سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“فضائل” الهجرة من منظور حكومة دمشق

ضياء إسكندر

لعلّ أحد أبرز مآسي سوريا جرّاء الأزمة التي عصفت بها منذ عام 2011، هجرة الملايين من أبنائها ولجوؤهم إلى بلدان مجاورة وأوروبية؛ هرباً من الظروف القاهرة التي عمّت غالبية مناطقها.

ومن جملة الأسباب التي تضافرت وأدّت إلى هذه الكارثة الإنسانية الفظيعة، الصراع المسلّح والدمار الواسع الناجم عنه، فالقصف والمعارك العنيفة التي طالت البلاد، دفعت الكثيرين إلى الفرار من مناطقهم الأصلية بحثاً عن الأمان.

كما دفع انهيار الاقتصاد وتدمير البنية التحتية إلى تدهور الأوضاع المعيشة، وتوقّف أو تعثّر دوران عجلة الإنتاج، والانخفاض الشديد للقيمة الشرائية لليرة السورية والارتفاع الجنوني للأسعار، وفقدان الوظائف والخدمات الأساسية، وانعدام الأمن والاستقرار، وتفاقم الضغوط الاجتماعية والنفسية التي عانى منها السوريون، بالإضافة إلى ارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من قِبل مختلف الأطراف المتصارعة، الكثيرين للبحث عن الحماية والأمان وعن حياة أفضل، فكانت هجرتهم إلى الخارج.

وكان النظام السوري قد عقد مؤتمراً في دمشق، بحضور روسيا وعدد من الدول الصديقة للسلطة السورية لعودة اللاجئين السوريين عام 2020، وسط مقاطعة من قبل الدول المستضيفة للاجئين. وقد حفلت صفحات مواقع التواصل الافتراضي حينذاك، بالتعليقات الساخرة من قبل عدد كبير من السوريين، من أن المؤتمر يجب أن يكون تحت شعار (كيف نحافظ على من تبقّى من السوريين في البلاد من الهجرة إلى الخارج؟). فالأسباب التي دعت إلى الهجرة لم تتغير، بل زادت الأمور سوءاً وتعقيداً، حتى أصبح الجزء الأكبر منهم تحت خط الفقر. وإذا كان النظام وداعموه جادّين فعلاً في عودة اللاجئين، فعليهم معالجة الأسباب التي أدت إلى الهجرة، والحل صار معروفاً للقاصي والداني، وهو تطبيق القرار الأممي (2254) الخاص بسوريا والذي يقضي بحل سياسي للأزمة السورية.

وهذا القرار لم يلقَ استجابةً من قبل النظام السوري حتى الآن، فالسلطة في دمشق ما زالت تحلم بعودة البلاد برمّتها إلى ما قبل عام 2011، بقضّها وقضيضها، دون أي تغيير جدّي على الصعد كافةً. متجاهلةً الأسباب الحقيقية التي سبّبت هذه الكارثة والتعامي عن كل التغيّرات التي طرأت محلياً وإقليمياً ودولياً.

وبالتالي، فإن عودة اللاجئين والمهجّرين إلى ديارهم مع بقاء الظروف التي سبّبت مأساتهم، ما هي إلا قبضٌ للريح. لا بل يمكن القول إنه يُتاجَر بعودتهم من قبل قوى النهب والفساد وأمراء الحرب. ولا يهمّهم هجرة أبناء البلد بعقولهم وكفاءاتهم ومهاراتهم ورساميل كبار الصناعيين منهم، بل المهم هو بقاؤهم في سدّة الحكم، وديمومة مكاسبهم وامتيازاتهم على حساب جوع وعذاب وآلام السوريين.

وفي الوقت الذي يسعى المجتمع الدولي إلى معالجة قضية اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى ديارهم، آخرها انعقاد المؤتمر الثامن لدعم مستقبل سوريا والمنطقة في العاصمة البلجيكية بروكسل، وسعي لبنان لتسريع عودتهم الآمنة والكريمة إلى وطنهم، يتخذ النظام السوري خطوات معاكسة. فبدلاً من التعاون مع الجهود الدولية، يسعى النظام السوري إلى تشجيع السوريين داخل البلاد على الهجرة، وإبقاء اللاجئين في دول الشتات وعدم إعادتهم إلى سوريا. وأبسط مثال على ذلك، أسئلة امتحان الشهادة الإعدادية لمادة الاجتماعيات (الصفحة الثانية – الجغرافية) التي جرت بتاريخ 27/5/2024 حيث تضمنت السؤال التالي:

– اختر الإجابة الصحيحة مما يأتي وانقلها إلى ورقة إجابتك:

هجرة السكان إلى بلدان أخرى لها تأثير إيجابي في تنمية بلدهم من حيث (زيادة عدد السكان – التحويلات المالية لأهاليهم – تغيّر التوزّع السكاني – زيادة اليد العاملة).

وبالطبع الجواب معروف وهو (التحويلات المالية لأهلهم).

وليس خافياً على أحد من أن من يضع الأسئلة في الامتحانات النهائية للشهادتين الإعدادية والثانوية، لجنة من كبار المختصين وبإشراف مباشر من أعلى السلطات في وزارة التربية، ولا يمكن أن يجرؤ أحد على طرح سؤال في ورقة الامتحان دون معرفة ورضا القيّمين على العملية التربوية والتعليمية.

من هنا، فإن السلطات توحي بذلك ابتهاجها عمّا آلت إليه البلاد من تدمير وتهجير وتعتير، وتُعدّها من “الفضائل”، فالهمّ الوحيد بالنسبة لها هو استمرار تدفّق الحوالات المالية من الخارج، هذه الحوالات المغمّسة بالقهر والذل سواء لمستقبليها، أو لمرسليها الذين يكابدون الأمرّين لتوفير وادخار جزء مما يتقاضونه من أجر على حساب لقمتهم ورفاهيتهم وسعادتهم.