاء، وتكامله السردي على مستوى بناء النص ورسم صوره الشعرية، فالشاعر يمسك الخيط الناظم لمجمل النص فيطلق العنان جرعة من الحزن عميقة التأثر تجاوزت حالة الفقدان إلى الاستذكار وسرد محطات ومواقف يعود بنا إلى فترات من الحياة، ونكتشف في خضم العملية الشعرية حالة ناضجة وواعية من الرثاء وهو يسرد حالة العتاب واللوم وإعلانه الندم.
“ولم نودعه
الوداع الأخير
كما نزف الرُسل
ولا كعظيم يُبجل
أو محارب بالطعن
متخم
ينبوع نور كنت
ونهر عطاء
نقياً
تقياً
نبياً
لهذا تنكرنا لك
وطعنّاك
أربعاً وسبعين طعنة
أحرقنا كل التوابيت دونك
وأدنا كل الورود
وألقينا بالشعر خلف الحدود”
فالمرثية تبدأ بالندب، ببكاء النفس على الراحل والفقيد بل ويمتد ليشمل البلد والشعب والوطن، ليمتد إلى حالة أو مستوى آخر من التأبين، إلى تعداد خصال ومناقب الفقيد الفريدة والإشادة بشخصيته، وبسنواته الأربع والسبعين وجهده الذي لم يجد صداه يوم رحيله، تلك الحياة التي رميناها خلف ستائر الضباب وزرعناها في مستنقع خلافاتنا، والمحسوبيات التي فتكت بنا، ولا يغفل النص (المرثية) عن ذكر غياب الورود والزهور التي طالما كتب الراحل عنها، وغنى لها ولجمالها وهي تزين أرض بلاده، فغابت هيبة الجثمان الذي دل عليه النص بلوعة ووجع شديدين، في حالة مشهدية تصويرية شعرية عالية الدفق (تابوت محروق) ليصل بمستوى النص نحو حالة حزن جمعية أشمل من حلقة المرتبة الأولى من الحزن والتفجع أو الندب.
“وحيداً مضيت…
غريباً…
وأنكرنا كل جميل
وكنا القاتل وكنت القتيل
وكنت الكوكب
وكنت المنارة
ونحن الهزيمة
ونحن الخسارة”
يعرج النص هنا إلى توجيه الاتهام وممارسة فعل الندم، وبيان مشهدية نهائية له في خطاب شعري ناضج، يخترق الزمن في حالة ما بعد الموت، وممارسة تأمل فكري في حقيقة الحياة والموت، يمضي إلى آفاق فلسفية في معنى الوجود والعدم والخلود والفناء معتمداً تقسيمات حقيقة في جسد النص بمفصلية متصلة تنطلق من إعلان رحيله وحيداً وبيان حالة حزن وندم قصوى نجدها بمراتبها ومستوياتها الثلاثة ضمن هذه المرثية من الحزن والاستذكار، والحنين والعتاب، والندم، لتتقاطع مع الندب والتأبين والعزاء.
“وحيداً مضيت
فغاب كوكب من ضياء
ونحن نرمي بخيباتنا
وتكثر كل يوم لاءاتنا
مضيت ونحن
نقتات ليل الشتاء
ونحشو الوسائد
بلغو المساء
مضيت إلى حيث الخلود
ونحن أشباه موتى
وقد مات فينا
الرجاء”
ويختتم النص مبيناً غروب كوكب وأفول نجم مشع عظيم وسط إهمالنا لحياة شخصيات وأعمال وأعمار مضت، شخصيات كانت إلى حين قريب معنا شركاء في ممارسة الحياة دونما التفاتة إليهم، وتوجيه اللوم والنقد إلى ذواتنا، مبيناً فراغ كلماتنا، ورداءة الوقت، وخواء الوعي في الوقت الذي مضى الراحل في طريق الخلود حياً باقياً بكل فنه العالي وموسيقاه الراقية، وبأننا نحن الراحلون، الموتى، الذين مات فيهم الأمل، وأنطفأ سراج النور بأرواحهم، فهو الذي رحل وسيحيا، وإننا أشباه الموتى، وقد مات فينا الرجاء.