سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“قبور صغيرة”… رصدت أوجاع السوريين شعراً

في مجموعته الشعرية “قبور صغيرة” الصادرة أخيراً، والذي يرصد من خلالها مأساة السوريين خلال العقد الأخير، يعرّف ماهر شرف الدين ثورة السوريين، عبر قصيدة من قصائد المجموعة –أو كما يسميها “القبور”- الاثنتي عشرة، فيقول:
“لم تكن الثورةُ جداراً
نستند إليه
أو زمناً مثيراً نعيشه
أو لمسةً مفاجئةً لجلودنا القاحلة.
***
لم تكن الثورةُ أملاً مُعقَّداً
أو فطراً انبجسَ فجأةً
لزمرةِ جوعى.
***
لم تكن الثورةُ طيفَ سفينةٍ
لاحَ لمقطوعٍ في جزيرةٍ
لا أثرَ لها على الخريطة.
***
لم تكن الثورةُ جولةَ انتقامٍ
أو حفرةً نصيحُ فيها
ونمضي، مطمئنِّين، دون ردمها.
***
لم تكن الثورةُ مفتاحاً لقصرٍ
أو سُلَّماً لبرجٍ
أو دَرَجاً لقبوٍ.
***
لم تكن الثورةُ حديقةً عامَّةً
ينام فيها المشرَّدون
أو مقطورةً كبيرةً
لتهريب الناس والبضائع.
***
لم تكن الثورةُ ملاكاً أو شيطاناً
قدِّيساً أو فاسقاً
نهراً أو زوبعةً.
***
لم تكنُ الثورةُ غايةً أو وسيلةً
عدالةً أو ظلماً
عبقريةً أو حماقةً.
***
لم تكن الثورةُ شعراً أو نثراً
أو كُتَّاباً موهومين
بقدرتهم على التأثير.
***
كانت الثورةُ حريقاً هائلاً
التهمَ الأوراقَ التي
سُجِّلتْ عليها ديوننا
لهذه الحياة الـمُرابية”.
“قبور صغيرة”، الاسم الذي اختاره شرف الدين؛ ليكون عنواناً لمجموعته الشعرية الثامنة، وليختزل من خلال هذا العنوان أوجاع أبناء بلده، التي عانوها خلال سنوات ما يُسمى بالثورة السورية، التي كانت أزمة، عبر 105 صفحات ضمّت تاريخاً من التشرّد، والجوع، والحصار، والتغييب، والقتل، تمكَّنَ الشاعر من تدوينها بلغةٍ أدبية رصينة ونصوص نثرية مدهشة.
وبالرغم من إصداره مجموعات سابقة عاصرت الثورة السورية، كمجموعة “السوريون شجرٌ” (2017) أو “حصاة في كليتي اليسرى” (2013)، إلا أن قصائده الأخيرة، جاءت أكثر دلالة وألماً في وصفها عذابات السوريين ومآسيهن التي رسمها النظام.
يصف شرف الدين حالة التهجير وتغريبة السوريين المثقلة بالألم، والفقدان، والفجيعة، فيقول:
“ثقيلةٌ حقائبهمْ
كأنما مُلِئَتْ بالحجارة
وفراشُ الإسفنج الخفيف
الذي حَشَروه بينها
كان ثقيلاً أيضاً
ونظراتهم الأخيرة
لبيوتهم وهم يُغادرونها
كانت ثقيلةً
حتى إنها عَلِقَتْ هناك
فتركوها وغادروا”.
وبالرغم من عمله كصحفي، لا يسطّر شرف الدين قصائده كشاعرٍ يتابع نشرات الأخبار، وتقارير الصحف، والمواقع الإلكترونية، وما تضمّها من صور، تهزّ ليل المتعاطفين ومشاعر المتابعين، بل كواحد ممّن ترسمهم كلمات قصائده، كسوريّ مهجّر مفجوع بأهله وداره ومدينته… كسوري خذلته خطابات الإنسانية و”المجتمع الدولي”:
“سدَّدناه دمعاً
الماءُ الذي شربناهُ
في بلادنا.
كأنه دَيْن!”.
وفي قصيدته التي عنونها بـ “ألم الأحداث غير المفهومة”، يعبّر الشاعر عن الألم، الذي يعتريه، وهو البعيد عن الحدث آلاف الكيلومترات والمدن والخطى، ويود لو يصيح بحرقة اليائس، والمسلوب، والعاجز، ليسأل العالم عن تفسيرٍ لما يلقاه أولئك الذين يُدفنون تحت غبار جدرانهم، من جراء صاروخ أو قذيفة مدفع أو طائرة جبانة:
“بينما صيحات الأقارب
تفتح طريق النجاة
سدَّ الغبارُ، الذي دخل عينَيْها،
مجرى الدموع.
***
ناجيةُ الأنقاض
لم تفهم ما الذي حدثَ
في لحظةٍ من الزمن.
لم تفهم كيف يمكن
لزجاج مرآتها
أن يجرح وجهها.
وكيف يمكن لجدار غرفتها
الذي استندتْ إليه طويلاً
أن يحاول دفنها.
***
ألمُ الأحداث
غير المفهومة
موجعٌ أكثر”.
ماهر شرف الدين، كاتب وناقد وصحفي وشاعر من مواليد عام 1977 في محافظة السويداء جنوبي سوريا، أقام في الحسكة حتى عام 1999، ليسافر بعدها إلى بيروت، ويعمل فيها ناقداً وكاتباً في الملحق الثقافي لجريدة “النهار” البيروتية، كما ترأس تحرير مجلة “نقد” الفصلية، يقيم اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية.
صدرت للكاتب المؤلَّفات التالية:
الرسّام الفاشل (شعر 1999)، ملحق حمورابي السرّي (شعر 2002)، سورة فاطمة (شعر 2004)، أبي البعثيّ (سيرة 2005)، تمثال امرأة تتجرع السمّ (شعر 2008)، لحظة وفاة الدكتاتور (سرد 2011/ طبعة ثانية 2018)، العروس (شعر 2012)، حصاة في كليتي اليسرى (شعر 2013)، والسوريون شجر (شعر 2017).