سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

قادش….أقدم اتفاقية سلام

عبدالرحمن محمد –
يمرُّ اسم «قادش» في الذاكرة ويستحضر معه الكثير من المعاني الجليلة والذكريات التي تدل على عراقة المكان وعَظمة من شغلوه على مرّ التاريخ، فمعركة قادش كانت من كبرى المعارك الفاصلة التي دارت في المكان ذاته، بين الحثيين والفراعنة عام 1274 ق.م. وكذلك فإنّ اسم قادش مرتبط بتاريخ أول معاهدة كتابيّة موثّقة في التاريخ، وهي أقدم اتفاقية سلام مكتوبة عرفها التاريخ وتضمَّنت بنوداً قانونيّة ودبلوماسيّة وعسكريّة نظّمت العلاقات بين الامبراطوريتين.
الموقع والأهمية
تقع قادش جنوب غرب مدينة حمص حوالي «30كم. في الداخل السوريّ»، وتتربَّع على تله اصطناعيّة على الضفة اليسرى لنهر العاصي، ترتفع بحدود الثلاثين متراً عما يجاورها، ومن خلال الموقع المتميز على الطريق الممتدة بين ساحل المتوسط ومناطق سورية الوسطى وحمص التي تتوسط سورية، وملتقى الطرق التي كانت تنطلق من البحر المتوسط حتى الرافدين، ولقربها من الحدود اللبنانية في منطقة البقاع فهي تعد ممراً بين الشمال والجنوب أيضاً منذ أن استوطنت المنطقة في الألف الرابعة قبل الميلاد، وملتقى للقوافل التجارية وطرق الاتصال مع الداخل والساحل وصولاً الى بلاد الرافدين، وكان الممر الرئيس لنقل البضائع من مرفأ «جبيل» على المتوسط عبر مناطق شمال لبنان إلى مملكة «قطنة» التي كانت مملكة معروفة تقاسمت السيطرة والنفوذ مع مملكة قادش وأمورو، وكانت المركز الرئيس للانطلاق نحو المناطق الشرقية والرافدين.
الموقع الأثري والتنقيبات
لَفت الموقع انتباه العديد من الرحالة والمستشرقين منذ بداية القرن العشرين الميلاديّ، وكانت بدايات العمل من قبل فريق آثار الماني كان ينقب في مدينة الموصل، حيث تم رسم مخطط للموقع وبدأت الدراسات منذ عام 1921م. ثم قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بمتابعة الأعمال في الخمسينيات، ومنذ عام 1975م بدأت بعثة إنكليزية برئاسة «بيتر بار P.Parr» بالعمل في الموقع، كما قامت بعمليات مسح بهدف معرفة طبيعة وفترات الاستيطان وإعادة قراءتها في ظل نتائج الحفريات الأثرية وذلك بالتعاون مع البعثات الأثريّة العاملة في المنطقة، بالتعاون مع البعثات الوطنيّة.
ومن خلال التنقيبات عبر أسبار متعددة وعلى عمق متر واحد، ظهرت السوية اليونانية الرومانية وغابت السوية الاسلامية وذلك عبر العثور على كسر فخارية وبعض القطع النقدية، وكانت الغاية من المرحلة هذه الكشف عن سور المدينة في الجهة الشرقية والذي وصل طوله إلى 70 متراً فيما بلغ عرضه 14 مترً، وبالوصول إلى عمق حوالي تسعة أمتار تم العثور علىً بقايا منشآت معمارية تتألف من أساسات حجرية، تبين أنها تخص السور الذي يعود لفترات تاريخية مختلفة، وكانت الدراسة تشير حسب الباحثين إلى وجود سور ثانٍ داخلي مبني من اللبن فقط، في الجزء الشرقي يعود للفترة الفينيقية، وأوان فخارية عُرفت في فلسطين، وهي تمتاز بعدم وجود مقابض ومطلية باللون الأحمر، وحلي تعود إلى حضارة الشرق القديم.
وفي القسم الشمالي من الموقع ومن خلال عمليات سبر أولية لعمق ما يقارب أربعة أمتار تم الكشف عن السوية الرومانية، إلى جانب العثور على بعض القطع النقدية والفخاريات التي تعود للعصر الإسلامي، وفخاريات بيزنطية، كما عثر في مستويات أعمق على الأواني فخارية وكسر من العظام والحلي العاجية تعود إلى العصر الهلنستي.
في المستويات والأسبار الأعمق وعلى عمق 12 متر ظهرت بقايا منشآت معمارية مبنية من اللبن على شكل حجرات «غرف» سكن، وفي ذات المستويات عثر على جزء من ختم أسطواني من الحجر الأسود يحمل نقشاً لستي الأول (1315 ق. م) ويقابله أربعة آلهة نقشت أسماؤهم ومنهم الإله آمون سيد السماء.
قادش… النبي مند
من خلال العمل المتواصل وفي مستويات عدة في التل والمناطق التي تحيط بع وعلى عدة مستويات وفي أسبار مختلفة ، توصل الباحثون الى تأكيد ان «قادش» هي ذاتها موقع «نبي مند»، ومن خلال النتائج التي توصلوا لها من خلال أعمال المسح للتلال المجاورة، وأتت نتائج أعمال البعثة الوطنية والبعثة الإنكليزية متطابقة من حيث تثبيت المراحل التاريخية التي تعاقبت على قادش من الألف الرابع ق.م حتى العصر البيزنطي.
كالكثير من المواقع الأثرية في سورية فإن الموقع ما زال يخبئ الكثير من المعطيات والنتائج التي قد تحمل مفاجآت أكبر وتضيف قيمة تاريخية وإنسانية أكثر للموقع ففي كل شبر من أرض سورية قصة حضارة وتاريخ إنسان.
المصادر:
ـ محاضرة للباحث ميشيل مقدسي
ـ موقع اكتشف سورية
ـ ويكيبديا الموسوعة الحرة